قراءات

قراءة في خطاب الحرب لبوتين

بعد أسابيع من التحركات العسكرية الروسية في محيط أوكرانيا ومساعٍ سياسية حثيثة اتخذت شكل جولات مكوكية لوسطاء غربيين وتنشيط دبلوماسية الهاتف، اتخذت روسيا قرارًا بشن حرب على أوكرانيا في الساعات الأولى من صباح اليوم الخميس الموافق 24 فبراير 2022، في خطوة أثارت موجة من الإدانات الدولية، توعد فيها الغرب موسكو بعقوبات أشد قوة، بينما ناشدت الأمم المتحدة باسم الإنسانية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقف الحرب التي وضعت أوروبا أمام لحظات حالكة لم تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية.
وجاء إعلان روسيا بدء الحرب في خطاب متلفز للرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الثاني له خلال يومين، مرتديًا البدلة وربطة العنق ذاتها التي ظهر بها في خطابه الأول الذي انصب على خطوة سياسية تمثلت في الاعتراف باستقلال منطقتي دونيتسك ولوغانسك في إقليم دونباس شرق أوكرانيا، في حين تمحور الخطاب الثاني الذي ألقاها اليوم حول خطوة عسكرية، ألا وهي بدء الهجوم على أوكرانيا، وسوف نستعرض هذا الخطاب بالقراءة والتحليل خلال التقرير التالي:
الأطراف المخاطبة في كلمة بوتين
تضمن خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سلسلة من الرسائل وجهها إلى أطراف عدة، منطلقًا من استراتيجيات مختلفة للتأثير، إذ وظف استراتيجية كسب التأييد في مخاطبته الداخل الروسي ممثلًا في المواطنين بشرحٍ وافٍ للتهديدات التي تحدق بأمن روسيا والتي دفعته نحو اتخاذ قراره باللجوء إلى شن ما وصفه بـ”عملية عسكرية خاصة”، كما توجه بعبارات تحفيزية إلى الجيش والحكومة ورؤساء الشركات بغية تعزيز وحدة الجبهة الداخلية؛ استعدادًا لرد الفعل الغربي الممثل في حزمة عقوبات أشد قوة توعد بها المسؤولون الأوروبيون موسكو خلال الأيام القليلة الماضية وسط تصاعد نُذر الحرب.
كما عمد بوتين في مخاطبته الجانب الأوكراني إلى استراتيجية التفرقة بين النظام الحاكم والمحكومين، فبينما استخدم لهجة هجومية حادة على السلطات الأوكرانية التي اتهمها بالفساد والسرقة واختطاف أوكرانيا كرهينة، كان توجهه نحو المواطنين والعسكريين الأوكرانيين بلهجة هادئة تُذكّر بالتاريخ المشترك والتعاون في مواجهة التحديات والتهديدات الغربية المتمثلة في خطر النازية، وهو ما بدا في مفردات مثل “أناشد” والتي توجه بها مستهلًا الحديث لمواطني أوكرانيا والعسكريين في القوات المسلحة الأوكرانية، فضلًا عن مزج ذلك بعبارات واضحة لبث الطمأنينة، مثل “خطتنا لا تشمل احتلال الأراضي الأوكرانية”، “لن نفرض أي شيء على أحد بالقوة”.
أما عن حديث بوتين الموجه للغرب وتحديدًا نحو الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، فارتكز على استراتيجية مستغرقة في التاريخ عبر مساحات واسعة للسرد بلغة قوية شديدة اللهجة تلقي بالمسؤولية على الجانب الغربي في بلوغ الأزمة تلك المرحلة الصعبة، وانتقالها من المساحة السياسية إلى العسكرية. بجانب استراتيجية الردع التي جسدتها حرصه على التذكير بمكامن القوة التي تمتلكها روسيا، سواء على صعيد قوة الردع النووية، أو القوة العسكرية التقليدية؛ ليبعث برسائل تحذيرية واضحة للغرب ترسم لهم خطوطًا حمراء عند التفكير في صياغة الرد على التحرك الروسي.
استشهادات ودلالات خطاب الرئيس الروسي
لجأ الرئيس الروسي إلى الاستعانة بمجموعة من الاستشهادات التاريخية كجزء من مسارات البرهنة التي ساقها في خطابه، دعمًا لهجومه على واشنطن وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وهو ما ظهر في إشارته لعمليات حلف “الناتو” في صربيا وليبيا، وغزو العراق الذي قام على خديعة أمريكية حول امتلاك بغداد لأسلحة دمار شامل.
كما عكس الخطاب مجموعة من الدلالات التي تُؤشر على أن أمد الحرب قد يطول، وأن بوتين ماضٍ في تصعيده العسكري حتى تتحقق مطالب موسكو التي لا بديل عنها – وفق منظوره – وأهم هذه الدلائل ما يلي:
إصرار بوتين على الاستمرار في العملية العسكرية الروسية ضد أوكرانيا، حتى تتحقق مطالب روسيا كاملة.
تأطير الحرب بأنها دفاع عن النفس وليست عدوانًا؛ إذ سعى إلى تصدير فكرة أن خوض المعارك العسكرية فُرضت على روسيا، وأنه لا مفر منها بعدما تسبب الغرب والولايات المتحدة في نسف كل مساعي الحلول السياسية التي تحفظ وتحترم وتحمي أمن روسيا وشعبها.
قناعة الرئيس الروسي بأن العالم لا يعترف إلا بالقوي، ولذلك فالتراجع يعني بالنسبة له أن تداعيات سيناريو انهيار الاتحاد السوفيتي قد تتكرر، ومن أهمها القبول بالحقائق الجيوسياسية التي تسعى الولايات المتحدة والغرب إلى تثبيتها على الأرض.
الحديث عن ثقة في التضامن الداخلي بروسيا والتعويل على وحدة الصف، الأمر الذي يحمل دلالة واضحة أن القيادة السياسية الروسية وضعت كافة استعداداتها لاحتمالية استمرار الحرب وتداعياتها على مواطنيها لفترة طويلة.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول بأن الرئيس الروسي تبنى بشكل مقصود لغة ندية في حديثه الموجه للغرب، فالخطاب من حيث حدة لهجته أو طريقة توظيف السياقات التاريخية وربطها بالواقع الراهن، يكشف بما لا يدع مجالًا للشك أن العالم بات أمام لحظة فارقة يولد فيها نظام دولي جديد، تستعيد فيه روسيا دورها كقطب رئيسي في صياغة السياسة الدولية ورسم مساراتها، الأمر الذي يجب أن يضعه الفاعلون الآخرون سواء من الدوليين أو الإقليميين؛ ليكون حاكمًا لبوصلة علاقاتهم خلال المرحلة القادمة.
وختامًا، إن خطاب الرئيس الروسي يرقى إلى مصاف الخطابات التأسيسية لحقبة دولية جديدة، تتبدل فيها شكل الخرائط وأطراف التحالفات، فضلًا عن أنه يعيد التأكيد على أن القوة ستظل المبدأ الحاكم في العلاقات الدولية، فشكل النظام العالمي ما هو إلا انعكاس لميزان القوى بين أطرافه.

زر الذهاب إلى الأعلى