أثر تعرض الأطفال لمنصة يوتيوب على التنشئة الاجتماعية للطفل السعودي

أثر تعرض الأطفال لمنصة يوتيوب على التنشئة الاجتماعية للطفل السعودي

مركز القرار

  • أثر تعرض الأطفال لمنصة يوتيوب على التنشئة الاجتماعية للطفل السعودي

في ظل التطور التكنولوجي وانعكاسه على الإعلام، أصبح الإعلام الجديد قوة فاعلة في تشكيل العلاقات الإنسانية والتعبير عن ثقافة المجتمع، وبات واقعًا له العديد من التأثيرات في المجالات المختلفة اجتماعيًا وصحيًا ودراسيًا وتربويًا، ويعتبر التدفق الكبير للمعلومات أحد أبرز تأثيرات الإعلام الجديد على المجتمع، إذ يؤدي إلى تبني منظومة جديدة من القيم والعادات والمعاملات بالإضافة إلى تشكيله ضغطا اقتصاديا كبيرا على ميزانية الأسرة تحت إلحاح إغراء الإعلانات التي تستهدف بشكل خاص المرأة والطفل.
وعند الحديث عن تأثيرات الإعلام الجديد على المجتمع السعودي، لا ننسى أن الطفل هو حجر أساس الأسرة السعودية والمجتمع ككل، ويمثل صغار السن ممن هم دون الـ 15 سنة نسبة كبيرة من مستخدمي وسائل التقنية الحديثة.
وفي هذا الإطار، نشرت المجلة العربية للإعلام والاتصال دراسة بعنوان “أثر تعرض الأطفال لمنصة يوتيوب “قناة عائلة مشيّع” على التنشئة الاجتماعية للطفل السعودي من حيث الرضا المعيشي”، بغية قياس أثر التعرض لهذا البرنامج على التنشئة الاجتماعية للأطفال عبر رصد المحتوى الذي تقدمه القناة وكيفية تأثيره على الجانب القيمي والسلوكي للأطفال فضلًا عن مستوى الرضا المعيشي لديهم، وهو ما سنستعرضه فيما يلي:
نظرية الغرس الثقافي كإطار عام لاستكشاف تأثير منصة يوتيوب
ترتكز الدراسة على الأسس النظرية لنظرية الغرس الثقافي التي تعد من أوائل النظريات التي استخدمت لقياس أثر وسائل الإعلام بالإضافة لقياس تأثيرها التراكمي، فهي نظرية تتسم بالاعتدال، إذ لا تقوم بتضخيم محتوى الإعلام ولا تقلل منه، ولكنها قائمة على العلاقات ما بين آراء الأفراد وعادات تعرضهم لوسائل الإعلام.
وتقوم هذه النظرية على فرض أساسي يتمثل في أن الأفراد الذين يتعرضون لوسائل الإعلام بكثافة أكبر يكونون أكثر قدرة على تبني معتقدات عن الواقع الاجتماعي تتماثل مع الصورة التي تقدمها وسائل الإعلام عن الحياة الواقعية مقارنة بالذين يتعرضون لوسائل الإعلام بكثافة أقل.
وقد وظفت الدراسة نظرية الغرس الثقافي بافتراض أن تعرض الأطفال لبرنامج “عائلة مشيّع” في اليوتيوب سيؤثر في التنشئة الاجتماعية ومستوى الرضا المعيشي لديهم، وذلك لأنه في ضوء النظرية يصبح الأفراد الأكثر تعرضًا للوسيلة الإعلامية – برنامج عائلة مشيّع في حالة الدراسة- أكثر قابلية لتبني معتقدات تتطابق مع تلك التي تقدمها هذه المنصة الإعلامية.
أهمية الدراسة وتساؤلاتها وأهدافها
تنبع أهمية الدراسة من كونها تبحث في التغيرات التكنولوجية السريعة في عصرنا الحالي والجدل الواسع الذي لحق بقنوات اليوتيوب والأثر الذي تحمله هذه القنوات على الأطفال من حيث التنشئة الاجتماعية والرضا المعيشي، وبحسب الإحصاءات – وقت إجراء الدراسة- بلغ عدد المشتركين في قناة “عائلة مشيّع” (14,100,00) مشترك بينما وصل عدد المشاهدات إلى (7,768,941,108) مشاهدات.
وتنطلق الدراسة من تساؤل بحثي رئيسي ألا وهو هل يؤثر التعرض لوسائل الإعلام الجديدة بمنصة يوتيوب (قناة عائلة مشيّع) على التنشئة الاجتماعية والرضا المعيشي لدى الأطفال السعوديين ما بين 5- 15 سنة؟ ويتفرع عنه مجموعة من التساؤلات تتعلق بطبيعة تعرض الأطفال لبرنامج عائلة مشيّع، وأبرز القيم والسلوكيات التي يكتسبها الطفل من مشاهدة البرنامج، وتحفظات أمهات الأطفال المتابعين لمحتوى القناة، وتأثير التعرض للمحتوى على الرضا المعيشي عند الأطفال.
واستخدمت الدراسة المنهج المسحي، وباعتبار أن البرنامج يستهدف فئة الأطفال، تم جمع البيانات من خلال استبيان جرى توزيعه على 338 من الأمهات السعوديات اللاتي يشاهد أطفالهن البرنامج، وقد تراوحت أعمار الأطفال المتابعين للقناة بين 5-13 عاما.
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تركز على مراحل الطفولة التي تسبق مرحلة المراهقة، حيث إن الطفل السوي نفسيًا تكون فرصة عبوره للمراهقة بنجاح أكثر من غيره.
تقليد المقالب وتحفيز السلوك الشرائي واستبدال المصطلحات العربية بواسطة أخرى إنجليزية
أظهرت نتائج الدراسة أن الأطفال في العصر الحالي لديهم وعي بالمصطلحات الرقمية، وأبدى 75% من الأطفال رغبتهم في أن يصبحوا مشهورين وأن يمتلكوا قناة خاصة بهم على يوتيوب، بينما شكلت نسبة الأطفال الذين لم يهتموا بالشهرة من خلال يوتيوب الثلث فقط (24.9%)، وأشارت الدراسة إلى مدى وعي مشاهدي يوتيوب الصغار وقدرتهم على تكوين المعاني من المحتوى اليوتيوبي الذي ينتجه أطفال.
وأشارت الدراسة إلى أن الأطفال يقبلون على مشاهدة المحتوى المتضمن للمقالب أكثر من غيره من المحتويات التي تقدمها قناة “عائلة مشيّع” وذلك بنسبة 86,1%، كما يصفونها بالممتعة مما يدفع نسبة ليست بقليلة من الأطفال إلى تقليدها، فأظهرت النتائج أن 71% من الأطفال المتابعين للقناة يقومون بتقليد تلك المقالب، الأمر الذي شكل أحد أسباب تحفظ الأمهات على قناة “عائلة مشيّع”، حيث أكدت الدراسة أن 52.1% من الأمهات لا يفضلن مشاهدة أبنائهن للبرنامج، كما عبرت 66.3% من الأمهات أن البرنامج يحرض الطفل على عمل المقالب ضد الآخرين.
ويعتبر تحفيز السلوك الشرائي لدى الطفل من بين أسباب تحفظ الأمهات، حيث أشارت 78% منهن إلى أن الأطفال يبدون رغبتهم في الذهاب للأماكن أو اقتناء المنتجات التي تظهر في القناة، أي أن الأطفال يتبنون عادات سيئة نتيجة لكثرة مشاهدتهم اليوتيوب مما يؤدي إلى انزعاج الأهل.
إضافة إلى ذلك، فقد أعربت الأمهات عن استيائهن من استبدال القناة للمصطلحات العربية بواسطة أخرى إنجليزية، فضلًا عن استخدامها لألفاظ غير مناسبة أخلاقيًا، أو تفتقد للاحترام في التعامل مع الكبار كالآباء.
وقد لخصت الدراسة الآثار السلبية لبرامج اليوتيوب على الأطفال والمراهقين، فجاء في مقدمتها غياب الاحترام بين الأبناء والآباء، والأضرار الصحية، والتأخر في أداء الواجبات المدرسية، بجانب تشجيع السلوك الاستهلاكي، ورسم صورة غير واقعية للأب، واستخدام لغة غير مناسبة أخلاقيًا، وتحريض الطفل على أذية غيره.
توصيات الدراسة
خلصت الدراسة إلى أن الأطفال في الوقت الحالي يعيشون في ثورة الحياة الرقمية والتكنولوجية، حيث تعتبر منصة يوتيوب عالما متكاملا يحوي عددًا متنوعًا من المحتوى الذي يجذب الأطفال، وبالتالي ينعكس ذلك على معتقداتهم والقيم التي يكتسبونها وسلوكياتهم التي يتفاعلون بها مع الآخرين، وتطبيقًا على حالة الدراسة يعتبر برنامج عائلة مشيع من البرامج التي تؤثر على الطفل، وبناء على ذلك قدمت الدراسة عددًا من التوصيات، تتمثل في الآتي:
– ينبغي على الأسرة منح الوقت الكافي لأطفالها والرقابة بمتابعة ما يشاهدونه من محتوى في اليوتيوب.
– الاهتمام بعمل دراسات تتعلق بقنوات يوتيوب أخرى متخصصة بالمحتوى المقدم للأطفال.
– توجيه الجهود البحثية بشكل أكبر على فئة الأطفال فيما يتعلق بالمحتوى المقدم لهم في الإعلام الجديد.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن أطفال اليوم ينشؤون في بيئة اتصالية كاملة، فالوسائط المتعددة جزء لا يتجزأ من محيط الطفل، ويؤثر على جوانب عدة منها التحصيل الدراسي والترابط الأسري مما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية وتشجيع سلوك العنف كونهم غير قادرين على التمييز بين العالم الواقعي والافتراضي، بالإضافة إلى تكوين صور ذهنية غير واقعية واكتساب قيم لا تتناسب مع ثقافة المجتمع، فضلًا عن تأثير هذه التقنية على النمو اللغوي، حيث العبارات والمصطلحات المستخدمة التي لا تتناسب مع اللغة المحلية، ناهيك عن المخاطر النفسية التي تسببها هذه الشبكات كعدم الرضا والتقليد والتقمص الوجداني للشخصيات المشهورة.
وعلى الرغم من إدراك التأثيرات السلبية، يصعب منع الأطفال من التعرض لهذه التقنية وخاصة اليوتيوب الذي أصبح واقعًا مفروضًا علينا، حيث إن له مجموعة من التأثيرات الإيجابية مثل اكتساب مهارات جديدة والاطلاع على الثقافات الأخرى، وتأثيرات أخرى سلبية أبرزها التغيرات التي طرأت على بنية الأسرة بما في ذلك توسيع الفجوة بين جيل الآباء والأبناء وتغيير منظومة القيم من وجهة نظر كل من الوالدين والأبناء.