قراءات

خطاب الملك سلمان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.. قراءة في الدلالات

حملت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حفظه الله، أمام الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العام للأمم المتحدة -عبر الاتصال المرئي- العديدَ من الرسائل التي تعكس رؤية وحنكة قائد حكيم، ودورًا رائدًا لمملكة الإنسانية على الساحتَيْن الإقليمية والدولية وقيادتها للعالمَيْن العربي والإسلامي، التي تأتي في توقيتٍ بالغ الخطورة، أصبح العالم فيه في حاجة ملحة وضرورية إلى صوت الحكمة والاعتدال والتعاون لمواجهة التحديات الجسام التي يمر بها، وفي مقدمتها وباء كورونا المستجد “كوفيد-19” وتداعياته الصحية والاقتصادية.

وتعد الرسالة المحورية في الخطاب إلى العالم قاطبةً هي رسالة محبة تدعو إلى التعايش والسلام والتعاون. وانطلقت هذه الرسالة من 4 مرجعيات:

  •  «المرجعية الإسلامية»: متمثلة في تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف.
  •  «المرجعية العربية»: والتي تنطلق من ثقافتنا ومحيطنا العربي.
  •  «المرجعية الإنسانية»: تُعظِّم من شأن الإنسان أيًّا كان انتماؤه أو هويَّته.
  •  «المرجعية القانونية»: تستند إلى احترام القوانين والأعراف الدولية.

وانعكست تلك الأُطُر المرجعية في فحوى كلمة الملك سلمان، التي كانت بمثابة خارطة طريق بمرجعية واضحة للتعامل مع كل قضايا الساعة على الساحتَيْن الإقليمية والدولية، وهو ما تجسّد في تطرُّقها إلى كلٍّ من أزمة كورونا، والمساعدات الإنسانية، ومكافحة التطرُّف، والدور الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، والقضايا العربية، وفي مقدمتها عملية السلام في الشرق الأوسط والتطورات في سوريا ولبنان وليبيا، فضلًا عن القضايا ذات الصبغة العالمية مثل تغيُّر المناخ ومكافحة الفقر.

أبرز المحاور التي اشتمل عليها خطاب خادم الحرمين الشريفين:

تحديات جائحة كورونا

أبرزت كلمة خادم الحرمين الشريفين، الدور القيادي الذي تضطلع به المملكة في مكافحة فيروس كورونا المنطلق من حرصها على تأمين استجابة عالمية على قدر التحدِّي الذي تفرضه تلك الجائحة وما يستتبعها من آثارٍ سلبيةٍ في شتى المجالات.

وتجسَّدت القيادة السعودية لزمام المبادرة العالمية في هذا الإطار من خلال عقدها بوصفها رئيسًا لمجموعة دول العشرين، اجتماعًا على مستوى القادة لتنسيق الجهود الدولية لمكافحة الجائحة، وتقديم مبلغ (500) مليون دولار لدعم جهود مكافحة الجائحة التي تفتك بالعالم.

واتصالًا بذلك البعد الإنساني تأتي المساعدات الإنسانية والتنموية، إذ ألقى الخطاب الضوء على مجموعة من الحقائق والثوابت التي لا تحيد عنها المملكة في هذا الإطار، ومنها:

  • أن المملكة من كبرى الدول المانحة في هذا المجال.
  • لا تقوم المملكة بالتمييز على أُسُسٍ سياسية أو عرقية أو دينية في تقديم المساعدات.
  • قدمت السعودية خلال العقود الثلاثة الماضية أكثر من (86) مليار دولار من المساعدات الإنسانية، استفادت منها (81) دولة حول العالم.

وتمثّل تلك الأبعاد خير دليل على أن مملكة الإنسانية تهدف إلى تحقيق ما فيه خير الإنسان، بغض النظر عن جنسه أو جنسيته أو دينه.

حفظ السِّلم والأمن الدوليين

شكَّل واحدًا من المحاور الأساسية التي تطرَّقت إليها كلمة خادم الحرمين الشريفَيْن، إذ شدد على نهج المملكة الذي يقوم على دعم الأمن والاستقرار، والنموِّ والازدهار، لافتًا إلى أن منطقة الشرق الأوسط عانت، ولا تزال، من تحديات أمنية وسياسية كبرى تهدد أمن شعوبها واستقرار دولها.

وتؤكد الكلمة أن تحقيق السِّلم والأمن الدوليين هدف استراتيجي للمملكة، فضلًا عن سَعْيِها الدائم إلى بذل جهود الوساطة، وأن خيارها الأساسي هو التوصُّل للحلول السلمية، فضلًا عن استناد السياسة السعودية إلى احترام القوانين والأعراف الدولية.

رؤية المملكة 2030 والتطلُّع إلى المستقبل المشرق

كانت رؤية المملكة 2030 حاضرةً في خطاب الملك سلمان، بوصفها طريقًا للمستقبل، يهدف إلى أنْ يكون اقتصاد المملكة رائدًا، فضلًا عن المساهمة في نهضة البشرية وحضارتها.

رسالة تحذير حازمة ضد السلوك الإيراني التخريبي

شغل الملف الإيراني والدور المزعزع للاستقرار الذي تمارسه طهران في المنطقة حيِّزًا كبيرًا من خطاب الملك سلمان، حيث وجَّه رسالةً حازمةً بعباراتٍ قاطعةٍ، تؤكد أن المملكة لن تتهاون في الدفاع عن أمنها الوطني، كما أوضحت الكلمة بجلاء للعالم خطورة اللجوء إلى حلول جزئية لمعالجة السلوك الإيراني التخريبي بدءًا من طموحاتها النووية وصولًا إلى رعايتها للإرهاب، وأظهرت أن الحل الناجع هو موقف دولي حازم يضمن معالجة جذرية لتلك المسألة.

واستعرضت الكلمة العديد من المؤشرات على السلوك التخريبي الإيراني، ومنها:

  • الأنشطة التوسُّعية الإيرانية وبناء الشبكات الإرهابية، التي أنتجت الفوضى والتطرُّف والطائفية.
  • إصرار النظام الإيراني على انتهاج سياسة عدوانية تخريبية ضد المملكة ومصالحها.
  • مسؤولية إيران عن الأزمة، سياسية واقتصادية وإنسانية، في اليمن، نتيجةً لتدخُّلِها عبر ميليشيا الحوثي الانقلابية.
  • تهديد الأزمة اليمنية لأمن دول المنطقة والممرات المائية الحيوية للاقتصاد العالمي.

كما وجَّه خادم الحرمين الشريفين رسالة طمأنة إلى الشعب اليمني الشقيق بأن المملكة لن تتخلى عنه حتى يستعيد كامل سيادته واستقلاله من الهيمنة الإيرانية، فضلًا عن مواصلة الدعم الإنساني لليمنيين.

مكافحة الإرهاب والفكر المتطرِّف ومموِّليه

انطلقت الكلمة في تعاطيها مع قضية الإرهاب والفكر المتطرِّف من تأطيرها كتحدٍّ رئيسيٍّ يواجهه العالم، ممَّا يستلزم مقاربة شاملة للتصدِّي لذلك الخطر الذي يحدق بالجميع، مع التركيز، على وجه الخصوص، على مكافحة تمويل الإرهاب، والفكر المتطرِّف.

وأكد الخطاب المسؤولية التاريخية الخاصة التي تضطلع بها المملكة في مكافحة الإرهاب، انطلاقًا من مكانتها في العالم الإسلامي، ودورها في حماية العقيدة الإسلامية السمحة من محاولات التشويه من التنظيمات الإرهابية والمجموعات المتطرِّفة.

كما يرسم الملك سلمان بخطابه مسارًا واضحًا للتحرُّك الدولي نحو مكافحة الإرهاب بمعالجة الجذور التي تسمح بنموِّ تلك الآفة التي تدمِّر أركان النمو والاستقرار وتستهدف الإنسانية جمعاء، عبر التأكيد على وجوب عدم التهاون في مواجهة الدول الراعية للإرهاب والطائفية، وكذلك الوقوف بحزم أمام الدول الداعمة لأيديولوجياتٍ متطرِّفةٍ عابرةٍ للأوطان.

القضايا العربية.. دعم الحلول التفاوضية ورفض التدخُّلات الخارجية

يعكس خطاب خادم الحرمين الشريفين، رؤيةَ قائدٍ للأمتين، العربية والإسلامية، مُنْشَغِلٍ بهمومهما، مُنْخَرِطٍ في البحث عن حلولٍ لاحتواء ما تواجهه البلدان الشقيقة من أزمات، ففيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، بدت المنطلَقَات واضحةً بالنسبة للمملكة، فالسلام في الشرق الأوسط خيار استراتيجي، وهي تدعم جميع الجهود الرامية للدفع بعملية السلام، كما أن السعودية كانت الأسبق في طرح مبادراتٍ للتسوية منذ عام 1981، مع التنويه بأن مبادرة السلام العربية تضمَّنت مرتكزات لحلٍّ شاملٍ وعادلٍ للصراع العربي الإسرائيلي، يكفل حصول الشعب الفلسطيني الشقيق على حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وأظهرت الكلمة أيضًا مساندةً لجهود الإدارة الأمريكية الحالية لإحلال السلام في الشرق الأوسط من خلال جلوس الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، على طاولة المفاوضات للوصول إلى اتفاقٍ عادلٍ وشاملٍ.

من جهة أخرى، أظهر الخطاب مجموعة من القواسم المشتركة لرؤية الملك سلمان، حفظه الله، لتطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا وسبل الخروج من الوضع الراهن المتأزِّم في البلدين، وتمثَّلت تلك القواسم في الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة تراب البلدين وسلامتهما وإدانة التدخُّلات الخارجية والدعوة إلى حلول سياسية سلمية.

أمَّا عن الوضع في لبنان، فقد شخَّص الخطاب بوضوحٍ الداءَ الذي ينخر عظام الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وهو هيمنة تنظيم حزب الله الإرهابي التابع لإيران، على اتخاذ القرار بقوة السلاح، لافتًا إلى أن تحقيق الأمن والاستقرار والرخاء الذي يتطلَّع إليه الشعب اللبناني، يتطلَّب تجريد الحزب الإرهابي من السلاح.

وبلا شك فإن تلك الرؤية تعكس قاعدةً أخلاقيةً تحكم سياسة المملكة، وهي رفض أي دور للميليشيات والتنظيمات المسلحة داخل أي دولة، والتأكيد على أهمية تعزيز حكم القانون والمؤسسات باعتباره وسيلة أساسية لتقدُّم المجتمعات وتنظيمها.

التضامن في مواجهة القضايا الدولية

كما أطلق خادم الحرمين الشريفين دعوة لتكثيف الجهود والعمل الدولي المشترك لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الإنسانية في مجال التغيُّر المناخي، ومكافحة الفقر والجريمة المنظمة، وانتشار الأوبئة، وهذا ما تؤكده جهود المملكة على الصعيد الدولي في ظل أزمة فيروس كورونا والتي كانت نموذجًا يُحتذَى في إظهار روح القيادة والتضامن لتجاوز التحديات وتعزيز روابط الأخوَّة الإنسانية.

وأخيرًا.. أظهر خطاب الملك سلمان، حفظه الله، رؤيةً واضحةً لجذور المشكلات التي يواجهها المجتمع الدولي، ولطبيعة التحديات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، وليس ذلك فحسب، بل قدَّم مع كل مشكلة حزمة من الحلول التي تكفل -حال تنفيذها- الوصولَ إلى تسوياتٍ تحقق الأمن والاستقرار، وتدعم التنمية والرخاء لدول المنطقة.

لقد حمل الخطاب رسالةَ سلامٍ ودعوةً للتآخي والتعايُش، وفي الوقت ذاته تضمَّن رسالةَ حزمٍ وعزمٍ بأن المملكة لن تتهاون في الدفاع عن أمنها الوطني ورسالةَ طمأنةٍ للأشقَّاء الذين يمرون بمِحَنٍ، باستمرار المملكة في دعمهم حتى الوصول إلى بَرِّ الأمان.

زر الذهاب إلى الأعلى