قراءات

ماذا سيحدث لو عاد ترامب إلى البيت الأبيض؟

في الخامس من نوفمبر المقبل، سيكون العالم على موعد مع الانتخابات الرئاسية الـ60 في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، والتي سترسم نتيجتها ليس فقط معالم التغيرات السياسة الخارجية الأمريكية، بل تحدد مسارات الحركة للسياسة الدولية لأربعة أعوام مقبلة.

وفقًا لأدبيات العلاقات الدولية، يشير التغير في السياسة الخارجية للدولة إلى أي تحولات أو تغيرات تحدث في السياسة الخارجية بصفة عامة من حيث التوجهات والأهداف والأدوار أو التغير في القرارات أو السلوکيات أو أولوية استخدام أدوات السياسة الخارجية، وقد أطلق منظرو العلاقات الدولية على عملية التغير مسميات عديدة، مثل التكيف السياسي، وإعادة هيكلة السياسة الخارجية، وإعادة توجيه السياسة الخارجية.

ولطالما كانت السياسة الخارجية الأمريكية تتسم بدرجة عالية من الاستمرارية كونها ذات طبيعة مؤسسية، فهي ليست مرتبطة بشخص وحزب الرئيس فقط، إذ يشارك في عملية صناعة القرار، ورسم توجهات السياسة الخارجية لكثير من المؤسسات؛ الرئيس وفريقه المعاون في البيت الأبيض، بما في ذلك مجلس الأمن القومي، بجانب الكونجرس، ووزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” ووكالات الاستخبارات، هذا فضلًا عن تأثير جماعات المصالح “اللوبيهات” وهي إحدى السمات المميزة للنظام السياسي الأمريكي.

وعلى هذا النحو، نجد أن هناك ملفات تتسم بدرجة عالية من الثبات النسبي في السياسة الخارجية الأمريكية، وهذا لا يعني قطعًا وجود تغيرات، لكن المتأمل للسياسات التي انتهجها الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون يلاحظ بوضوح أن التغير يكون في أدوات تنفيذ السياسة الخارجية؛ نظرًا لأن هناك شبه إجماع أو اتفاق على المصالح الأساسية للأهداف الرئيسية التي يجب العمل على حمايتها، إلا أن كل هذه الثوابت تحطمت في عهد الرئيس الأمريكي الـ45، دونالد ترامب، والأوفر حظا حاليًا لنيل بطاقة ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة في نوفمبر.

  • ترامب كرئيس غير تقليدي

يشكل ترامب حالة فريدة في تاريخ السياسة الأمريكية، فهو أول رئيس يصل إلى البيت الأبيض بدون سابق خبرة في العمل السياسي، إذ إنه لم يتقلد أي منصب تنفيذي أو تشريعي قبل توليه الرئاسة في عام 2017.

وانعكست خلفية ترامب المهنية كملياردير وقطب عقارات على ممارسته للسلطة، حيث تعامل مع قضايا السياسة الخارجية بمنطق الصفقات التجارية، فضلًا عن صدامه المتكرر مع المؤسسات الأمريكية التي اتهمها بمناؤته وأطلق عليها اسم “الدولة العميقة”، بجانب تبنيه نمط الإدارة العائلية لشؤون البيت الأبيض، حيث استعانته بابنته إيفانكا وزوجها جاريد كوشنر كمستشارين له.

في الوقت ذاته سجلت إدارة ترامب معدل تغييرات قياسية، فعلى سبيل المثال خدم في إدارته 4 مستشارين للأمن القومي هم مايكل فلين، وإتش آر ماكماستر، وجون بولتون، وروبرت أوبراين. كما تعاقب على وزارة الدفاع الأمريكية 5 أشخاص ما بين وزراء أو قائمين بالأعمال وهم الوزير جيمس ماتيس الذي تمت إقالته ليخلفه باتريك شاناهان وريتشارد سبنسر كقائمين بالأعمال على التوالي، ثم تعيين مارك إسبر وزيرًا للدفاع والذي أقاله ترامب بعد هزيمته في الانتخابات الرئاسية عام 2020، ليختار كريستوفر ميلر قائمًا بالأعمال. ولم تسلم وزارة الخارجية الذراع التنفيذية الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية من عاصفة التغييرات المتكررة وإن كانت أقل حدة، حيث خدم في ولاية ترامب وزيران هما ريكس تيلرسون ومايك بومبيو.

  • انعكاسات العودة المحتملة لترامب إلى البيت الأبيض

بينما تفصلنا 9 أشهر على الانتخابات الرئاسية الأمريكية، يترقب كثير من صناع القرار حول العالم نتائج تلك الانتخابات وانعكاساتها على السياسة الخارجية الأمريكية لا سيما في ظل احتمال عودة ترامب إلى البيت الأبيض، حيث بدأ العالم في الاستعداد لعواقب رئاسة ترامب الثانية.

سيكون التحول من إدارة بايدن إلى إدارة ترامب تحولاً إلى النقيض بسبب الفجوة الشاسعة بين مواقفهما، فقد كان أول إعلان لبايدن في خطاب تنصيبه أن أمريكا عادت للساحة العالمية، بمثابة طي لصفحة نهج ترامب في السياسة الخارجية، حيث سعت الإدارة الديمقراطية إلى الانخراط مجددًا في القضايا العالمية، وأن تكون واشنطن قريبة من حلفائها، وتمكنت بالفعل من تشكيل تحالف قوي لدعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، وإعادة حشد التحالفات في آسيا لردع طموحات الصين، ومع ذلك نمت الفوضى العالمية، وضربت الفوضى الشرق الأوسط وأجزاء من إفريقيا وأفغانستان. ولذلك ستكون رئاسة ترامب الثانية مختلفة عن الأولى، لأن العالم أكثر فوضوية ولأن ترامب أقل احتمالاً للتسامح مع عرقلة أجندته التي بدأها في ولايته الأولى.

  • الشرق الأوسط

في ظل الوضع الراهن المشتعل في الشرق الأوسط، حيث العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي، وتداعياته في الإقليم، لا سيما بالعراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث تنشط جماعات مسلحة مدعومة من إيران وتقوم بشن هجمات تستهدف إسرائيل والقوات الأمريكية بالمنطقة. بالإضافة إلى تعويل اليمين المتطرف في إسرائيل على عودة ترامب إلى السلطة.

على الأرجح سيعمل ترامب على تنشيط نهج الصفقات بشأن رسم معالم “اليوم التالي في غزة”، كما سيتبنى ترامب نهجًا تصعيديًا مختلفًا عن نهج بايدن تجاه إيران، فسيكون رده على الهجمات التي تتعرض لها القوات والمنشآت الأمريكية في المنطقة بتشديد سياسة العقوبات وتنفيذ ضربات عسكرية مؤثرة كما سبق وأن فعل حينما أمر باغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.

  • الصين

يشير كثير من المراقبين إلى أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض ستكون من مصلحة الصين، وذلك على الرغم من أنه في ولايته الرئاسية أطلق حربًا تجارية؛ وفرض تعريفات جمركية على الواردات الصينية؛ وأثارت غضب بكين من خلال الإشارة إلى فيروس كورونا باسم “الفيروس الصيني”، إلا أن “الولايات المتحدة بقيادة بايدن، ربما من المنظور الصيني، تبدو وكأنها تحد أكبر، بحسب ما يرى سكوت كينيدي، أحد كبار المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

ولعل المثال الأكثر دلالة هو سياسة بايدن التكنولوجية، ففي عام 2022، منعت إدارته فعليًا تصدير أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين، حيث تعيق تلك القيود آمال الصين في بناء صناعة شرائح تنافسية لسنوات وتعيق تقدمها في قطاعات التكنولوجيا الرئيسية الأخرى، مثل الذكاء الاصطناعي.

وتعد أجاث ديمارايس، الزميلة البارزة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض قد تكون في صالح الصين، لعدة أسباب، منها أنها ستؤدي لزيادة الانقسامات بين أمريكا وأوروبا بالدخول في حروب تجارية مما يحول دون ظهور السياسات العابرة للأطلسي التي تضر بمصالح بكين، مثل الضوابط على الواردات من الصين، كما أن ولاية رئاسية ثانية لترامب لن تساهم في إقناع الاقتصادات النامية – التي استخف بها ترامب مجتمعة ووصفها بأنها “دول قذرة” – بالشراكة مع واشنطن لتوريد المواد الخام المهمة، وهو ما يسهل على بكين الوصول إلى المواد الخام مثل الكوبالت والنحاس والجرافيت والليثيوم والنيكل.

  • الحرب الروسية الأوكرانية

تعد الحرب الروسية الأوكرانية من الأكثر الملفات الدولية تأثرًا حال فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية بالنظر إلى حديثه المتكرر عن قدرته على إنهاء الحرب في غضون 24 ساعة إذا أعيد انتخابه، وهي مسألة تثير مخاوف كييف والدول الأوروبية. ومن المرجح على أقل تقدير أن تعني رئاسة ترامب انخفاضًا كبيرًا في الدعم لأوكرانيا، فمن دون مستويات عالية جدًا من المساعدات العسكرية الأمريكية (61.4 مليار دولار حتى الآن)، سيكون من المستحيل على أوكرانيا مواصلة القتال.

وربما يبدأ ترامب خطواته نحو تهيئة المجال للتسوية السلمية بقرار جريء برفع العقوبات على روسيا كمقدمة لمفاوضات تؤدي لوقف إطلاق النار، ومن ثم العودة إلى صيغة اتفاقيات مينسك مع إجراء تعديلات تعالج التطورات الميدانية الجديدة.

  • حلف الناتو

كان حلف شمال الأطلسي “الناتو”، الذي تأسس في عام 1949 وحظي بدعم الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، إحدى الجبهات التي أطلق ترامب سهام غضبه نحوها، فترامب الرئيس هدد مرارًا بالانسحاب من الناتو أشهرها في قمة الحلف عام 2018. والآن كمرشح محتمل للرئاسة الأمريكية صرح بأنه سيشجع روسيا على “فعل ما تريد” لأعضاء الناتو الذين لم يسددوا الالتزامات المالية المقررة للحلف.

وإن كان الانسحاب من الناتو لم يتم خلال رئاسته بفعل تأثير أشخاص محيطين به بذلوا جهدًا لإقناعه بالعدول عن الخطوة، وهو الدور الذي قال جون بولتون إنه فعله، ويُعتقد أن جيمس ماتيس وريكس تيلرسون، ومايك بومبيو فعلوه أيضًا، لكن إذا أعيد انتخاب ترامب في عام 2024، فلن يكون لأي من هؤلاء مكان في البيت الأبيض، فقد انتهت علاقتهم مع ترامب بغير رجعة، وعلى الأرجح سيكون محاطًا بأشخاص إما يشاركونه كراهيته للتحالفات الأمنية، أو لا يعرفون عنها شيئًا ولا يهتمون بها.

  • الاتفاقات والمؤسسات الدولية

كانت علاقة ترامب مع المؤسسات والاتفاقات الدولية مضطربة إلى حد كبير، فقد انسحب في ولايته الأولى من اتفاقيات، أبرزها اتفاق باريس للمناخ، والاتفاق النووي الإيراني، واتفاقية الأجواء المفتوحة، والمعاهدة الدولية لتجارة الأسلحة التقليدية. كما اتخذ قرارات بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، ومنظمة اليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

ورغم أن بايدن مع توليه الرئاسة اتخذ قرارات بالعودة إلى كثير من تلك الاتفاقيات، بل واعتذر عما فعله سلفه، لا سيما فيما يتعلق باتفاق باريس للمناخ، فإنه لم يتمكن حتى الآن من القيام بخطوات مماثلة في حالات أخرى وتحديدًا الاتفاق النووي الإيراني، الذي مر بجولات كثيرة من المفاوضات الرامية لإحيائه دون أن تفضي إلى نتيجة.

وعلى الأرجح فإن عودة الملياردير الجمهوري إلى المكتب البيضاوي سيرافقها توقيع قرارات تتعلق بتلك الملفات تضاهي السرعة التي تحرك بها الرئيس الديمقراطي لإلغاء قرارات سلفه، مما يخلق حالة من الفوضى على الساحة الدولية.

وختامًا، إن احتمال وصول ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة مجددًا، مسألة ستكون لها تداعيات واسعة على السياسة الخارجية الأمريكية، وعلاقة واشنطن مع حلفائها قبل أعدائها، وسيكون لها ارتدادات على الهياكل المؤسسية للنظام الدولي. 

زر الذهاب إلى الأعلى