تقارير

جدلية رقمنة العلوم الإنسانية

برز خلال العقد الأخير مصطلح “العلوم الإنسانية الرقمية” الذي يدور حول تغيير منهجية إجراء البحوث في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تندرج ضمنها دراسات الإعلام والاتصال، حيث ساده الاتجاه نحو البحوث الكمية واستغلال المكاسب المتحققة من وراء التقنيات الرقمية، وهو ما كان قضية خلافية بين تيارين، الأول يرفض فكرة رقمنة العلوم الإنسانية، أي أنْ تشرح الواقع الاجتماعي بنفس الطريقة تقريبًا التي تفسر بها العلوم الطبيعية الواقع المادي.

أمَّا التيار الثاني فيؤيد استغلال انتشار الثقافة الرقمية والمجتمع الرقمي، وما رافقه من كمٍّ هائل من البيانات في إجراء البحوث الكمية.

واستعرض الدكتور دينيس نجوين الأستاذ بجامعة إتش يو للعلوم التطبيقية بأوترخت في هولندا من خلال ورقة بحثية بعنوان “دراسات الإعلام والاتصال في عصر الرقمنة”، هذه القضية عبر ثلاثة محاور هي:

القيود على الوصول للبيانات عائق أمام التحليل الكمي

يعتبر “نجوين” أن مسألة الوصول إلى البيانات تُعد من أبرز المحددات التي ارتبطت بعصر الرقمنة، فبينما يتم تحقيق تراكم للبيانات على نطاق غير مسبوق، إلا أن الوصول إليها أصبح محدودًا بشكل متزايد إمَّا لأسباب قانونية أو أسباب تتصل ببيئة عمل مواقع التواصل الاجتماعي، فاللوائح المنظمة لعملية تداول البيانات والمنافسة المتزايدة بين مواقع التواصل الاجتماعي الرئيسية تضع قيودًا كبيرة على مقدار البيانات التي يمكن الحصول عليها من تلك المنصات.

هذا الوضع جعل بعض الشركات الخاصة والجامعات الثرية التي يتوافر لديها موارد مالية كافية هي فقط التي تستطيع إجراء أبحاث على نطاق أوسع من حيث حجم البيانات، كما تتمتع أيضًا بإمكانية الوصول الحصري إلى البيانات القيمة، حيث تتميز بامتلاك الأجهزة القادرة على جمع البيانات حول السلوكيات البشرية بما في ذلك الأنشطة الاجتماعية والثقافية، كما يمكنها شراء مجموعات كبيرة من البيانات لدى الشركات المولدة للبيانات.

في المقابل فإن إمكانية الوصول المحدود إلى نطاقات بيانات النظام الأساسي لمنصات التواصل الاجتماعي تقف عائقًا أمام الجهات الأقل قدرة، فشكّلت أحد الأسباب الرئيسية للعودة إلى أساليب البحث “الكلاسيكية”، وإعادة التفكير في الأساليب الرقمية بما يتجاوز فكرة الاعتماد على كميات كبيرة من البيانات في التحليل. ولذلك قد يضطر الباحثون إلى محاولة استكشاف كيف يمكنهم استغلال مواقع التواصل الاجتماعي، عبر التركيز على المستخدم بدلاً من الحصول على البيانات من الشركات المالكة لتلك المنصات، التي يتم جمعها عبر وسائل الترميز كما هو الحال في البرمجة.

إن الجدل الأكاديمي المستمر حول أولوية الاعتماد على أساليب البحث النوعي أم الكمي، يؤثر بشكل أكبر على كيفية إجراء دراسات الإعلام والاتصال، حيث يحتاج الباحثون في مجال الإعلام إلى الاعتراف بأن الوسائط يتم استهلاكها واستخدامها على نطاق واسع، ممَّا يشير إلى الحاجة إلى البحث الكمي، ولكنه في النهاية لا يقدم تفسيرات تتعلق بالسياقات وتأثيراتها، ولعل ذلك يُظهر بوضوح أهمية البحث النوعي، فقد لا تتوافق اهتمامات بعض الباحثين والمشكلات البحثية مع النهج القائم على البيانات بشكل كبير، فهناك أسئلة تتجاوز التحليلات الارتباطية لمجموعات البيانات الكبيرة.

الإشكاليات المتعلقة بأخلاقيات البحث

تعتبر محدودية التقيد بالاعتبارات الأخلاقية أو انتهاكها، سواء كان ذلك متعمدًا أو غير متعمد مسألة مهمة في الأدبيات الأكاديمية ذات الصلة باستخدام الأساليب الحسابية والرقمية في البحث، وبالنسبة للباحثين لا تتعلق المسألة الأخلاقية عادةً بالاستغلال التجاري للبيانات، بقدر ما تتعلق بموافقة أصحاب البيانات وطريقة الوصول إليها والشفافية بشكل عام.

ويرى بعض الأكاديميين أن مجرد تحليل محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، عبر التركيز على رسائل المستخدمين والتفاعلات المتاحة بشكل عام، دون إبلاغ أصحاب الحسابات بأن بياناتهم تخضع للتحليل من أجل أغراض بحثية، يُعد انتهاكًا لأخلاقيات البحث العلمي.

يُبرز “نجوين” في ورقته البحثية إشكالية أخرى، تتمثل في أن مجرد إخفاء الهوية قد لا يكفي لضمان عدم إمكانية تتبع الأفراد أصحاب تلك الحسابات مرة أخرى من خلال محتوى رسائل خضعت مسبقًا لشكل من أشكال تحليل المحتوى، ولذلك يجب شرح كيفية جمع البيانات وتجميعها وإضفاء الطابع الشخصي عليها بوضوح في الورقة البحثية.

وتؤكد الورقة البحثية أنه يجب أن يتم تطوير أساليب بحث نوعية وكمية ذات أطر أخلاقية قوية تواكب قواعد البحث الجديدة المعتمدة على الوسائط الرقمية، التي تقوم بجمع البيانات عبر التقنيات الجديدة مثل إنترنت الأشياء، فضلًا عن زيادة البيانات ذات الصلة بالحياة اليومية لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.

نظرة مستقبلية حول مناهج دراسات الإعلام والاتصال

ينتهي “نجوين” إلى أن ثمة قيودًا واضحة على نتائج تطبيق المناهج التقليدية في دراسات الإعلام والاتصال، لا سيما ما يتعلق بالتغلب على الذاتية وإمكانية التعميم. إلا أنه في المقابل، فإن الأساليب القائمة على البيانات لا تكون بالضرورة أقل ذاتية فهي تجلب تحيزاتها الخاصة، فضلًا عن أن الباحثين لا يمتلكون جميعًا المهارات أو الأدوات أو القدرة على الوصول إلى البيانات اللازمة لإجراء أبحاث رقمية وحاسوبية حول موضوعات في نطاق حقل الإعلام والاتصال.

ويُشير إلى أن التحليلات الوصفية وحدها لا تكفي لإضافة تراكم علمي، كما أن الدراسات المعتمدة على التحليل الكمي للبيانات بصرف النظر عن طريقة جمع البيانات أو حتى حجمها الكبير، تتجاهل المكونات التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تتفاعل مع تكنولوجيا الاتصال الحديثة، وهو ما يعكس قصورًا منهجيًّا في التحليل، وكثيرًا ما أثيرت هذه القضية عند مناقشة رقمنة العلوم الإنسانية، لكن يجب معاودة التأكيد عليها في عصر ينتشر فيه الادعاء بأن إيجاد الارتباط يتفوق على فهم السببية.

وتُثير الورقة البحثية تساؤلًا مهمًّا حول كيفية تبرير الباحثين في مجال الإعلام ودراسات الاتصال خياراتهم المنهجية وكيف ستتعايش الأساليب التقليدية والجديدة؟

يقول “نجوين”: بشكل عام، لا يمثل الأمر مشكلة إذا قام الباحثون ببناء خبرة محددة بشأن الأساليب التي تخدم إما توليد الفرضيات (الأساليب النوعية) وإما اختبار الفرضيات (الأساليب الكمية)، فمسألة أن يكون لدى الباحث تفضيل منهجي، أي تفضيل تقديم قراءة نقدية لعينات صغيرة أو تقديم تحليل إحصائي لمجموعات أكبر من البيانات، ليست مشكلة في حد ذاتها، لكن يجب على الخبراء في البحوث النوعية والكمية العمل معًا بشكل وثيق في تصميم مناهج بحثية متعددة التخصصات للاستفادة من نقاط القوة في كل من المنهج النوعي والكمي.

فتتم الاستفادة من التطورات في معالجة اللغة الطبيعية بتحليل مجموعات البيانات الضخمة من النصوص، ولكن الخطابات المعقدة المتعلقة بتأطير القضايا، لا بد فيها من الاعتماد على التفسير البشري في عملية جمع البيانات وتحليلها.

على سبيل المثال، في البحث حول الإطارات والتأطير في الخطابات العامة، يمكن أن تساعد المناهج المحوسبة القائمة على البيانات الكبيرة في تصنيف مجموعات كبيرة من البيانات لتجميع المحتوى مسبقًا من نصوص الأخبار أو وسائط التواصل الاجتماعي في شكل نمذجة للموضوع، وهو يمكن أتمتته بسهولة وبشكل مفيد بحثيًّا، وفي المرحلة التالية يتم إضافة الملاحظات في مقابلات مع المستجيبين حول تأثيرات التأطير، للتوصل إلى فهم لمدى تأثير تأطير المحتوى على الآراء الفردية من عدمه.

يختتم نجوين ورقته البحثية بالإقرار بأن هذه القضية وما يرتبط بها من تساؤلات تظل مثار جدل ونقاش مستمرًّا في مراكز دراسات الإعلام وبحوث الاتصال، وبينما يحتاج كل باحث إلى تقرير وتبرير سبب اختياره لمسار منهجي معين، فإن ظهور الأساليب الرقمية لا يعني انتهاء البحوث والمناهج التقليدية، فلأسباب عملية تستند إلى طبيعة البحوث في مجال الإعلام والاتصال، تستمر المنهجيات المختلفة في التعايش، ويقع على عاتق القائمين على البحوث استكشاف متى وكيف يكمل تلك المناهج بعضها بعضًا، وتظل الأسئلة ذات الصلة بالموثوقية وصلاحية البيانات وشفافيتها ومراعاة الاعتبارات الخاصة بأخلاقيات جمع البيانات كما كانت دومًا.

زر الذهاب إلى الأعلى