ترجمات

رؤية استشرافية للعالم في 2023

يعتبر استشراف المستقبل أحد المناهج التي تستخدم لفهم تطور العلاقات الدولية لا سيما مع تسارع الأحداث وتعدد أبعادها، وهي مسألة حيوية لدوائر صنع القرار عند صياغة السياسات ووضع الاستراتيجيات، ولذلك تهتم العديد من مراكز الفكر بوضع سيناريوهات لتطورات الأحداث مع مطلع كل عام، ورسم خريطة بأبرز التوقعات بشأن بؤر الصراعات والمناطق الساخنة والقضايا الملحة على الأجندة الدولية، والتي تعكس التطورات في موازين القوى الإقليمية والدولية والتهديدات الرئيسية التي تجابه الأمن العالمي، سواء أكانت تهديدات تقليدية أم غير تقليدية.

وفي هذا الإطار، استعرض تقرير كتبه ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية (مركز بحثي أمريكي مقره واشنطن) 10 تنبؤات بشأن الأحداث العالمية خلال عام 2023، نتناولها على النحو التالي:

  • استمرار هيمنة حرب أوكرانيا ولكن بدرجة أقل حدة

ستستمر الحرب في أوكرانيا -التي كانت تعتبر القضية الرئيسية المهيمنة في عام 2022-، وإن كان على مستوى أقل حدة هذا العام، فلن تتمكن روسيا ولا أوكرانيا من تحقيق نصر عسكري كامل، إذا تم تعريف النصر على أنه هزيمة الجانب الآخر وإملاء شروط تسوية سياسية بعد الحرب.

كما لن يحقق الدبلوماسيون النصر، إذا تم تعريفه على أنه التوصل إلى تسوية تكون الحكومتين الروسية والأوكرانية على استعداد للتوقيع عليها والالتزام بها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن السلام يتطلب قادة مستعدين وقادرين على تقديم تنازلات، وهما عنصران غائبان بشكل واضح لدى كل من الجانبين الروسي والأوكراني.

  • إيران ستكون القضية الرئيسية في عام 2023

من المرجح أن تكون إيران هي القضية المهيمنة في عام 2023، حيث ستكتسب الاحتجاجات ضد النظام الإيراني زخمًا على خلفية التدهور الاقتصادي المتفاقم والانقسامات الناشئة داخل القيادة حول ما إذا كان يجب التوصل لتسوية مع المحتجين أو اعتقالهم وتصفيتهم. ومن المستبعد إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، بالنظر إلى المساعدة العسكرية الإيرانية لروسيا ورغبة الولايات المتحدة في تجنب إلقاء شريان حياة اقتصادي للنظام الإيراني المحاصر.

ولذلك قد يختار قادة إيران الاستمرار في تطوير برنامج أسلحتهم النووية على أمل تحقيق اختراق أو تلقي ضربة إسرائيلية، وهو تطور يسمح لهم بالدعوة إلى الوحدة الوطنية في مواجهة الهجوم الخارجي. ويبرز احتمال آخر وهو أن تماسك قوات الأمن سوف يفسح المجال لشيء يشبه الصراع الأهلي في إيران، ولأول مرة منذ سقوط نظام الشاه عام 1979، تحوم شكوك خطيرة حول مستقبل النظام الإيراني.

  • تنامي الخلافات في العلاقات عبر الأطلسي

ستشهد العلاقات عبر المحيط الأطلسي التي تشهد اضطرابًا في الوقت الحالي حول كيفية مواجهة الغزو الروسي ومساعدة أوكرانيا، مزيدًا من التوتر بسبب عدم رضا الأوروبيين عن الحمائية الاقتصادية الأمريكية من جهة، واستياء الأمريكيين من الاعتماد الاقتصادي المستمر للقارة على الصين من جهة أخرى. وقد تعاني العلاقات أيضًا من الخلافات الناشئة حول مدى الدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي لكييف ومستويات الإنفاق الدفاعي في دول حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

  • تباطؤ في نمو الاقتصاد العالمي

من المرجح أن ينمو الاقتصاد العالمي بشكل أبطأ مما يتوقعه معظم المراقبين حاليًا. ويتوقع صندوق النقد الدولي نموًا إجماليًا بنسبة 2.7%، لكن الواقع قد يكون أقل بكثير نظرًا للتأثيرات غير المباشرة لسوء إدارة الصين لأزمة كورونا والمسار الذي يسلكه الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، حيث يبدو أنه مصمم على مواصلة زيادة سعر الفائدة في محاولة لخفض التضخم. كما أن عدم الاستقرار السياسي في أجزاء من إفريقيا وأمريكا اللاتينية، والظواهر الجوية المتطرفة، واضطرابات سلاسل التوريد سيشكل عبئًا على الأداء الاقتصادي العالمي.

  • تظل مخرجات مؤتمر الأمم المتحدة السنوي لتغير المناخ مخيبة للآمال

ستظل مخرجات مؤتمر الأمم المتحدة السنوي لتغير المناخ مخيبة للآمال. فمع تفوق المخاوف الاقتصادية على المدى القريب على اعتبارات المناخ على المدى المتوسط ​​والطويل، من المرجح أن تزداد تأثيرات ظاهرة الاحتباس الحراري سوءًا.

  • تصاعد العنف بين إسرائيل وفلسطين في ظل توسع الاستيطان

من المتوقع مزيد من التصعيد والعنف في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مع توسع النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، بجانب أن الدبلوماسية لا تظهر أي احتمال لإقامة دولة فلسطينية بشروط يمكن أن يقبلها كل من الإسرائيليين والفلسطينيين. وبدلًا من ذلك يمكن القول بأن “حل الدولة الواحدة” سيقترب أكثر من أن يصبح حقيقة واقعة.

  • ابتعاد الهند عن الليبرالية

ستستمر الهند في إحباط أولئك الذين يتوقعون أشياء عظيمة لها، حيث ستواصل شراء الأسلحة والنفط من روسيا والتشبث بموقف عدم الانحياز حتى في الوقت الذي تسعى فيه إلى الحصول على مساعدة أكبر من الغرب ضد الصين. وفي الداخل، يكمن الخطر في أن الهند ستستمر تدريجياً في أن تصبح غير ليبرالية وأقل علمانية، في إشارة لتنامي النزعة القومية الهندوسية.

  • من المستبعد نشوب حرب بسبب أزمة تايوان

بينما يركز العديد من صانعي السياسة على احتمالية نشوب حرب بسبب تايوان، يبدو أن هذا غير مرجح في عام 2023. فالرئيس الصيني شي جين بينغ منشغل في مواجهة موجة من حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” والتي تؤرق نظام الرعاية الصحية في بلاده، مما يثير تساؤلات حول كفاءة الحزب الشيوعي الحاكم، ويزيد من إضعاف الاقتصاد المتباطئ النمو.

وبالتأكيد لن تتخلى الصين بأي حال من الأحوال عن هدفها المتمثل في السيطرة على تايوان بالقوة إذا لزم الأمر؛ ولكن في حين أنها ستستمر في زيادة الضغط على تايوان، من المرجح أنها أرجأت اتخاذ خطوات عسكرية لبضع سنوات على الأقل.

  • ظهور اليابان كلاعب جيوسياسي رئيسي

سيشهد هذا العام في هدوء ظهور اليابان كلاعب جيوسياسي رئيسي، بعدما حقق النمو الاقتصادي في ثالث أكبر اقتصاد في العالم زيادة بنسبة 1.5%، والإنفاق الدفاعي الآن في طريقه إلى أن يصبح الضعف ليصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي.

وستعزز اليابان، التي تمتلك أحد أقوى الجيوش في المنطقة، تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة لردع أي تحرك صيني ضد تايوان أو الدفاع عنها إذا لزم الأمر. وسيكون عام 2023 هو العام الذي تدخل فيه اليابان حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، في إشارة للخطوات المتسارعة لتحديث جيشها “قوة الدفاع الذاتي”.

  • كوريا الشمالية ستجري تجربتها النووية السابعة

من شبه المؤكد أن كوريا الشمالية ستجري تجربتها النووية السابعة، بالإضافة إلى تجارب صاروخية متكررة. ولن تكون كوريا الجنوبية ولا الولايات المتحدة قادرتين على منع مثل هذه الأعمال، في حين أن الصين، الدولة الوحيدة القادرة على فعل ذلك، ستمتنع عن استخدام نفوذها الكبير خشية أن تضعف جارتها وتبدأ ديناميكيات الحركة التي يمكن أن تسبب عدم استقرار في المحيط الجغرافي للصين.

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول بأن العديد من القضايا التي استعرضها التقرير تعكس طابع الاستمرارية في الأزمات الدولية، ومحاولات القوى الصاعدة بكافة الوسائل الممكنة تغيير هيكل النظام الدولي إلى نظام متعدد الأقطاب، فضلًا عن الاتجاه المتزايد لعسكرة السياسة الخارجية أي اعتماد الدول على القوة العسكرية في تحقيق أهدافها وسط تراجع كبير لدور الدبلوماسية.

زر الذهاب إلى الأعلى