تُعد اللغة مؤشرًا أساسيًّا وعاملًا مهمًّا في بناء الهوية، إذ تُمكن الأفراد من التعبير عن انتماءاتهم الشخصية والاجتماعية والثقافية والعرقية. ومن خلال اللهجة واللكنة واختيار اللغة، يشير الناس إلى انتمائهم للمجتمع، ويديرون مكانتهم الاجتماعية، ويعبّرون عن انتمائهم الثقافي. كما تُشكل اللغة جسرًا إلى التراث وأداة لخلق الهويات الاجتماعية أو الحفاظ عليها أو مقاومتها.
وفي المملكة العربية السعودية، تمثل اللغة العربية ركيزة أساسية للهوية الوطنية والثقافية، حيث أكدت رؤية السعودية 2030 في مضامينها اهتمام المملكة باللغة العربية، وضرورة العناية بها، كونها جزءًا مهمًّا من مكوّنات الهوية الوطنية السعودية، إضافة إلى أنها اللغة الرسمية للدولة، وبذلت الحكومة الرشيدة جهودًا كبيرة على مستوى السياسات والمبادرات الوطنية التي تسهم في إثراء المحتوى الثقافي وتعزيز حضور اللغة العربية محليًا وعالميًا.
- دور اللغة في تشكيل الهوية
تُعد اللغة قوة ديناميكية، متداخلة بشكل وثيق مع عملية تشكيل الهوية. فإلى جانب دورها النفعي في التواصل، تمتلك اللغة القدرة على صياغة وتحديد والتعبير عن هوياتنا الفردية والجماعية.
إن اللغة بمثابة مرآة أمينة تعكس قيم ومعايير وتفاصيل الثقافات التي نرثها. فالكلمات التي نختارها، والعبارات التي نستخدمها والفروق اللغوية الدقيقة المتأصلة في أنماط كلامنا تُشكل بصمات ثقافية تكشف عن النسيج الغني لتراثنا. وعندما يتواصل الأفراد بلغة معينة، فإنهم يحملون معهم الحكمة المتراكمة والتقاليد والخبرات المشتركة لخلفيتهم الثقافية.
وبذلك تُصبح اللغة وعاءً تُنقل من خلاله القيم الثقافية عبر الأجيال، مُعززة الشعور بالاستمرارية والارتباط بالجذور. وسواء أكان ذلك في رسمية المخاطبة، أو اختيار الضمائر، أو تعابير المجاملة، فإن هذه العناصر اللغوية تجسد قيمًا ثقافية تُسهم في الطبيعة المتعددة الأوجه للهوية.
وعندما يُمارس الأفراد التعبير اللغوي، فإنهم يستمدون دون وعي، من مخزون المعاني الثقافية المُتأصلة في لغتهم. إن اختيار الاستعارات وإيقاع الكلام وحتى بنية سرد القصص، كلها مظاهر للقيم الثقافية المُتشابكة في نسيج اللغة. وهكذا، لا تبرز اللغة كوسيلة للتواصل فحسب، بل كمستودع حي للهوية الثقافية، مما يسمح للأفراد بالتعبير عن تراثهم الثقافي والاحتفاء به وتخليده.
- السياسة الوطنية للغة العربية في السعودية
وافق مجلس الوزراء مؤخرًا على السياسة الوطنية للغة العربية في السعودية، وبحسب جريدة أم القرى (الجريدة الرسمية السعودية) تستهدف المملكة من خلال تلك السياسة تعزيز ريادة المملكة في الحفاظ على اللغة العربية؛ بوصفها المرجعية العالمية في اللغة العربية، وموطن العربية الأول، وزيادة تمكين اللغة العربية وتعزيز مكانتها في المجتمع؛ بوصفها مكونًا رئيسًا للهوية الوطنية السعودية، بجانب ترسيخ الفاعلية الحضارية للغة العربية وإسهاماتها التنموية، وتعزيز استخدامها في الجهات العامة والقطاعين الخاص وغير الربحي.
وكذلك زيادة جاذبية البيئة السعودية للراغبين في تعلم اللغة العربية، والاطلاع على ثقافتها وإرثها الحضاري، فضلاً عن تمكين استعمال اللغة العربية في مجالات الحياة المتعددة.
وتركز السياسة الوطنية للغة العربية على المبادئ التالية:
- اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمملكة: تعمل الجهات العامة على استعمالها في جميع أعمالها، مع إمكان استعمال لغة أخرى معها إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ويعمل القطاعان الخاص وغير الربحي على استعمالها في التواصل مع الآخرين من جهات وأفراد، مع مراعاة ما نصت عليه الأنظمة الأخرى.
- تعزيز مكانة اللغة العربية في التعليم: استخدام اللغة العربية للتعليم بها، في المراحل الدراسية كافة، بما يمكّن المتعلمين من اكتساب الاتجاهات والمعارف والمهارات اللغوية على نحو سليم، واكتساب ثقافة اللغة العربية وتراثها الفكري والحضاري.
- تعزيز حضور اللغة العربية في المشهد اللغوي: تحرص الجهات العامة والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي على استعمال اللغة العربية في المشهد العام، كالعقود والشهادات والأوسمة واللوحات الإرشادية والتجارية والفواتير والدعايات وأسماء الأماكن وأسماء المبادرات، والمؤتمرات، والندوات، ونحوها.
- تمكين حضور اللغة العربية في البحث العلمي: تعمل المؤسسات البحثية والعلمية والجامعات على تعزيز حضور اللغة العربية في البحث العلمي، مع تنمية النشر العلمي باللغة العربية للبحوث العلمية في التخصصات كافة، بما يسهم في ترسيخ تفاعلها الحضاري والعلمي في مختلف المجالات.
- إبراز اللغة العربية في الإعلام: تبرز المؤسسات الإعلامية اللغة العربية بالصورة المناسبة لها في الوسائل الإعلامية كافة، وبتوفير المواد الإعلامية بها أو بالترجمة إليها.
- ترسيخ استعمال اللغة العربية في مجال الأعمال: تمكّن الجهات العامة والخاصة وغير الربحية من حضور اللغة العربية في مجال الأعمال، وتستخدمها بالصورة اللائقة بها في الجانب الإداري والمراسلات والتواصل والتوظيف وغير ذلك، ويكون تعزيزها في مجال الأعمال عن طريق تفعيل منافذ الاستثمار اللغوي وتقديم الأعمال والمبادرات اللغوية العربية ذات المردود الاقتصادي.
- تفعيل حضور اللغة العربية في الجانب الدولي: تحرص الجهات العامة على تفعيل حضور اللغة العربية واستخدامها في سياقات التواصل الدولي (مثل اللقاءات الرسمية والمؤتمرات والندوات والمحافل الدولية والاجتماعات داخل المملكة وخارجها)، وإذا اقتضت الحاجة استعمال لغة أخرى فتوفَّر ترجمة إليها.
- تعزيز حضور اللغة العربية في المجال الثقافي والفني: تتبنّى الجهات الثقافية والفنية تعزيز حضور اللغة العربية في أنشطتها وأعمالها ومنتجاتها، بوصفها ركيزة أساساً من ركائز الهوية الوطنية السعودية.
وتتكامل تلك السياسة مع جهود برامج تحقيق رؤية 2030، حيث يعمل برنامج تنمية القدرات البشرية من خلال إستراتيجية وطنية متكاملة تتضمن مجموعة من المبادرات التي تُعنى باللغة العربية بما يسهم في تمكينها وتعظيم حضورها.
وفي إطار جهود السعودية لترسيخ مكانة اللغة العربية ودعم انتشارها إقليميًّا ودوليًّا، أطلق مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية في أبريل عام 2024 مركز “ذكاء العربية”، في خطوة استراتيجية لتمكين اللغة العربية تقنيًا، فهو أول مركز متخصص بالمعالجة الآلية للغة العربية يُعنى باستخدام وتعزيز تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير الأدوات العلمية والبحثية، والتطبيقات الحاسوبية التي تسهم في تسهيل تعامل الحاسب مع اللغة العربية، وفي حضورها على المنصات والتطبيقات الحاسوبية.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن المملكة العربية السعودية تمضي بخطى ثابتة ليس فقط نحو ترسيخ اللغة العربية وحفظ الهوية بل أيضًا في دعم انتشار لغة الضاد على الساحة العالمية من خلال إدماجها في تطبيقات التكنولوجيا الحديثة، حيث يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا واسعة لتطوير أدوات تعلم اللغة العربية ونشرها.
وأخيرًا، يعزز كل هذا من دور اللغة العربية كأداة للتواصل الحضاري ومصدر من مصادر القوة الناعمة التي تدعم مكانة المملكة ثقافيًّا ومعرفيًّا على الساحة الدولية.



