تقارير

مستقبل بحوث الإعلام الرقمي

تثير ثورة البيانات التي يمر بها العالم حيث البيانات الضخمة والبيانات المفتوحة والبنى التحتية للمعلومات وتقنيات الثورة الصناعية الخامسة وتفاعلات الثورة الصناعية الرابعة المتمثلة في الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والواقع المعزز وإنترنت الأشياء العديد من التساؤلات حول آفاق التكامل بين بحوث الإعلام الرقمي والعلوم الإنسانية الرقمية التي تجمع بين الأدوات العلمية وقواعد البيانات والكتابة الشبكية والتعليقات.
ومما لا شك فيه أننا نعيش عصر العديد من الثورات الصامتة التي أطلقتها المختبرات البحثية لشركات تكنولوجيا المعلومات الكبرى، ففي غضون خمس أو عشر سنوات سوف يكون التتبع الذاتي أمرًا طبيعيًا وحتميًا، ضمن التحول في طرق تلقي البيانات والمعلومات وانتهاء عصر المؤسسات الإعلامية، ليصل المحتوى الإعلامي للأفراد عبر شرائح رقمية موجودة مباشرة على الجلد أو تحته، الأمر الذي سيوفر المشاركة التلقائية وذاكرة غير مختصرة قابلة للمشاركة والتحليل؛ ومع رقمنة كل شيء سيصبح المجال مفتوحًا لإجراء قياس كمي شامل وإجراء تحليلات تنبؤية كطرق فعالة لا غنى عنها لإدارة المجتمع الجماهيري الحديث في عصر ثورة البيانات.
وفي هذا الإطار ركزت دراسة نشرتها مجلة البحوث والدراسات الإعلامية على استشراف مستقبل بحوث الإعلام الرقمي وإشكاليات التكامل مع العلوم الإنسانية الرقمية، وهو ما نستعرضه على النحو التالي:
العلوم الإنسانية الرقمية كحقل معرفي جديد
أوضحت الدراسة أن العلوم الإنسانية الرقمية أفرزت عددًا من الجماعات العلمية المتخصصة التي يجمعها اهتمام مشترك وأدوات مشتركة ومصطلحات مشتركة من بينها تشفير المصادر النصية، وأنظمة القياس اللغوية وبناء خرائط لشبكة الإنترنت، وتحليل البيانات الكبيرة والمفتوحة، والنظم ثلاثية الأبعاد والمحفوظات الصوتية، حيث تتقاطع تلك التخصصات والممارسات لتشكل حقلًا جديدًا يسمى العلوم الإنسانية الرقمية، وقد أنشأت العديد من الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية برامج ودرجات علمية للعلوم الإنسانية الرقمية وإدراج التأهيل في الإنسانيات الرقمية ضمن مناهج الدروس في العلوم الإنسانية والاجتماعية وفي الفنون والآداب لتؤخذ المهارات الرقمية عند التوظيف والتقويم المهني.
ويوجد ثمة قلق متزايد ومخاوف في جمعيات العلوم الإنسانية من استخدام مصطلح العلوم الإنسانية الرقمية لسببين إنه ينعكس سلبًا على هوية وخصوصية تخصصات العلوم الإنسانية، فضلًا عن أنه يعني انقسام التخصص إلى مجالين وهما العلوم الإنسانية التقليدية والعلوم الإنسانية الرقمية.
الأجندة البحثية المستقبلية لبحوث الإعلام الرقمي
ونوهت الدراسة إلى أنه في إطار الإعلام الرقمي المدمج سوف تندمج التخصصات الإعلامية الدقيقة التقليدية ليتوارى التخصص وفق وسائل الاتصال، وتتشكل أجندة بحثية جديدة تتسم بالتنوع والتعدد والتكامل، وتتراجع أو تندمج الأدوات البحثية التقليدية في إطار هيمنة الخوارزميات، التي تواكب البيانات الضخمة والمفتوحة ودراسات العينات هائلة الحجم التي تقدر بالملايين والبلايين، واستعرضت الدراسة تلك الأجندة البحثية على النحو التالي:
بحوث الجمهور الرقمي والشبكي:
ينبغي هنا التفرقة بين بحوث الجمهور كمنتج للمحتوى الرقمي وبحوث الجمهور كمستهلك للمحتوى الرقمي، في إطار تزايد الاهتمام بالمراقبة المعلوماتية لبيانات المستخدمين وتفاعلاتهم وأفكارهم ومعتقداتهم وقيمهم والتحليل التسويقي لعادات الجمهور الاستهلاكية وفي هذا الإطار تبرز مجالات بحثية جديدة منها:
استهلاك الجمهور للأخبار الرقمية من خلال بحوث استقصائية لعينات كبيرة الحجم تتراوح بين 50 إلى 70 ألف مستخدم في عدة دول.
استكشاف ديناميات الجمهور الرقمي وتعزيز المشاركة الآمنة والبناءة في المساحات الرقمية.
تحليل تغريدات الجمهور حسب انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية من خلال التطبيق على عينات تتراوح بين 4 ملايين و150 مليون مستخدم لتويتر.
تأثير الخوارزميات وفقاعات تصفية الجمهور في تحليل السلوك الإخباري للجمهور وميوله الأيديولوجية.
تحليل عادات التصفح المجهول الهوية لملايين المستخدمين لشبكات التواصل الاجتماعي من خلال دراسات تحليلية مقارنة تجري على مدار سنوات.
تحليل المسار الوظيفي لمحترفي شبكات التواصل الاجتماعي واستخدام النشطاء والمؤثرين للخوارزميات.
تحليل خرائط الاتجاهات والهاشتاجات والموضوعات الرائجة والسلاسل والكلمات والمشاعر.

بحوث القائم بالاتصال وحراس البوابة الرقمية وتشمل:
بحوث صحافة العلامة التجارية والهوية المفقودة للقائم بالاتصال في إطار التعارض بين الهوية الشخصية والهوية المهنية، والسعي لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتفاعل مع المصادر لبناء العلاقات التجارية المهنية لمنتجي المحتوى الرقمي.
استخدام القائم بالاتصال الرقمي للخوارزميات في إنتاج المحتوى الرقمي ومواكبة البيانات الكبيرة والمفتوحة والبنى التحتية للمعلومات.
استخدام الصحفيين لموقع تويتر في تشكيل المجتمعات التفسيرية وفق مفاهيم صحافة الحزمة والتفكير الجماعي والفخاخ السردية أثناء الحملات الانتخابية بهدف تشكيل الحقيقة المتصورة والتأثير على السلوك الانتخابي.
القائم بالاتصال وتحديات اندماج الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار الرقمية والتحيز الناتج عن ذلك الاندماج.
استخدام حراس البوابة الرقمية للخوارزميات في إنتاج المحتوى والتحري والتدقيق وكشف التضليل الإعلامي والأخبار الزائفة.

بحوث الثقافة الرقمية والدراسات النقدية ومن أبرزها:
التحول الرقمي للصناعات الإعلامية والثقافية المحلية والدولية في إطار التغييرات العميقة
التواصل والثقافة الحاسوبية من خلال الاعتماد على أحدث أساليب الكمبيوتر والعلوم الإنسانية لفهم التأثيرات الاجتماعية للأتمتة والذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والواقع المعزز والتواصل بين الإنسان والآلة.
التهجين الثقافي الرقمي والثقافة الشعبوية عبر الشبكات الاجتماعية والخطاب الرقمي المقاوم للعولمة والتهجين.

بحوث المراجعة النقدية لنظريات الوسائط الرقمية واستحداث نظريات تكاملية:
في إطار التطورات المتسارعة للتقنيات الرقمية، والتغير المستمر في الصناعات الإعلامية والمؤسسات والهويات، ووسط التطور والتفاوض المستمر بشأن تقنيات المعلومات وممارسات العمل وآليات التوزيع والجماهير، سوف يعاد النظر في نظريات الوسائط الرقمية عبر مراجعات نقدية واستحداث مداخل نظرية تكاملية، حيث سيتم استكشاف مجالات بحثية جديدة منها:
تنامي تيار أبحاث نظم المعلومات الذي يركز على التكامل بين الإعلام وكل من العلوم الإنسانية والاجتماعية واستخدام تخصصات متعددة لفهم استخدام الوسائط الرقمية مثل علم البيانات والعلوم الاجتماعية والسلوكية وعلم التصميم.
اقتراح وبناء نماذج ونظريات جديدة، تعالج الفجوة في نظريات الوسائط الرقمية وتواكب السياقات الجديدة وثورة البيانات لتوصيف وتحليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بالاعتماد على مدخل الحوسبة.
ويسمح هذا المدخل بدمج أربع نظريات مهمة أسهمت في وصف استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من خلال تطبيق منظور تحليل الحياة اليومية وهي: نظرية “بورديو – Bourdieu” في الممارسة وإعادة إنتاج نظريتي رأس المال الاجتماعي والبيئة الاجتماعية، ونظرية “هايدجر- Heidegger” لـ”العالم المشترك- Shared world”، وكذلك “عرض جوفمان للذات Presentation of Self Goffnan” وتفاعله الاستراتيجي مع نظرية اللعبة، وأيضًا نظرية المشروع الوجودي لبول سارتر ورؤيته للآخرين الذين يساهمون في تشكيل هويتنا.
تزايد الاهتمام بالمراجعات النقدية وتطوير النظريات الأربع الأكثر مواكبة ومناسبة لدراسة الوسائط الرقمية وهي: “نظرية الشبكات- Network Theory” ، و”نظرية الوساطة- Mediatization Theory” و”نظرية ممثل الشبكة- Actor Network Theory”، و”نظرية التعقيد- Compelexity Theory”.

بحوث الحوكمة والإدماج الرقمي وتشمل تحديات الإدماج الرقمي وحوكمة الإنترنت، بالإضافة إلى العقد الاجتماعي الرقمي وسن نماذج أكثر عدلًا وإنصافًا للحوكمة وتنظيم المعلومات والاتصالات، فضلًا عن حيادية الإنترنت.

إشكاليات دمج بحوث الإعلام في العلوم الإنسانية الرقمية
تواجه المناهج التي يتم تطويرها داخل العلوم المقادة بالبيانات والتي تمزج بين الاستدلال والاستنتاج والاستقراء، مجموعة من الإشكاليات تعوق إعادة التشكيل المعرفي والمنهجي للعلوم الإنسانية بوجه عام وبحوث الإعلام بوجه خاص، ومن أبرز تلك الإشكاليات:
إشكالية هوية وخصوصية التخصص العلمي
إن المناهج الوضعية مؤسسة بشكل جيد في العلوم الاجتماعية، ولكنها نادرة بشكل كبير في العلوم الإنسانية فالإحصاءات المستخدمة في العلوم الإنسانية الرقمية وصفية بشكل كبير، تحدد الأنماط والعلاقات بين المتغيرات وتصوغها كأعداد وصور ورسوم وخرائط. وعلى النقيض من ذلك فإن العلوم الاجتماعية الحاسوبية تستخدم المنهج العلمي، حيث تكمل الإحصاءات الوصفية بالإحصاءات الاستدلالية التي تسعى إلى تحديد السببية، ومن ثم فإن الأمر يرتكز على فائدة وقيمة الطريقة والمناهج وليس على توفير تحليل تكميلي لمجموعة من البيانات الأكثر تمددًا.
إشكالية إمكانية الوصول المحدود للبيانات الضخمة
إن مسألة الوصول إلى البيانات تعد من أبرز المحددات التي ارتبطت بالعصر الرقمي، إذ إن الوصول إليها أصبح محدودًا بشكل متزايد إما لأسباب قانونية أو اجتماعية، فاللوائح المنظمة لعملية تداول المعلومات والبيانات والمنافسة المتزايدة بين منصات التواصل الاجتماعي تحدد مقدار البيانات التي يتم الوصول إليها.
وتشكل إمكانية الوصول المحدود إلى نطاقات بيانات النظام الأساسي لمنصات التواصل الاجتماعي أحد الأسباب الرئيسية للعودة إلى أساليب البحث الكلاسيكية وتراجع فكرة الاعتماد على كميات كبيرة من البيانات، ولذلك يضطر الباحثون إلى التركيز على المستخدمين بدلًا من استخدام البرمجة في التنقيب عن البيانات الضخمة والمفتوحة.
إشكالية القصور المنهجي:
إن التقنيات التحليلية للبيانات الضخمة مجرد آلية تقنية ومحددة، تقلص الأفراد المتنوعين والبنى الاجتماعية المعقدة متعددة الأبعاد إلى مجرد نقاط بيانات، والمجتمعات البشرية معقدة للغاية وفوضوية وغير متوقعة لكي يتم تحويلها إلى صيغ وقوانين حيث توفر النماذج الكمية رؤى قليلة لتفسير الظواهر.
وتبدو الحاجة ماسة في بحوث الإعلام لاستخدام المنهج الكمي لتحليل الشبكات الاجتماعية ولكنه في النهاية لا يقدم تفسيرات تتعلق بالسياقات ومن ثم لا تتوافق اهتمامات بعض الباحثين والمشكلات البحثية مع النهج القائم على التحليلات الارتباطية لمجموعة البيانات الكبيرة.
إشكالية الذات والموضوعية:
ثمة قيود واضحة على نتائج تطبيق البحوث النوعية في مجال الإعلام فيما يتعلق بالذاتية والموضوعية وإمكانية تعميم النتائج على المجتمع، إلا أنه في المقابل فإن الأساليب القائمة على تحليل البيانات الضخمة وحدها لا تكفي لإضافة تراكم علمي ومعرفي، علاوة على أن الباحثين لا يمتلكون جميعا المهارات أو الأدوات أو القدرة على الوصول إلى التطبيقات التحليلية الجديدة في نطاق حقل الإعلام والاتصال.
o إشكالية تأسيس نموذج علمي جديد:
قد تقود ثورة البيانات إلى تأسيس نموذج علمي جديد في العلوم الأساسية والطبيعية ولكن هذا غير محتمل في العلوم الإنسانية والاجتماعية لأنها أكثر تعقيدا لتنوع أسسها الفلسفية، فقد توفر ثورة البيانات بيانات هائلة وتفتح المجال لمناهج وأساليب جديدة ولكنها لن تحل محل دراسات البيانات الصغيرة التي تقدم رؤى تفسيرية متعمقة.
ويبقى التأكيد على أن تحديد الأنماط والعلاقات بين المتغيرات شيء، وتفسيرها شيء مختلف تمامًا، حيث يتطلب نظرية اجتماعية ومعرفة سياقية عميقة.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن احتمالية نجاح ثورة البيانات في إعادة التشكيل المعرفي للعلوم الإنسانية والاجتماعية لا تزال مثار شكوك وجدل ونقاش، ومن ثم فإنه من المستبعد الحديث عن تأسيس نموذج علمي جديد نتيجة لثورة البيانات.
وعلى الرغم من أن البيانات الكبيرة والمفتوحة والبنى التحتية للبيانات قد ساعدت في توفير مجموعات هائلة من البيانات المتوافرة للتحليل، وأتاحت تنفيذ مناهج وطرق جديدة تجاه إنتاج وتحليل البيانات، لكن من السابق لأوانه التسليم بأن العلم المقاد بالبيانات قد تشكلت أسسه الفلسفية، وأن البيانات يمكنها أن تتحدث عن نفسها دون حاجة لوضع تساؤلات أو فروض.
وأخيرًا، توجد ثمة حاجة لمراجعة نقدية شاملة للتأثيرات المعرفية لما يسمى بثورة البيانات، وفحص وتمحيص الحديث عن العلم المقاد بالبيانات الذي يمزج بين الاستدلال والاستنتاج والاستقراء وإعادة تشكيل العلوم والمناهج.

زر الذهاب إلى الأعلى