تقارير

الشرق الأوسط على طاولة اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

تنعقد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكبر تجمع دبلوماسي سنوي في العالم، الأسبوع الجاري، حضوريًا لأول مرة منذ سبتمبر 2019، بعدما عقدت العام الماضي عبر الفضاء الافتراضي حصراً بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، فبدلاً من أن يعتلي رؤساء الدول والحكومات منبر الجمعية العامة في نيويورك لإلقاء خطاباتهم كما هو معتاد في كل عام، اضطروا إلى تسجيل مقاطع فيديو لكلماتهم وإرسالها إلى المنظمة الدولية التي بثتها عبر الشاشة.
وتبحث الاجتماعات هذا العام في العديد من التحديات والتهديدات العالمية على رأسها جائحة كورونا والتغير المناخي، فضلًا عن سلسلة من القضايا والأزمات المتعلقة بالشرق الأوسط، حيث الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والأزمتان اليمنية والليبية، والمحادثات النووية الإيرانية، فضلًا عن ملف مكافحة الإرهاب.
خصوصية الدورة الـ76 لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة
تتسم اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ76، بالعديد من التغيرات على مستوى الانعقاد أو في سياسة الإدارة الأمريكية تجاه المنظمة، بعد رحيل إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب ومجيء إدارة ديمقراطية برئاسة جو بايدن، وهو ما يتضح فيما يلي:
نظام هجين لمشاركة الدول في الفعاليات
لقد اتخذت المنظمة الأممية قرارًا باعتماد النظام “الهجين” لمشاركة الدول في الفعاليات، حضوريا وعبر تقنية الفيديو كونفرانس، كحل وسط بين متطلبات مواجهة فيروس كورونا ورغبة الدول في العودة إلى الحياة الطبيعية.
وفرضت تدابير صارمة خلال اجتماعات هذا العام مثل وضع الكمامة واحترام التباعد ووجود سبعة أعضاء كحد أقصى من كل وفد في مقر الأمم المتحدة، وأربعة في قاعة الجمعية العامة وتقليص الاجتماعات الثنائية إلى أقصى حد.
وقد أكد حوالي 100 رئيس دولة وحكومة عزمهم القدوم إلى نيويورك، من أبرزهم الرئيس الأمريكي جو بايدن ونظراؤه البرازيلي جايير بولسونارو والتركي رجب طيب إردوغان والألماني فرانك فالتر شتاينماير والفنزويلي نيكولاس مادورو ورئيسا الوزراء البريطاني بوريس جونسون والإسرائيلي نفتالي بينيت.
في المقابل، قرر بعض القادة عدم الحضور، ومن أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي بررت أوساطه عدوله عن المشاركة بالقيود الصحية المفروضة، كما أنه خلافًا لقادة آخرين سيتوجهون بكلمة إلى الجمعية العامة عبر الفيديو، أوكل ماكرون إلى وزير خارجيته جان إيف لودريان التحدث باسم فرنسا، كما لن يحضر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الاجتماعات بسبب جائحة كورونا، وسيقوم بإرسال خطابه مسجلا.
وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت بوضوح أنها لن تطلب من رؤساء الدول والحكومات والدبلوماسيين المشاركين في اجتماعات الجمعية العامة إثبات حصولهم على لقاح لفيروس كورونا، بعدما اعترضت روسيا على إعلان رئيس الجمعية العامة عبد الله شاهد تأييده لطلب بلدية نيويورك بتقديم المشاركين دليلًا على التطعيم ضد الفيروس.
أول خطاب لبايدن أمام الأمم المتحدة بعد توليه الرئاسة
يلقي الرئيس الأمريكي جو بايدن كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الأولى منذ توليه رئاسة الولايات المتحدة، وسيواجه بايدن تحديًا مزدوجًا، يتمثل الأول في إقناع العالم بأن الولايات المتحدة ملتزمة بتعزيز المؤسسات متعددة الأطراف وسيادة القانون الدولي، وذلك في تناقض صارخ مع سلفه دونالد ترامب الذي اتبع نهجًا قوميًّا مستقلًا في الشؤون العالمية كترجمة لشعاره الشهير “أمريكا أولا”، أما التحدي الثاني فيتعلق بإقناع الشعب الأمريكي بأن الأمم المتحدة مؤسسة لا غنى عنها لمعالجة الأزمات العالمية بما في ذلك جائحة كورونا، وتغير المناخ، وتداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.
وعلى الأرجح ستركز كلمة بايدن على ثلاثة محاور عامة رئيسية الأولى تتعلق بحشد الجهود الدولية لبلوغ هدف تطعيم 70% من سكان الدول خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، والحصول على موافقة دولية لإنشاء مجلس جديد للتهديدات الصحية العالمية على مستوى القادة، للتأهب لمواجهة الأوبئة والاستجابة لها. ويتمثل المحور الثاني في إقناع العالم بإجراء تخفيضات أسرع وأعمق في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ﻓﻲ ﺳﯾﺎق دﻋم اﻟﺗﺻدي اﻟﻌﺎﻟﻣﻲ ﻟﺧطر ﺗﻐﯾر اﻟﻣﻧﺎخ، وفقًا لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي.
أما المحور الثالث سيكون بخصوص الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العالمية، مع إعلان عزم الولايات المتحدة الترشح لمقعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الشهر المقبل، واستضافة قمة من أجل الديمقراطية في نهاية العام.
التحولات في البيئة الإقليمية
يأتي انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في توقيت شهد فيه الإقليم سلسلة من التطورات في الشرق الأوسط وقيام بعض القوى الإقليمية بإدخال تغييرات على سياساتها الخارجية مع اتخاذ خطوات على مسار التقارب مع الدول الخليجية والعربية، ولعل التحول الأبرز في الخارطة السياسية العام الماضي هو المصالحة الخليجية وتحقيق وحدة الصف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في ظل مخرجات قمة العلا التاريخية التي عززت التضامن وتماسك اللحمة الخليجية بشكل يحقق الاستقرار، ويضمن تكامل الجهود لمواجهة التحديات المشتركة، والتحرك نحو مزيد من النمو والازدهار.
بالإضافة إلى ذلك، ثمة عديد من المؤشرات على بروز سياسات إقليمية جديدة، وهو ما يظهر في تبني تركيا وإيران خطابًا رسميًّا يشير إلى رغبة في التقارب والحوار مع دول الجوار، وإن كانت أنقرة قد اتخذت خطوات أكثر عملية عن طهران تمثلت في محادثات دبلوماسية مع مصر لإعادة تطبيع العلاقات- جرى منها حتى الآن جولتان في القاهرة وأنقرة- بجانب تكثيف الحكومة التركية من رسائلها التصالحية الموجهة إلى دول الخليج العربي، مع اتخاذ العلاقات الاقتصادية كمدخل للتقارب.
كما أن قمة بغداد للتعاون والشراكة، التي شاركت فيها 9 دول عربية وشرق أوسطية، بالإضافة إلى فرنسا، والتي شكلت دليلاً عمليًا على أن المنطقة مقبلة على مرحلة مختلفة تمامًا عما عاشته خلال العقد الأخير الذي اتسم بتصاعد الأزمات سواء الاحتجاجات التي عرفت إعلاميًّا باسم “الربيع العربي” وتنامي خطر الإرهاب مع ظهور تنظيم داعش، وصعود تيار الإسلام السياسي، وأطماع القوى الإقليمية.
أبرز ملفات المنطقة المطروحة خلال اجتماعات الأمم المتحدة
ستكون ملفات الشرق الأوسط حاضرة وبقوة خلال فعاليات اجتماعات الأمم المتحدة، سواء في المباحثات الثنائية واللقاءات على هامش الاجتماعات، أو في كلمات قادة الدول ورؤساء الوفود، ومن أبرزها:
جمود محادثات إحياء الاتفاق النووي الإيراني
تشكل اجتماعات الأمم المتحدة أول حضور على المستوى الدولي لحكومة الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي، بعد 6 جولات من المباحثات في فيينا بهدف إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني والتي تم تعليقها منذ يونيو الماضي، ورغم تأكيد الأطراف المشاركة في المفاوضات تحقيق تقدم فإنه لم يتم التوصل الى تفاهم نهائي، وقد سعت طهران إلى استباق اجتماعات الأمم المتحدة بإظهار قدر من المرونة وهو ما تجلى في الاتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على السماح للمفتشين بدخول منشآت نووية لصيانة معدات مراقبة، وذلك في الإطار العام لاتفاق تقني مؤقت توصل إليه الجانبان منذ أن قررت إيران في فبراير الماضي الحد من نشاط المفتشين في ظل استمرار العقوبات الأمريكية.
التصعيد الحوثي في اليمن
يتزامن انعقاد اجتماعات الأمم المتحدة مع تصعيد ميليشيا الحوثي اليمنية للقتال ضد القوات الحكومية الشرعية، وشن هجمات إرهابية تستهدف المنشآت والأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية، في مستهل تولي الدبلوماسي الدنماركي هانز جروندبرغ منصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة، وهو ما يبعث برسالة سلبية تمامًا ويظهر عدم جدية من جانب الحوثيين في التجاوب مع مبادرات وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها المبادرة التي أعلنتها المملكة في مارس الماضي، والتي حظيت بترحيب عربي ودولي واسع كونها تعالج الأزمة من كافة جوانبها، وتمهد الطريق لتسوية سياسية شاملة، وتسهم في تلبية احتياجات اليمن من المساعدات الإنسانية، في بلد يعاني أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
إحياء عملية السلام وبحث جهود إعمار غزة
تحتل القضية الفلسطينية على الدوام مكانة متقدمة على الأجندة الدولية، وقد سبق الاجتماعات حالة من الحراك الدبلوماسي في المنطقة ارتباطًا بالعمل على إعادة الانخراط في مسار السلام، وإطلاق عملية تفاوضية جادة وبناءة تستهدف التوصل لتسوية شاملة وعادلة على أساس حل الدولتين، تضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ومن أمثلة تلك التحركات مباحثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت خلال زيارة الأخير لمصر، الأسبوع الماضي، والتي تعد الأولى من نوعها لرئيس وزراء إسرائيلي منذ 10 سنوات، وقد هدفت القاهرة خلالها للحفاظ على التهدئة التي ترعاها بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ الجولة الأخيرة للقتال بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في مايو الماضي، وتحقيق دفعة لجهود إعمار قطاع غزة، وتحسين الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية المحتلة.
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد قد أعلن قبل أيام عن تصور إسرائيلي للتعامل مع غزة يقوم على مبدأ “الاقتصاد مقابل الأمن”، يشتمل على تسهيلات اقتصادية في غزة، مقابل الحفاظ على ما سماه “الأمن والهدوء”، وتأتي تلك الخطة في وقت يتصاعد فيه التوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة ردًا على ممارسات القمع والتنكيل بحق الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية والذي ارتفعت وتيرته مع تمكن مجموعة من الأسرى الفلسطينيين من الهروب من سجن جلبوع الإسرائيلي شديد الحراسة، وعلى الأرجح سيكون ملف الأسرى من بين الملفات ذات الأولوية على طاولة أي مباحثات تتعلق بالقضية الفلسطينية خلال اجتماعات الأمم المتحدة.
إجراء الانتخابات الليبية
قبل أقل من 100 يوم على موعد الانتخابات الليبية المقررة في 24 ديسمبر المقبل، يكثف المجتمع الدولي من جهوده لدعم تنظيم الاستحقاق الانتخابي، الذي سيضع ليبيا على طريق الاستقرار، وقد خطت ليبيا خطوات على هذا المسار بدءًا من تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة وإقرار البرلمان لقانون الانتخابات الرئاسية، لكن تعثر الجهود المتعلقة بسحب المرتزقة ودمج المجموعات المسلحة وتوحيد المؤسسة العسكرية ما زال قائما دون أي اختراق يذكر في تلك الملفات الحيوية.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام ستحظى باهتمام كبير، وتتطلع إلى عودة قوية للولايات المتحدة على الساحة الدولية عبر طرح مبادرات وخطط تعالج الشواغل، وتعمل على توفير أسس لتسوية النزاعات في ظل رغبة الإدارة الحالية في إظهار انخراط فاعل من جانب واشنطن في مختلف القضايا الدولية.
ومن المؤكد أن الملفات الخاصة بالشرق الأوسط ستكون محل العديد من النقاشات والمشاورات في هذا المحفل الدولي المهم، وستتخذ المشاركة العربية هذا العام منحى مغايرًا عن السنوات الأخيرة، إذ بات التقارب في وجهات النظر والتنسيق في السياسات الخارجية أكثر وضوحًا بعد قمة العلا التاريخية التي أعادت وحدة الصف، وأدت لتنقية الأجواء والتحرك نحو آفاق أرحب من التعاون في كافة الملفات بالمنطقة بما ينعكس على قوة الموقف العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، ويزيد من القدرة على المناورة في الدفاع عن القضايا العربية.

زر الذهاب إلى الأعلى