الدراسات الإعلامية

شبكات التواصل الاجتماعي.. الديناصور يلتهم الصحافة والتليفزيون

لم تَحسم النقاشات والدراسات الإعلامية المستفيضة، جدليةَ طبيعةِ العلاقة بين وسائل الإعلام التقليدية “الصحافة، التليفزيون، الإذاعة.. إلخ”، وبين شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) “فيس بوك، تويتر، يوتيوب، إنستجرام، سناب شات، واتساب.. إلخ”، أو ما بات يُعرَفُ لدى الكثيرين بـ “الإعلام الجديد”.

شبكات التواصل الاجتماعي باتت تهدّد عرش وسائل الإعلام التقليدية، وربما تهدّد بانقراضها، أو على الأقل بتحجيم دورها وتأثيرها

ذلك أن شبكات التواصل الاجتماعي التي أصبح دورُها ضخماً للغاية، وتمكّنت خلال سنوات قليلة من الاستفادة من الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، ليزيد عددُ مستخدميها عن 3.2 مليار نسمة على مستوى العالم، وَفق بعض الإحصائيات المنشورة عام 2018، باتت تهدّد عرش وسائل الإعلام التقليدية، وربما تهدّد بانقراضها، أو على الأقل بتحجيم دورها وتأثيرها.

وبينما يتزايد عددُ مستخدمي تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي على مستوى العالم، بنسبة 13%، فإن لدى المملكة العربية السعودية، وَفق بعض التقديرات، أكبرَ زيادةٍ سنوية في عددِ مستخدمي مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، منذ يناير 2017 إلى يناير 2018، وتصل إلى قرابة 32%.

في المقابل، فإن هناك جانباً آخر لتلك العلاقة، يبدو فيه أن وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، قد تبادلا الاستفادةَ من بعضهما البعض، فتشير بعضُ الدراسات إلى أن 70% من المحتوى الإعلامي لشبكات التواصل، مستقى من وسائل الإعلام التقليدية، في حين أن وسائل الإعلام راحت – هي الأخرى – تعتمد على “السوشيال ميديا”، كمصدرٍ أساسي لأخبارها وتقاريرها، كما وفّرت شبكات التواصل الاجتماعي، منصاتٍ هامةً للغاية لوسائل الإعلام، تَنشر من خلالها محتواها وتصل عبرَها إلى جمهورها.

ومع تطوّر شبكات التواصل الاجتماعي واستفادتها المتزايدة من ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال، واتساع دائرة استخدام شبكة الإنترنت والحواسب الصغيرة بكافة أشكالها، والهواتف الذكية بما تملكه من إمكانيات تقنية كثيرة، اتسع الدورُ الإعلامي لتلك الشبكات، في مقابل تقلّص وتراجع دور وتأثير وسائل الإعلام التقليدية، ما يطرح العديد من التساؤلات حول سيناريوهات مستقبل الإعلام التقليدي، وهل يستطيع الصمود أمام التحديات والمستجدات التقنية الهائلة، وكيف يمكنه ذلك؟ أم ينسحب رويداً رويداً، وتختفي معه صناعة الإعلام بشكلها الكلاسيكي، في مقابل تربّع الإعلام الجديد بما يحمله من سِماتٍ فرديةٍ ومبادرات شخصية، بعيدةٍ عن العمل المؤسسي والتنظيمي؟

معاناة الإعلام  التقليدي

وسائل الإعلام التقليدية تواجه تحديات ضخمة للغاية، ومأزقاً كبيراً ربما لم تواجهه عبر تاريخها، والأمر لا يقتصر على دولة أو منطقة بعينها، بل بات ظاهرة عالمية

تُعدّ صناعة الإعلام من الصناعات الضخمة والمكلفة للغاية، وفي الغالب الأعم، فإنها لا تستطيع أن تحقق ربحاً ذاتياً، ولا تتمكن من تغطية تكاليفها، إلا بدعم وتمويل من خارجها، سواءً كان الدعم حكومياً أو حزبياً أو أهلياً.

غير أن وسائل الإعلام التقليدية باتت تواجه تحدياتٍ ضخمةً للغاية، ومأزقاً كبيراً ربما لم تواجهه عبر تاريخها، والأمر لا يقتصر على دولة أو منطقة بعينها، بل بات ظاهرةً عالمية، يشهد خلالها الإعلام التقليدي تراجعاً رهيباً، في دوره وانتشاره وتأثيره.

ورغم أن الإعلام التقليدي استفاد من الثورة التقنية، وتحوّل مع مطلع الألفية الجديدة وربما قبلها بسنوات، إلى الإعلام الرقمي، وظهرت آلاف مواقع الإنترنت الإخبارية لتكون بمثابة منصات إلكترونية لوسائل الاعلام التقليدية، وخاصة الصحف ومحطات التليفزيون، إلا أن التطورات السريعة والمتلاحقة، والإمكانات والمميزات التي توفّرها شبكات التواصل الاجتماعي، سحبت البساط من تحت أقدام الإعلام المؤسّسي، الذي يلهث وراء سيل الأخبار والأحداث الجارفة، فيما تسبقه “السوشيال ميديا” غالباً بخطوةٍ وربما خطوات.

وتواكب مع ذلك الأزمة المتصاعدة التي تواجهها الصحافة المطبوعة التي بدأت تنحسر، وتفقد معظمَ جمهورها وقرائها لصالح شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، ومع تراجع توزيع الصحف المطبوعة بشكل رهيب خلال السنوات القليلة الماضية، تراجعت بالطبع عائداتُها من الإعلانات لصالح الإعلام الجديد، الذي يلتهم عبر منصاته المختلفة جزءاً غيرَ يسير من كعكة الإعلانات.

وأدّت تلك التطورات السلبية في الصحافة المطبوعة إلى إعلان بعض الصحف العالمية، عن إغلاقها للنسخة المطبوعة، وحدث نفس الأمر في صحف بعض دول المنطقة العربية، واضطرت بعضُ المؤسسات الصحفية أن توقف كثيراً من إصدارتها، أو تندمج فيما بينها وتقلّل نفقاتها، وتستغني عن الكثير من كوادرها.

تطابق الأمر بشكل أو بآخر، وإن اختلفت التفاصيل، في محطات التليفزيون والفضائيات التي تعاني ضخامة الكلفة، ومحدودية العائد والتأثير.

أما محطات الإذاعة المسموعة، فإن معاناتها المستمرة منذ عقود، بعد انتشار التليفزيون بشكل واسع وسريع، قد زادت مع الدور المتعاظم لشبكات التواصل الاجتماعي، وربما باستثناء سماع محطات الراديو داخل السيارات، لا تكاد تسمع لها همساً في المرافق المجتمعية الأخرى.

وقد أدى هذا التراجع الرهيب في انتشار واستخدام  وسائل الإعلام التقليدية، إلى تراجع دورها وتأثيرها، ومساهمتها في صناعة الرأي العام، ومن ثم فقد انحسرت عنها العديد من مصادر التمويل، فبعض المؤسسات الإعلامية قد لا تتمكن يوماً من الصمود إذا رُفع عنها غطاءُ الدعم الحكومي.

الإعلام الجديد .. دور متزايد

شبكات التواصل الاجتماعي في أبسط تعريفاتها، تمثل منصاتٍ إلكترونية شخصية لرواد شبكة الإنترنت، من أجل تبادل معلومات وصور وفيديوهات مع مجموعة أصدقائهم وشبكة علاقاتهم، وتسمي بالإعلام الاجتماعي، لأنها تسمح للأشخاص بإنتاج وتنظيم وتعديل المحتوى والتعليق على مضامين معيّنة.

شهدت شبكات التواصل نمواً رهيباً، فاق كلَّ التوقعات، واحتلت مكاناً كبيراً في حياة البشر، وشغلت حيزاً واسعاً من وقتهم واهتماماتهم

وتضم تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي المعروفة على مستوى العالم، قرابةَ المائتي موقع وتطبيق، أبرزها على الإطلاق “فيس بوك” الذي يتجاوز مستخدموه على مستوى العالم 2.234 مليار مستخدم نشط شهرياً، ثم “يوتيوب” الذي تشير بعض التقديرات إلى أنه يتم يومياً مشاهدة أكثر من مليار ساعة على منصّته، بواسطة أكثر من 1.900 مليار مستخدم نشط شهرياً، بخلاف زوار الموقع غير المسجلين.

أما “واتساب” فيُعدّ واحداً من أهمّ تطبيقات التراسل الفوري حول العالم، والذي ساهم في تقليل أرباح شركات الاتصالات، ويستخدمه أكثر من 1.500 مليار مستخدم نشط شهرياً حول العالم، فيما تزايد عدد مستخدمي موقع “إنستجرام” الذي يُعدّ التطبيق الأول لتبادل الصور والفيديوهات لأكثر من مليار شخص، ويظلّ “تويتر” من أهم مواقع التواصل الاجتماعي وأكثرها شيوعاً حول العالم، ويمتلك أكثر من 335 مليون مستخدم نشط، أما “سنات شات” الذي يتميز بمشاركة الصور ولقطات الفيديو القصيرة التي لا تتجاوز الـ 10 ثوان لمدة معينة قبل أن تصبح مختفية للأبد، فيَحتفظ بأكثرَ من 291 مليون مستخدم نشط حول العالم.

سريعاً وخلال سنوات قليلة، شهدت شبكات التواصل نمواً رهيباً، فاق كل التوقعات، واحتلت مكاناً كبيراً في حياة البشر، وشغلت حيزاً واسعاً من وقتهم واهتماماتهم، وساعدت مزايا شبكات التواصل الاجتماعي، على أن تضطلع بدور إعلامي مؤثر، إذ يتم من خلالها تناقل الأحداث والأخبار والمعلومات بشكل واسع وفي أوقات قياسية.

وأطلق الكثير من الخبراء على شبكات التواصل الاجتماعي مصطلح “الإعلام الجديد”، الذي بات يتميز بالفورية والتفاعلية، والمبادرة الشخصية، بعيداً عن أية قيود تنظيمية، ومع الإعلام الجديد، ظهرت ما يسمى بصحافة المواطن، الذي يمكنه تيسجيل الحدث لحظةَ وقوعه بكاميرا هاتفه الذكي، ويبثّها مباشرةً عبر حسابه على شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي مقابل الكلفة الباهظة والعمل المؤسسي للإعلام التقليدي، فإن تكلفة منصات الإعلام الجديد، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أقلّ بكثير، وتعتمد على المهارات الفردية، ونجحت بالفعل في أن تُبرِز كثيراً من الموهوبين الذين يقدّمون محتوى مختلفاً مرئياً كان أو مكتوباً، يتابعهم الآلاف، ويحققون أرباحاً مادية مجزية من خلال عائدات الإعلانات، التي تظهر مصاحبة للمحتوى المُقدَّم مِن قِبلهم.

ومع اتساع دائرة انتشار وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي، فإن الحكومات وكافة المؤسسات سواء الرسمية أو الأهلية، بكافة مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والفنية والرياضية.. إلخ، وكذلك القيادات السياسية والمشاهير، لم تجد مفراً من أن يكون لها حساباتها على شبكات التواصل الاجتماعي، لتنشر كافة أخبارها ومواقفها من مختلف القضايا عبر تلك الشبكات، وتراقب حجم التفاعل ورود الأفعال على ما تنشره.

فقد بات باستطاعة أيِّ متابع لحساب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تويتر، على سبيل المثال، أن يقرأ أية تغريدة كتبها، قبل أن تنقلها وسائل الإعلام التقليدية، كما أن كافة المؤسسات والجهات وعبر حساباتها الموثّقة على شبكات التواصل الاجتماعي، تنشر بياناتها الجديدة، وكافة ما تريد أن تُخبِرَ جمهورَها به، هذا فضلاً عن تقنيات البثّ المباشر للأحداث والفعاليات المختلفة، سواءً كانت رسمية أو حتى شخصية.

ومن ثم فقد تفوّقت شبكات التواصل الاجتماعي على وسائل الإعلام التقليدية، في وظيفتها الأساسية، المتعلقة بنقل الأخبار  والأحداث، وسبقتها كثيراً في هذا المضمار، حتى باتت وسائل الإعلام تنقل عنها كثيراً من الأخبار والمعلومات.

الإعلام الجديد .. ساحة فوضوية

رغم المزايا والانتشار الهائل الذي حققته شبكات التواصل الاجتماعي في وقت قصير للغاية، وهدّدت به عرشَ وسائل الإعلام التقليدية، إلا أنها تحوّلت سريعاً إلى ساحةٍ لنقل الشائعات والأخبار غير الدقيقة وغير الموثّقة.

 الإعلام الجديد اتسم في كثير من الأحيان بالسطحية المفرطة، وافتقد للمعالجة العميقة للأحداث

ومن ثم فقد باتت الأخبار المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي تفقد الكثيرَ من المصداقية والثقة.

ورغم الحرية التي تتمتع بها وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها ساحاتٍ مفتوحةً لنشر الأخبار والمعلومات والآراء، إلا أنها باتت في كثير من الأحيان، ساحةً فوضوية، لا يحكمها أيُّ تنظيم، ولا تحدّها أيُّ قواعد، ولا تردعها أية قوانين.

كما أنها تعاني من مشكلة الوصول إلى مصادر المعلومات والأخبار الأصلية في كثير من الأحيان، ونظراً لكون الإعلام الجديد يقوم في معظمه على مبادرات فردية، فإن افتقاد العمل المؤسسي وقواعد العمل الإعلامي، تجعله في كثير من الأحيان لا يميّز الغثّ من السمين.

ومع تزايد المنافسة والأسبقية على سرعة نقل الحدث عبر الشبكات الاجتماعية، فإن الإعلام الجديد اتسم في كثير من الأحيان بالسطحية المفرطة، وافتقد للمعالجة العميقة للأحداث.

بين إعلامين

الانتشار الهائل والسريع وقوة التأثير الضخم لشبكات التواصل الاجتماعي، دفعت، وخصوصاً المواقع الإلكترونية للصحف والقنوات التليفزيونية، أن تستثمر ذلك الانتشار والتأثير، في إنشاء منصّاتٍ لها عبر تلك الشبكات.

 

70% من جمهور وسائل الإعلام على شبكات الإنترنت، يدخل إليها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، التي باتت تمثل سوقاً رائجةً لعرض بضاعة وسائل الإعلام التقليدية

وساعدت الصفحات والحسابات التابعة لوسائل الإعلام على شبكات التواصل الاجتماعي، في نشر محتوى الإعلام التقليدي، كما أسهمت في زيادة التفاعل مع ما تنشره من أخبار وتقارير ومقالات وفيديوهات.. إلخ.

ووفق كثير من التقديرات، فإن ما بين 50 – 70% من جمهور وسائل الإعلام على شبكات الإنترنت، يدخل إليها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، التي باتت تمثل سوقاً رائجةً لعرض بضاعة وسائل الإعلام التقليدية.

وكانت منصات شبكات التواصل الاجتماعي بمثابة “قبلة الحياة” لوسائل الإعلام التقليدية، حيث أسهمت في انتشارها، وإنْ بشكل رقمي، بينما بات الشكل التقليدي، سواء للتليفزيون أو الصحف المطبوعة، أكثرَ انحساراً وأقلّ تأثيراً.

من جهةٍ أخرى، فقد وفّرت وسائل الإعلام لشبكات التواصل الاجتماعي، محتوىً فائضاً من الأخبار والتقارير والآراء ذات الثقة والمصداقية، التي يتمّ تبادلها بين ملايين المستخدمين، فيما اعتمدت أيضاً وسائلُ الإعلام التقليدية على شبكات التواصل الاجتماعي في الكثير من مصادر أخبارها.

سيناريوهات المستقبل

المنافسة بين الطرفين ستحتدم خلال الفترة المقبلة، والنتيجة لن تكون بأي حال من الأحوال في صالح وسائل الإعلام التقليدية

لا يَتوقّع بعضُ خبراء الإعلام، اختفاءَ وسائل الإعلام التقليدية بعد انتشار الإعلام الجديد، مستشهدين بعدم اختفاء الصحافة بعد ظهور الإذاعة، وعدم اختفاء الأخيرة بعد ظهور التليفزيون، إلا أنهم يتوقعون تزايد حجم التفاعل بين الطرفين، في إطار علاقةٍ تكاملية، يخدم فيها كلٌّ منهما الآخر، فتُثري وسائلُ الإعلام محتوى شبكات التواصل، التي تُسهم بدورها في زيادةِ تأثير وانتشار وسائل الإعلام.

فيما يرى خبراء آخرون، أن المنافسة بين الطرفين ستحتدم خلال الفترة المقبلة، وأن النتيجة لن تكون بأيّ حال من الأحوال في صالح وسائل الإعلام التقليدية، وأن التطورات التقنية المتلاحقة وتزايد الانتشار والتأثير لـ”السوشيال ميديا”، وتوفيرَها حساباتٍ ومنصاتٍ لمختلف المؤسسات والشخصيات صانعة الأخبار والأحداث، ستُغني في النهاية عن وسائل الإعلام التقليدية.

وتبقى أمام وسائل الإعلام بشكلها التقليدي تحدياتٌ كثيرة، ففد بات تحوُّلها إلى تقديم جميع محتواها بشكل رقمي، مسألةَ وقت، غير أن المُعضلة تكمن في كيفية مواجهتها للدور المتنامي والمتصاعد لشبكات التواصل الاجتماعي على حسابها، بعد أن التهمت جزءاً كبيراً من حصتها الإعلامية والإعلانية.

ولا يمكن للإعلام التقليدي أن يستمرّ في الساحة، ويواصل التحدي، ويعاود الانتشار والتأثير، إلا عبر محتوى أكثر تميّزاً وتفرّداً وعمقاً، فيقدّم ما لا تستطيع شبكاتُ التواصل أن تصل إليه، لا أنْ يَنقُلَ مِنها أو عنها.

زر الذهاب إلى الأعلى