كيف نتجاوز مخاطر أدلجة الإعلام الرقمي؟

كيف نتجاوز مخاطر أدلجة الإعلام الرقمي؟

مركز القرار

  • كيف نتجاوز مخاطر أدلجة الإعلام الرقمي؟

في ظل العولمة التي تحيط بكافة أبعاد الحياة في العصر الراهن، لم يعد الإعلام الرقمي مجرد وسيلة للمتعة أو لنقل المعارف والمعلومات وإشباع حاجات وفضول المتلقي، بل أصبح إحدى الأدوات المهمة التي يتم من خلالها قولبة عقول الأفراد وتنميطها بالصورة التي يرتضيها المتحكم في وسيلة الإعلام ومضمونها، مما يحدث حالة من الفراغ الثقافي والفكري الذي يؤدي إلى تكريس نمط التبعية.

وتؤكد العديد من الدراسات أن وسائل الإعلام الرقمي تعد من أهم المحركات الحاسمة في صناعة التحولات الثقافية الكبرى، بفضل خصائصها المساعدة على تدفق المعلومات في كل الاتجاهات وإنتاج ونشر وتبادل الأخبار بين الأفراد أينما كانوا، وهو ما هيأ لها ظروف التأثير في جمهور المستخدمين وتشكيل وعيهم، فصارت الذراع القوية للعولمة الكاسحة في نشر خطابها والترويج لأطروحتها، فالإعلام سواء كان خبرًا أو معلومة يعكس قبل كل شيء أفكارًا وآراء ومصالح تستهدف التأثير في قناعات الأفراد، وتوجيه سلوكياتها في مجال الحياة العامة.

وقد سلطت ورقة بحثية بعنوان “أدلجة الإعلام الرقمي” الضوء على إشكالية أيديولوجيا وسائل الإعلام الرقمي، ودورها في تزييف وعي الجماهير، وبناء واقع مفبرك وفق آليات إقناعية وأطر محددة لتحقيق أهداف قوى العولمة، نستعرض أبرز محاورها على النحو التالي:

  • الأبعاد الأيديولوجية للإعلام الرقمي

تحدث وسائل الإعلام الرقمي تأثيرات في الجمهور من خلال عملية معقدة من العلاقات والعوامل والمؤثرات المتداخلة وفق مراحل وخطوات بالغة التعقيد والاحترافية في التخطيط والإعداد والتنفيذ، وارتباطًا بأدلجة المحتوى الإعلامي تبرز آليات التضليل التي تستخدم لبث الأفكار المغلوطة والمعلومات المزيفة وتتمثل فيما يلي:

  • ترويض وعي الجماهير: فقد اقتحمت وسائل الإعلام الرقمي بشتى أنماطها المرئية والمسموعة والمكتوبة واقع الجمهور عنوة، وتدخلت في المقومات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية بأقصى ما يمكن من السرعة والفاعلية بأجندتها الخاصة وانحيازاتها العميقة، حيث طرحت نفسها سلاحًا خطيرًا يصوب لاستقطاب الجماهير وترويض وعيها بما يتناغم مع مصالح وأهواء المؤسسات الإعلامية والجهات الداعمة لها.
  • صناعة الواقع: أدى انتشار وسائل الاتصال والإعلام الحديثة لا سيما الرقمية منها إلى تغيرات جوهرية في طبيعة تعاملنا مع الحقائق والوقائع، فما نشاهده من صور وأحاديث وتعليقات يتم انتفاؤها باحترافية ونقلها بكيفية جذابة ومثيرة للتلاعب بعقول الجماهير، فينفصل الفرد عن عالمه الواقعي ليعيش في عالم وهمي خيالي، ويفقد بالتدريج القدرة على أن يرى الحدود الفاصلة بينهما.
  • تكريس الأمر الواقع: تعمد وسائل الإعلام الرقمي إلى تكريس الواقع الموجود كآلية للتأثير في المتلقي من خلال تزكية ما هو قائم بغض النظر عن صحته أو خطئه، أي أن وسائل الإعلام تكرس وتدعم الطريقة التي يدار بها المجتمع، فالرسالة الإعلامية الموجهة لجمهور المتلقين هي محصلة رؤية قائمة على محددات مرجعية يعمل القائم على الاتصال على أن تكرس الأمر الواقع وتبرره على نحو يخدم مصالحه.
  • الإثارة الجماعية: في ظل الواقع الإعلامي المعاصر تعمل الرسالة الإعلامية على استهداف شريحة من الجمهور بصيغ تثير انتباهه، وتستميل عواطفه من خلال ما يصدر عنها من تصورات وأفكار ومبادئ تعمل على إحداث تغيير مقصود في المجتمع تحت وطأة إغراء لا يقاوم تكرس فيه منظومة جديدة من القيم والمعايير.
  • سبل مواجهة الأيديولوجية الإعلامية

لقد كان من نتائج هذا التدفق الإعلامي المفتوح ضعف الهوية المحلية والتأثير على التركيبة القيمية التي تميز البناء الفكري والثقافي للمجتمعات، وإفراز قيم وأفكار ومعتقدات وسلوكيات تتناقض وتتنافر مع خصوصياتها المحلية. فكثير من وسائل الإعلام في ظل الثورة التكنولوجية، لم تعد وظيفتها تحري الحقيقة وتقديم المحتوى النزيه، وإنما أصبحت غايتها الأساسية استقطاب الفرد نحو تفسيرات بعينها ورؤى ضيقة تدفعه للتفكير بطريقة محددة ومسايرة معايير وقيم جديدة.

ولذلك فإن الحل الأنجع لمواجهة هذه الأيديولوجية الإعلامية ودفع ضرر تنميط العقول يكمن في وضع القواعد الأساسية للتعامل مع مختلف الوسائل الإعلامية، وممارسة الرقابة الدائمة عليها، وتقويم أداء المتلقي وسلوكياته وأفعاله إزاء ما يتلقاه من رسائل ومضامين إعلامية، رغبةً في حمايته، وتأمين متطلبات نموه السليم من الجوانب النفعية والأخلاقية والاجتماعية.

وقد قدمت الورقة البحثية مجموعة من التوصيات لمواجهة أدلجة الإعلام الرقمي في مقدمتها قيام الأسرة بمراقبة مضامين وسائل الإعلام الرقمي، وتوجيه الأبناء نحو الأنسب منها، وكذلك التأسيس لتربية إعلامية هادفة من أجل بناء متلق واع يتم تزويده بالثقافة الاتصالية اللازمة التي تسمح له بتمحيص مصداقية وأصالة المعلومات التي تنقلها له مختلف وسائل الإعلام، وتحسين فهمه للقضايا التي تروج لها، انطلاقًا من رؤية نقدية فاحصة تحميه من الانعكاسات الخطيرة للمحتوى الإعلامي المؤدلج، بالإضافة إلى وجود تشريعات رادعة تضرب بيد من حديد على كل من يغرس أنماطًا سلوكية مهددة لاستقرار المجتمع وتماسكه.

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول بأن الإعلام الرقمي بما يشمله من منصات للتواصل الاجتماعي بات يلعب حاليًا دورًا في إثارة الأفراد والجماعات بقضايا يتم من خلالها إعادة تشكيل اتجاهاتهم وسلوكياتهم وفرض الأيديولوجية التي يتبناها القائمون على تلك المنصات أو العناصر الفاعلة فيها، وذلك بطريقة يتم فيها إقصاء أي فكر مخالف لتلك الأيديولوجية وتهميش أي صوت يُقدم طرحًا بديلًا والنظر إليه باعتبار أنه مصدر تهديد.