تقارير

الانسياق وراء بوصلة الإعلام اليساري الغربي

تُعتبر العلاقة بين الإعلام والسياسة وحدود تأثير وتأثر كل منهما بالآخر أحد الموضوعات الأكثر إثارة للجدل على الصعيد الأكاديمي، أو بين أطراف العمل الإعلامي والسياسي، وتؤكد كل الشواهد الراهنة أن تسييس وسائل الإعلام أصبح سمة أساسية للتواصل السياسي في الغرب، حيث يحدث هذا التسييس عندما تؤثر القيم والدوافع والتوجهات السياسية على الممارسة التحريرية أو الصحفية للوسيلة الإعلامية.
ويتم تصنيف وسائل الإعلام وفقًا لمدى الالتزام بالمواقف السياسية على مقياس اليسار واليمين، وضمن هذا الإطار يصبح التسييس في الأساس مسألة انحياز إعلامي، والذي يحدث عندما يتناقض التوجه نحو اليسار أو اليمين مع المعايير الصحفية مثل الموضوعية والحياد وفكرة التعددية الداخلية للمؤسسات الإعلامية.
واللافت هنا، أن العلوم السياسية لم تمتد إلى وسائل الإعلام الإخبارية بالاهتمام التفصيلي الذي أولته للهيئات التشريعية والأحزاب والحكومات وغيرها من مكونات النظام السياسي، في حين أن الصحافة أحد مكونات الحياة السياسية والتي أهملتها العلوم السياسية بالفحص والدراسة للأدوار والأهداف.
وكانت المحاولات في هذا المجال نادرة، ففي البداية تم التركيز عليها من منظور الرأي العام عبر التركيز على التأثيرات الخاصة بالأجندة الإعلامية وأولوياتها على الجمهور، ولاحقًا جاءت بعض الكتابات التي سعت للتفكير في الطرق التي تعمل بها المؤسسات الإخبارية كجهات فاعلة سياسية.
إطلالة على التصنيف الأيديولوجي لوسائل الإعلام الغربية
على مدى عقود، ناقش خبراء الإعلام الأمريكيون والأوروبيون سياسات وسائل الإعلام الإخبارية، مع انتقادات للأخبار من بين جانبي الطيف السياسي – اليمين واليسار-، مشيرين إلى أن الوضع الأمثل وسط تلك التحيزات والصراعات والأكثر تعبيرًا عن المهنية هو وجود الوسيلة الإعلامية في منطقة وسطى، حيث ينظر إليها على أنها بلا أيديولوجية، وهو ما ينعكس في عدة ملامح أساسية أبرزها اختيار القضايا، وصياغة القصص الإخبارية، والمصادر التي يتم الاستعانة بها لتمثيل كل الآراء والأطراف، وإفراد مساحة شبه متماثلة للرأي والرأي الآخر.
وعلى الرغم من عدم وجود منهجية دقيقة لقياس وتقييم التحيز الأيديولوجي لوسائل الإعلام، فقد بذل العديد من الأكاديميين جهودًا من أجل تصنيف وسائل الإعلام أيديولوجيا، وذلك وفقًا لمشاريع بحثية وأدوات لرصد وتحليل المحتوى الإخباري والمعالجات الصحفية، وكذلك استطلاعات رأي لمعرفة توجهات جمهور الوسيلة الإعلامية، وقد خلصت تلك التقييمات إلى تصنيف خماسي ما بين اليمين واليسار والوسط، ووسائل إعلام تميل لليمين وأخرى تميل لليسار، وفيما يلي عرض لأبرز تلك التصنيفات:
اليسار: شبكة “سي.إن.إن” الإخبارية الأمريكية وصحيفة “نيويورك تايمز” وموقع “هاف بوست”.
اليمين: صحيفة “ديلي ميل” البريطانية وشبكة “فوكس نيوز” الأمريكية وشبكة “سي.بي.إن” وموقع “بريتبارت”.
الوسط: وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية ووكالة “رويترز”، وموقع “إكسيوس” الإخباري، وهيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”، وصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية.
تميل لليسار: صحيفة “جارديان” البريطانية، وصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية ومجلتا “بوليتيكو” و”التايم” الأمريكيتان، ووكالة “بلومبرغ” الأمريكية، وإذاعة “إن.بي.آر” الأمريكية.
تميل لليمين: موقع “واشنطن إكسامينر”، وموقع “ديسباتش”، وموقع “نيويورك بوست”.

التبعية الإخبارية لوسائل الإعلام الغربية
لم تكن وسائل الإعلام في العالم العربي بمعزل عن حالة الاستقطاب الأيديولوجي الحادة التي تنامت في الغرب خلال السنوات القليلة الماضية، والتي بلغت ذروتها بصعود ساسة يمينيين إلى سُدة الحكم في دول عدة، وبلغ التناحر الإعلامي الغربي ذروته مع فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 وعلى مدى 4 سنوات هي الفترة التي قضاها ترامب في البيت الأبيض خاض خلالها العديد من المعارك مع الإعلام اليساري الممثل للديمقراطيين، ولا سيما ما يسمى بالتيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.
وكانت القضايا العربية وعلاقة الولايات المتحدة مع الدول العربية، وما شهدته المنطقة من تقلبات سياسية خلال تلك الأعوام أحد المواد الرئيسية التي استخدمتها وسائل الإعلام الأمريكية اليمينية واليسارية كوقود للصراع السياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين.
واللافت للنظر هنا، أن وسائل الإعلام والصحف العربية على الدوام أكثر شغفًا ونقلًا وترويجًا لما ينشر في وسائل الإعلام الغربية يسارية التوجه، وهو ما يدفع للتساؤل عن السبب وراء هذا الاعتماد شبه الكلي، وللإجابة وجب التنويه ابتداء بأن ذلك الوضع هو أحد تجليات التبعية الإخبارية الكبرى لوسائل الإعلام العربية للإعلام الغربي الذي تستقي منه المعلومات والأخبار والتحليلات بل حتى الصور، وذلك بالنظر إلى ما يحظى به الإعلام في الغرب من قدرة على الوصول للمعلومات والوثائق والتواصل بسهولة مع المسؤولين، فهذه الظروف كانت سببًا أساسيًا في حالة الانسياق وراء المحتوى الإعلامي الغربي بوجه عام.
أما عن سبب الاعتماد على وسائل الإعلام اليسارية، فيمكن رده إلى جملة من العوامل والأسباب، منها:
هيمنة الأجندة السياسية للأحزاب الليبرالية واليسارية على وسائل الإعلام الغربية، لدرجة دفعت شركات إعلامية محافظة في الولايات المتحدة إلى إطلاق قنوات إخبارية مثل نيوز ماكس، كما سبق وطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال فترة ولايته مقترحًا بإنشاء قناة أمريكية عالمية لمنافسة شبكة “سي إن إن” الإخبارية (يسارية التوجه).
سعي وسائل الإعلام الأمريكية ذات التوجه اليساري إلى التغلغل في المجتمع العربي بأدوات مختلفة منها وجود خدمة عربية في البعض من هذه المحطات مثل “سي.إن.إن”، وهو ما تفتقده وسائل الإعلام يمينية التوجه مثل شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية. بل إن عددًا من الصحف الأمريكية والبريطانية المعروفة بميلها إلى اليسار كواشنطن بوست ونيويورك تايمز الأمريكيتين و”جارديان” البريطانية، قامت بنشر افتتاحيات وموضوعات باللغة العربية تتناول الشأن العربي لا سيما في مرحلة ما يسمى بـ”الربيع العربي”.
التوافق في الأجندات والأهداف والتعاطف الأيديولوجي: في بعض الحالات يكون الاعتماد المكثف على وسائل الإعلام الغربية اليسارية نابعًا من توافق في الأجندات والأهداف، وتعاطف أيديولوجي، وانجذاب إلى المقولات والأطروحات الواردة في تلك المنصات الإعلامية؛ لكونها تعكس أفكار التيار الليبرالي التي يتطلع إليها كثيرون في وسائل الإعلام العربية على صعيد مالكي المنصات أو الإعلاميين والصحفيين (أي القائمين بالاتصال)، فهؤلاء لديهم نفور من التيارات المحافظة على مستوى المجتمع المحلي، ومن البديهي أن يكون لديهم موقف مناهض لأي صوت إعلامي محافظ حتى وإن كان على النمط الغربي المتمثل في التيار اليميني.
أنماط انحياز وسائل الإعلام اليسارية
تقع وسائل الإعلام العربية في فخ التحيز الذي تمارسه وسائل الإعلام اليسارية -التي تنقل عنها-، وفقًا لعدد من الاستراتيجيات التي توظفها بشكل منفرد أو عبر المزج بين أكثر من استراتيجية لخدمة هدفها في تقديم قصة إخبارية أو معالجة إعلامية مرئية تدعم موقفها الأيديولوجي إزاء القضية محل النظر، ويمكن استعراض أنماط التحيز على النحو التالي:
“التحيز بالإغفال- Bias by omission”: يمكن أن يحدث التحيز عن طريق الإغفال إما داخل قصة ما، وإما على المدى الطويل حين تقوم النافذة الإخبارية بالإبلاغ عن مجموعة من الأحداث. ومن أجل اكتشاف حالات التحيز عن طريق الإغفال، لا بد من الإلمام بوجهات النظر المحافظة والليبرالية بشأن القضايا الحالية، والتحقق مما إذا كانت متضمنة في القصص المتعلقة بحدث أو سياسة معينة.
“التحيز عن طريق اختيار المصادر- Bias by selection of sources”: فلا بد من التيقظ للانتماءات والمنظور السياسي لمن يتم الاستشهاد بهم كخبراء في القصص الإخبارية. ويمكن رؤية هذا النمط من التحيز أيضًا عندما يستخدم الصحفي عبارات مثل “يعتقد الخبراء” أو “يقول المراقبون” أو “يعتقد معظم الناس”، فضلاً عن أنه غالبًا ما يبحث الصحفيون عن اقتباسات لتلائم حجتهم المفضلة في القصة الإخبارية.
“التحيز بحسب الموضع- Bias by placement”: فموضع القصة هو مقياس لمدى أهمية نظر الوسيلة الإعلامية أو الصحيفة لها، وتظهر الدراسات أنه في حالة قارئ الصحيفة العادي والقصة الإخبارية العادية، يقرأ معظم الأشخاص العنوان الرئيسي فقط.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن وسائل الإعلام العربية لا بد أن تتحلى بالحذر في النقل عن الإعلام الغربي، وأن تقوم بتنويع مصادرها الإخبارية، وعدم الاعتماد فقط على وسائل الإعلام الغربية اليسارية، حتى لا تسقط في فخ تحيزات تلك المنصات وتبني رواياتها، والمشاركة في تنفيذ أجنداتها السياسية.
وختامًا، يبقى القول بأن الصحافة والإعلام كفاعل سياسي، يستوجب استنفار الجهود الأكاديمية لمتخصصي العلوم السياسية من أجل بذل المزيد من العمل البحثي لتحليل الأدوار السياسية والفكرية التي تلعبها وسائل الإعلام في النظم السياسية المختلفة.

زر الذهاب إلى الأعلى