تقارير

زيارة واشنطن ودبلوماسية سمو ولي العهد

في زيارة للعاصمة الأمريكية واشنطن هي الأولى منذ نحو 7 سنوات، يلتقي صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وصف بدوره هذا الاجتماع بأنه “أكثر من مجرد لقاء بل تكريم للمملكة العربية السعودية”، مشيرا إلى أنه ينتظر لقاء الأمير محمد بن سلمان “بفارغ الصبر”. وهي عبارات لا تعبر عن إطراء دبلوماسي بقدر ما تجسد واقع وحقيقة المكانة الرفيعة للضيف، وتقدير وإدراك المضيف لذلك ولدور المملكة المحوري في عملية إعادة هندسة النظامين الإقليمي والدولي.

البعد الاقتصادي حاضر وبقوة في تلك الزيارة التاريخية التي تشهد أيضًا انعقاد منتدى استثماري أمريكي سعودي في مركز كينيدي للفنون الأدائية بالعاصمة الأمريكية، يهدف لربط قادة الأعمال السعوديين والأمريكيين بفرص استثمارية مع تسليط الضوء على قطاعي الطاقة والذكاء الاصطناعي. كما يتصدر البعد الأمني والعسكري كذلك القمة -بحسب تقارير إعلامية أمريكية تتحدث عن صفقة بيع مقاتلات “إف 35” للمملكة-، وسيكون لذلك تأثير واضح على هيكل ميزان القوى العسكري في منطقة الشرق الأوسط.

وعلى هذا النحو، تعزز مباحثات الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي علاقة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين القائمة على التفاهم والاحترام المتبادلين في ظل مشهد جيوسياسي عالمي معقد، وأوضاع إقليمية ملتهبة. كما تشكل دفعة لمسيرة رؤية السعودية 2030 من خلال فتح آفاق أمام الشركات العالمية للإسهام في جهود التحول الاقتصادي للمملكة لا سيما في مجالات التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة.

  • الكاريزما والدبلوماسية المتفردة

يتطلب النجاح في القيادة امتلاك مهارات دبلوماسية قوية سواءً كانت في مجال الأعمال أو السياسة، فالدبلوماسية بالغة الأهمية لتعزيز التفاهمات وتسوية الخلافات عندما تكون الكثير من القضايا على المحك. وتتطلب الدبلوماسية الفعالة الصدق والاحترام والقدرة على إدراك الاختلافات وتقديرها من أجل بناء رأس مال اجتماعي، وإقامة علاقات موثوقة مع الأطراف الأخرى.

ويمثل الأمير محمد بن سلمان نموذجًا للقيادة الكاريزمية صاحبة المهارة الدبلوماسية المتفردة، حيث يمتلك سموه -حفظه الله- رؤية واضحة للمستقبل، واستطاع أن يرسخ سياسة الفعل لا رد الفعل تجاه أعقد الملفات الدولية والإقليمية بشكل عزّز مكانة المملكة في النظام الدولي، وجعل من السعودية صانعة رئيسية للقرار العالمي، وجعل من دبلوماسيتها صوتا مؤثرا في تشكيل مواقف الدول عبر تحالفات عالمية.

كما نسج سمو ولي العهد علاقات شخصية وطيدة مع قادة وزعماء الدول الكبرى تعد بمثابة رأس مال سياسي، يسهم في تعزيز التعاون وحلحلة بعض القضايا والدفاع عن مصالح الدول العربية والإسلامية وهي مهمة تحملها المملكة على عاتقها كقائدة للعالمين العربي والإسلامي.

  • نهج واضح وبصمة راسخة

بالإضافة إلى ذلك، رسّخ الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، مجموعة من الأسس العامة التي تمثل بوصلة لحركة السياسة الخارجية السعودية تمثلت في السعي الدائم نحو تعزيز الأمن والسلم الإقليمي والدولي، والحرص على مد جسور التعاون مع الدول الفاعلة والمؤثرة في النظام الدولي، والتأكيد على احترام استقلالية الدول، وتبني مبدأ حُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بالإضافة إلى الاحتكام والالتزام بقواعد القانون الدولي.

وقد أضفى هذا النهج وهجًا وألقًا على نشاط الدبلوماسية السعودية، فصارت الرياض عاصمة لدبلوماسية القمم والمؤتمرات، وباتت المملكة وسيطًا رئيسيًا في جهود تسوية الأزمات الإقليمية والدولية، وقادة المجتمع الدولي في حشد التأييد لحل الدولتين من أجل تسوية عادلة وشاملة للقضية فلسطين، وهو ما تجسد في تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة لإعلان نيويورك الذي انبثق من “المؤتمر الدولي الرفيع المستوى للتسوية السلمية لقضية فلسطين وحلّ الدولتين”، برعاية المملكة العربية السعودية وفرنسا، الذي يحدد خطوات ملموسة ومحددة زمنيًا ولا رجعة فيها نحو تسوية قضية فلسطين سلميًا وتنفيذ حلّ الدولتين.

  • العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة

تشير الشراكة الاستراتيجية في سياق العلاقات بين الدول إلى تعاون طويل الأمد لتحقيق أهداف مشتركة ذات منفعة متبادلة، مع تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي، حيث تُشكّل الدول ذات المصالح الاقتصادية أو الأمنية المتشابهة شراكات استراتيجية لتعزيز التعاون التجاري أو التكنولوجي أو الدفاعي. وفي ظل الشراكة، عادةً ما يُجري الطرفان تبادلًا مُعمّقًا للمعلومات والاستثمار والدعم الدبلوماسي لتعزيز مكانتهما في الساحة الدولية، وزيادة قوتهما التفاوضية، ومواجهة التحديات العالمية معًا. وغالبًا ما تنطوي هذه الشراكات أيضًا على بناء شبكة من الثقة بين القادة والمجتمعات في الدول المعنية.

وينطبق هذا النمط على العلاقات السعودية الأمريكية، فهي علاقات عميقة الجذور تمتد عبر أكثر من 9 عقود، تقوم على التفاهم والاحترام المتبادلين اللذين ساعدا على تطورها وصولًا إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

ففي مايو الماضي، اختار ترامب السعودية وجهةً لأول رحلة خارجية رئيسية له في ولايته الرئاسية الثانية وكانت كذلك في ولايته الأولي، ووقّع الرئيس الأمريكي مع سمو ولي العهد وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين، تتضمن صفقات ومذكرات تعاون وتفاهم في قطاعات التعدين والطاقة والدفاع. كما وقّع ترامب صفقة أسلحة مع المملكة بقيمة 142 مليار دولار، وتعهد الأمير محمد بن سلمان باستثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة.

خلاصة القول، يترقب العالم مخرجات القمة السعودية الأمريكية في ضوء الأوضاع الإقليمية الراهنة والتطورات والمخاطر الجيوسياسية الدولية وتأثيراتها على أسواق الطاقة العالمية، فتلك المخرجات ستحدد مسارات تحرك وترسم ملامح سياسات العديد من العواصم على الأصعدة كافة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وهكذا تكون لقاءات زعماء وقادة القوى الكبرى في النظام الدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى