في خطوة تهدف إلى تعزيز العلاقات الأخوية التاريخية، ومواصلة التشاور والتنسيق بشأن مختلف القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، جاءت مباحثات سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، حفظه الله، مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي أجرى زيارة أخوية إلى المملكة في أجواء رمضانية مباركة.
وانطوت هذه الزيارة على رسائل متعددة تُعبر عما تتسم به العلاقات المصرية السعودية من صلابة وتناغم يُعزز من القدرات الشاملة على مجابهة التهديدات التي تمس الأمن الجماعي العربي، والتصدي للمخططات الخبيثة التي تهدف إلى تفتيت وحدة العديد من الدول العربية الشقيقة، بجانب أنها تحدد مسارات واضحة لخفض التصعيد الراهن في المنطقة ومقاربات شاملة لتسوية الأزمات المشتعلة ومعالجة تداعياتها الأمنية والإنسانية، مما يوجه الإقليم نحو بوصلة الاستقرار القائم على حلول تحترم وحدة وسيادة الدول، وتحمي حقوق الشعوب في الأمن والتنمية، والتي تمثل نهجًا أصيلاً للسياسة الخارجية لكل من الرياض والقاهرة، حيث ترتكزان إلى ثوابت لا تحيدان عنها مطلقًا، تتمثل في الرفض التام للتدخلات الخارجية في شؤون الدول العربية أيًّا كان مصدرها، ودعم الجهود كافة للحفاظ على سيادة واستقلال الدول العربية، وتماسك مؤسسات الدولة الوطنية.
- حفاوة الاستقبال للرئيس السيسي
اتسمت الزيارة بحفاوة شديدة من جانب المملكة وقيادتها الرشيدة، حفظها الله، وبدا ذلك في استقبال سمو ولي العهد، للرئيس المصري فور أن حطت طائرته بمطار الملك عبد العزيز الدولي، وتجسد ذلك في الابتسامة التي تكسو وجهي الزعيمين، والمصافحة الحارة بكلتا اليدين من جانب الرئيس السيسي لسمو ولي العهد، التي تحمل دلالة قوية على الارتياح والمودة الصادقة، والاحترام الشديد، والتقدير العالي، فهي تتجاوز التحية العادية لتعبر عن الدفء والألفة.
وكان من اللافت عدم تقيد الرئيس المصري بالمظهر البروتوكولي الرسمي، إذ تخلى عن ربطة العنق في لفتة ذات دلالة على الارتياح وعمق العلاقات، والأجواء التي سادتها روح المودة والإخاء.
وظهرت أيضًا الحفاوة خلال جلسة المحادثات التي جمعت سمو ولي العهد والرئيس السيسي، والتي وثقتها عدسات المصورين بحوار باسم بينهما، ومما لا شك فيه أن الابتسام في المحادثات الرسمية أداة قوية للتواصل، والابتسامة المتبادلة هنا تعكس تناغمًا في السياسات ووحدة في المواقف، وتبعث برسائل تتجاوز حدود اللقاء يمكن لكل الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بمسار العلاقات السعودية المصرية وتأثيراتها على ملفات المنطقة قراءة دلالاتها، فهذه الصورة تؤكد متانة الشراكة السعودية المصرية، والتنسيق الاستراتيجي بشأن الملفات الإقليمية في توقيت بالغ الحساسية تمر به منطقة الشرق الأوسط.
وعقب لقاء ثنائي مغلق بين الزعيمين، أقام ولي العهد السعودي مأدبة إفطار رمضان؛ تكريمًا للرئيس السيسي والوفد المرافق، كما اصطحب سمو الأمير محمد بن سلمان، الرئيس السيسي لتوديعه في مطار الملك عبد العزيز الدولي، حسب بيان لرئاسة الجمهورية المصرية.
- السياق الإقليمي المحيط بالقمة السعودية المصرية
جاءت مباحثات سمو ولي العهد والرئيس السيسي في توقيت بالغ الأهمية بالنظر إلى الوضع الإقليمي الراهن، حيث تزداد الأجواء سخونة من كل اتجاه استراتيجي، وفي الصدارة تأتي التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية البرنامج النووي لطهران، حيث ينذر التحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة، وضبابية المشهد التفاوضي في ظل تباعد المواقف بين واشنطن وطهران رغم عقد جولتي مفاوضات في سلطنة عمان وسويسرا، والضغوط الإسرائيلية على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدفعها نحو الخيار العسكري، بأن المنطقة على حافة مرحلة هي الأخطر منذ عقود حال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي سيكون لها تداعيات واسعة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية والاستراتيجية كافة.
ومن بين الملفات الإقليمية الساخنة أيضًا الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فما زالت المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تراوح مكانها رغم مرور وقت من إعلان الولايات المتحدة إطلاق تلك المرحلة وتأسيس هياكلها المؤسسية، كما جاء الاجتماع الأول لمجلس السلام في واشنطن برئاسة ترامب مصحوبًا بوعود كبيرة تتصل بإعادة إعمار القطاع المدمر دون تقديم إجابات حول تحديات أساسية، من بينها نزع سلاح حركة حماس، وعلاقة المجلس بالأمم المتحدة.
كما تمضي تل أبيب في مخططات الضم الفعلي للضفة الغربية بتصديق “الكابينت” الإسرائيلي على تسجيل أراض واسعة في الضفة بما يسمى “أملاك دولة”، والأخطر من ذلك الحديث الصادر عن السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي الذي تضمن “مزاعم بشأن أحقية إسرائيل في أراضٍ تابعة لدول عربية”، بناء على ما وصفها بتفسيرات دينية وتوراتية، وهي تصريحات تتوافق مع رؤية المتطرفين الإسرائيليين حيال ما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، وقد قوبلت بإدانات واسعة من جانب المملكة ومصر والدول العربية.
ولا تقتصر انتهاكات إسرائيل على الجغرافيا الفلسطينية، بل تمتد إلى الجوار، حيث التصعيد الإسرائيلي في لبنان، والانتهاكات اليومية التي يرتكبها جيش الاحتلال في الأراضي السورية، ضاربًا باتفاقات وقف إطلاق النار والحد من التصعيد والوساطة الأمريكية عُرض الحائط. كما تأتي تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن العمل على إنشاء “تحالف سداسي” حول الشرق الأوسط يضم الهند واليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وإفريقية وآسيوية لم يسمها، لتضفي مزيدًا من علامات الاستفهام حول المسار الذي تتجه إليه منطقة الشرق الأوسط.
وإلى الممرات الملاحية الاستراتيجية، تبرز التوترات في منطقة البحر الأحمر، حيث تطوقه ثلاث أزمات، وهي نتاج لمخطط خبيث يحمل بصمات ذات الأصابع الإقليمية العابثة التي تستهدف تفتيت وحدة الدول وتقسيمها عبر ميليشيات وكيانات انفصالية، وهو ما يبدو في الحرب السودانية، حيث ميليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو حميدتي، والأزمة في جنوب اليمن عبر ما يسمى “المجلس الانتقالي الجنوبي” بقيادة عيدروس الزبيدي، وكذلك في الصومال من خلال إعلان ما يسمى “إقليم أرض الصومال”، واعتراف تل أبيب بالإقليم كدولة مستقلة، وتطلعات إثيوبيا برئاسة حكومة آبي أحمد للحصول على منفذ دائم على البحر الأحمر عبر استخدام ميناء بربرة الصومالي لأغراض تجارية وعسكرية.
- رسائل القمة السعودية المصرية
بعثت القمة السعودية المصرية في جدة مجموعة من الرسائل التي يمكن استخلاصها من مضامين المحادثات، وكذلك من البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية المصرية في ختام زيارة الرئيس السيسي للمملكة.
- التطور الكبير الذي تشهده العلاقات الأخوية بين مصر والسعودية وأهمية دفع التعاون الثنائي في مختلف المجالات.
- ضرورة التزام كل الأطراف باتفاق وقف الحرب في غزة وتنفيذ خطة الرئيس ترامب للسلام
- زيادة نفاذ المساعدات الإنسانية للقطاع دون عراقيل وسرعة البدء في عملية إعادة الإعمار
- رفض أي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني خارج أرضه
- التأكيد على أن الحل يكمن في إطلاق عملية سياسية شاملة تؤدي إلى تنفيذ حل الدولتين
- أهمية تجنب التصعيد والتوتر في المنطقة ودعم الحلول السلمية للأزمات عبر الحوار
- تعزيز التضامن العربي لمواجهة التحديات مع التشديد على احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية
- الاتفاق على مواصلة وتعزيز التشاور والتنسيق السياسي من أجل الحفاظ على الاستقرار الإقليمي
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول بأن الشراكة الاستراتيجية الراسخة بين السعودية ومصر، وما تمتلكه الدولتان من عناصر القوة الشاملة بمثابة صمام أمان وحائط صد منيع في مواجهة التهديدات والمخاطر التي تحيط بالأمة العربية، وحجر عثرة تتحطم عليه المخططات الخبيثة كافة التي تسعى إلى تنفيذها بعض الأيادي العابثة بالأمن العربي.



