تقارير

رؤية سعودية جذرية لحل الأزمة اللبنانية

في الرابع من أبريل الجاري، أدلى وزير الخارجية السعودي سمو الأمير فيصل بن فرحان بتصريحات مهمة تناولت تطورات الأوضاع الراهنة في لبنان الذي يرزح منذ أكثر من عامين تحت وطأة أزمة سياسية واقتصادية ومالية خطيرة، شهد خلالها موجات متتالية من الصدمات بداية من الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت البلاد في عام 2019 لسوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين وفساد المسؤولين الحكوميين، مروراً بأزمة فيروس كورونا المستجد، وصولاً لكارثة انفجار مرفأ بيروت، وتعثر جهود تشكيل حكومة جديدة لديها القدرة على اتخاذ خطوات إصلاحية ملحة لضمان الحصول على الدعم والمساندة من المجتمع الدولي.

محددات رئيسية لموقف المملكة من الأزمة اللبنانية

رسم الأمير فيصل بن فرحان خلال مقابلة مع شبكة “سي.إن.إن” الإخبارية الأمريكية، محددات الموقف السعودي من الأزمة الراهنة التي يمر بها لبنان، إذ تستند تلك المحددات بالأساس إلى ثوابت السياسة الخارجية السعودية التي تقوم على احترام سيادة الدول واستقلالها والنأي بها عن التدخلات الخارجية، وتوفير الدعم بكافة أشكاله للحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها، ورفض اختطافها من قبل ميليشيات مسلحة تحركها أيديولوجيات أو أجندة تخريبية لأطراف إقليمية أو دولية.

وعلى هذا النحو تمثلت المعالم الرئيسية للموقف السعودي في النقاط الرئيسية التالية:

  • تأكيد أن دعم المملكة للبنان مرهون بإجراء إصلاحات جوهرية سياسية واقتصادية حقيقية من شأنها أن تتصدى للتحديات.
  • التشديد على عدم إمكانية الاستمرار في دعم الوضع الحالي بلبنان والذي قدم لاعباً غير حكومي متمثلاً في “حزب الله”، يتمتع بحق الفيتو على كل ما يجري في البلد ويسيطر على بنيته التحتية الرئيسية.
  • التنبيه إلى حاجة لبنان الماسة لحلول مستدامة للمستقبل.
  • تسليط الضوء على عجز الطبقة السياسية التي لا تفعل سوى القليل للتعامل مع التحديات التي يواجهها الشعب اللبناني، سواء كان فساداً أو سوء إدارة أو مشاكل أخرى.
  • استعداد الرياض لدعم أي شخص في لبنان يتمكن من تبني أجندة إصلاحية، فهي لا تقف خلف أفراد في لبنان.

اتفاق الطائف وفّر حلولاً جذرية.. وغياب الإرادة السياسية وراء استمرار وتفاقم أزمات لبنان

وتعكس تلك المحددات رؤية واقعية لمشكلة لبنان الحقيقية المتجسدة في ثالوث تتمثل أضلاعه في هيمنة ميليشيا حزب الله المرتهن لإرادة وتعليمات نظام الملالي في طهران، فهذه الميليشيا لا يحكمها مبدأ المصلحة الوطنية اللبنانية، بل تجاهر بالولاء لطهران وتغلب المصلحة الإيرانية، أما الضلع الثاني فيتعلق بتناحر النخبة السياسية التي جعلت لبنان دويلة محاصصات طائفية، ويتصل الضلع الثالث بالفساد والإهمال وترهل الأداء المؤسسي.

ولذلك يقوم الطرح الذي تقدمه المملكة على الحل الجذري للأزمة وليس التسكين والحلول المؤقتة، من أجل دعم لبنان وانتشاله من الهاوية، ولطالما أدت السعودية أدوراً تاريخية مشرفة تجاه لبنان وشعبه الشقيق، من منطلق الدور القيادي الذي تتحمله المملكة تجاه الأمة العربية، وحرص الدبلوماسية السعودية الدائم على دعم أمن واستقرار واستقلال القرار السياسي اللبناني.

وليس أدل على ذلك من وثيقة الوفاق الوطني المعروفة باسم اتفاق الطائف الذي وقع في 30 سبتمبر 1989، فهذا الاتفاق لم يكن مُجرد آلية لإنهاء الحرب الأهلية، بل وضع إطاراً لإنهاء الطائفية وبداية نظام سياسي جديد، فقد أشار إلى أن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي، ونص على الخطوات المحددة التي ينبغي اتخاذها في المرحلة الانتقالية، وهي إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والهيئات العامة والمختلطة والمصالح المستقلة، فضلاً عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة خلال ستة أشهر من تطبيق الاتفاق، لكن  رغم مرور أكثر من 31 عاماً لا تزال الميليشيات قائمة وفي مقدمتها حزب الله، والطائفية تزداد تغولاً وتنخر في أسس وجود الدولة اللبنانية.

ويعني هذا أن الدبلوماسية السعودية وضعت منذ عقود يدها على جوهر المشكلة ورسمت إطار الحل، لكنّ الأزمة في لبنان أزمة غياب للإرادة السياسية في ظل ولاءات متناحرة، ورؤى ضيقة تغلب المصلحة الذاتية لا المصلحة الوطنية.

وهذا الأساس للحل موضع لتطابق الرؤى مع الدول الشقيقة والشريكة في مساعي حلحلة الأزمة اللبنانية، فعلى سبيل المثال أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري في زيارته إلى العاصمة اللبنانية في 7 أبريل الجاري، والتي التقى خلالها بمختلف الأطراف والقوى السياسية، أن ركائز الإطار السياسي للخروج من الأزمة الراهنة في لبنان تتمثل في “الدستور واتفاق الطائف”، ما يظهر أن الاحتكام لهما ييسر عملية تشكيل حكومة من الاختصاصيين بما يفتح البابَ للدعم الإقليمي والدولي، ويؤدّي لتحقيق الاستقرار المهم ليس فقط للبنان بل للمنطقة ككل.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن لبنان يعاني في الوقت الراهن من أزمة مركبة، بدأت بصبغة اقتصادية في صيف عام 2019، ومع ترك الأمور بلا حلول  تفاقمت، وأدت إلى خسارة العملة المحلية أكثر من 80% من قيمتها مقابل الدولار، وكذلك خسارة عشرات الآلاف وظائفهم ومصادر دخلهم، فيما نضب احتياطي المصرف المركزي بالدولار، الذي يُستخدم بشكل رئيسي لدعم استيراد القمح والمحروقات والأدوية، فباتت الدولة عاجزة عن توفير أبسط الخدمات.

كما أدى ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بشكل كبير وتدنّي القدرة الشرائية للمواطنين، وأصبح الحد الأدنى للأجور في لبنان أقل من 70 دولاراً.

وبحلول الرابع من أغسطس 2020، كان لبنان على موعد مع كارثة مروعة هي انفجار مرفأ بيروت الذي أسفر عن تدمير مناطق بأكملها في العاصمة، وسقوط 200 قتيل، فضلاً عن إصابة 6 آلاف شخص، لتجسد تلك الكارثة الإنسانية نموذجاً صارخاً للفساد والإهمال والترهل الذي أصاب أداء مؤسسات الدولة اللبنانية، ما تسبب في استقالة حكومة رئيس الوزراء حسان دياب، التي تواصل تصريف الأعمال – حتى الآن-  في انتظار تشكيل الحكومة الجديدة.

المبادرة الفرنسية تنتقل من مرحلة النصح إلى الضغط

وقد وضع انفجار مرفأ بيروت، الأزمة اللبنانية تحت مجهر المجتمع الدولي بشكل كبير، فتعددت المبادرات والطروحات والمساعي الرامية لإصلاح الوضع، وجاءت في مقدمتها مبادرة طرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد زيارة للعاصمة المنكوبة، حدد فيها مواصفات الحكومة الجديدة كشرط لحشد التأييد الدولي لدعم لبنان اقتصادياً، وقد سارعت كافة الأطراف اللبنانية بما فيها حزب الله إلى الترحيب بالمبادرة، وإن كان قبول حزب الله قبول المرغم، والدليل على ذلك الدور الذي يمارسه حالياً لتعطيل تشكيل الحكومة الجديدة، لتبقى ورقة للمساومة في يد إيران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة المتعلقة بالملف النووي.

وإزاء ذلك التعثر المستمر، صعّدت فرنسا من خطواتها لتنتقل من مرحلة النصح إلى الضغط، ما بدا في تصريحات شديدة اللهجة من دوائر رسمية فرنسية، إذ أكد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في اتصالات جرت نهاية الشهر الماضي مع الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري بوجوب وقف العرقلة المتعمدة لأي احتمال للخروج من الأزمة، لا سيما من جانب بعض أطراف النظام السياسي اللبناني الذين يتمسكون بمطالب طائشة عفا عليها الزمن، متحدثاً عن أدوات في جعبة الاتحاد الأوروبي لتعزيز الضغط على المسؤولين عن تلك العرقلة.

وتضع تلك التهديدات الفرنسية الطبقة الحاكمة اللبنانية في الزاوية، لا سيما في ظل وجود ظهير إقليمي ودولي داعم للمبادرة الفرنسية باعتبارها خطة تكفل تجنب سيناريو سقوط الدولة في لبنان، وقد لاقت المبادرة دعماً من جانب روسيا التي استضافت في مارس الماضي وفداً من حزب الله في إطار المساعي لتذليل عقبات تشكيل حكومة الحريري، كما كشفت تقارير إعلامية عن خطة ألمانية لإعادة بناء مرفأ بيروت، لكنها تشترط رؤية حكومة قائمة ملتزمة بتنفيذ الإصلاحات، وهو ما يصب في صالح تعزيز الطرح الفرنسي أيضاً.

بالإضافة إلى إعلان جامعة الدول العربية بشكل واضح لمرات عدة تأييدها للمبادرة الفرنسية، ولعل آخرها تصريحات الأمين العام المساعد للجامعة العربية السفير حسام زكي الذي أكد خلال زيارة لبيروت قبل أيام قليلة أنه إذا التزم لبنان بالمبادرة الفرنسية فيمكن وقف النزيف الحالي واستعادة بعض عافيته.

وتأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن رؤية الدبلوماسية السعودية لآفاق تسوية الأزمة اللبنانية، تقوم على الحفاظ على استقلال القرار السياسي اللبناني، والاحتكام دائماً لبوصلة المصلحة الوطنية اللبنانية، وليس مصالح قوى تخريبية تعيث فساداً في الإقليم، كما أن اتفاق الطائف الذي عقد بين الفرقاء اللبنانيين بوساطة ورعاية المملكة قبل أكثر من ثلاثة عقود يظل أساساً للحفاظ على السلم المجتمعي، وإعادة بناء نظام سياسي يحقق آمال وتطلعات الشعب اللبناني، ويحفظ للبنان دوره المهم في منظومة العمل العربي المشترك، إلا أن تلك الرؤية تعتمد أولاً وأخيراً على توافر إرادة سياسية، ورغبة أكيدة لدى اللبنانيين للخروج من تلك الحلقة المفرغة.   

زر الذهاب إلى الأعلى