تعد منطقة الشرق الأوسط أحد أبرز مناطق العالم التي تتسم في أغلبها بالسخونة فهي غارقة باستمرار في عدم الاستقرار السياسي والصراعات والأزمات الإنسانية، مما يثير حالة من عدم اليقين حول مستقبلها؛ وعلى العكس مما يشار إليها بأنها منطقة متجانسة فإنها غنية بتنوع سكانها -عرقيًا ودينيًا وتاريخيًا- كما أنها كانت ومازالت ساحة رئيسية لصراعات النفوذ بين القوى الكبرى في النظام الدولي.
- أهمية حيوية للعالم
وفي الوقت ذاته، تمثل المنطقة أهمية حيوية للعالم لموقعها الجغرافي كنقطة اتصال محورية بين أوروبا وآسيا، ومركز للاقتصاد العالمي نظرًا لاحتياطيات النفط والغاز الضخمة في دول الخليج العربي، كما أن المنطقة تمثل قوة وازنة في النظام الاستثماري العالمي حيث تسيطر صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط حاليًا على 54% من استثمارات صناديق الثروة السيادية العالمية، حيث تدير دول الخليج العربي مجتمعة ما يقارب 4 تريليونات دولار. وقد تفوق كل من صندوق الاستثمارات العامة السعودي (1.15 تريليون دولار)، وجهاز أبو ظبي للاستثمار (1.11 تريليون دولار)، وهيئة الاستثمار الكويتية (تريليون دولار) على رواد الاستثمار التقليديين، مما أدى إلى إعادة تشكيل تدفقات الاستثمار العالمية بشكل جذري.
وخلال العقدين الأخيرين، أضحت المنطقة ساحة لتطبيق إحدى نظريات العلاقات الدولية وهي نظرية “الفوضى المدارة” والتي تصف استراتيجية تقوم فيها جهات فاعلة قوية بخلق حالة من عدم الاستقرار والاضطراب عمدًا داخل دول أو أنظمة أخرى لخدمة مصالحها الجيوسياسية، وذلك غالبًا عن طريق تقويض الحكومات، أو تأجيج الصراعات الداخلية، أو زعزعة استقرار الاقتصادات، وبالتالي إرساء نظام جديد أو اكتساب نفوذ.
وتستخدم هذه التكتيكات الحرب الهجينة، والتضليل الإعلامي، والهجمات الإلكترونية، والضغط الاقتصادي، ودعم الاحتجاجات لإضعاف الخصوم وإعادة تشكيل المشهد على الأرض.
- مساعي خبيثة لإعادة رسم خرائط الجغرافيا والنفوذ
وأصبح واضحًا المساعي الخبيثة لإعادة رسم خرائط الجغرافيا والنفوذ عبر جماعات وميليشيات بهدف تقسيم المنطقة وإضعاف الدولة الوطنية وتقسيمها الفعلي أو على الأقل تحويلها إلى عدد من الكانتونات المتناحرة طائفيًا أو عرقيًا ما يجعل منها نموذجًا لـ “الدولة الفاشلة” أو “شبه الدولة” وهو ما يخدم على نحو مباشر أهداف “المشروع الصهيوني”، فإسرائيل تريد منطقة ممزقة لا قوى كبرى فيها تتمتع بثقل ديمغرافي أو عمق استراتيجي أو قدرات عسكرية أو تقدم اقتصادي أو تفوق تكنولوجي.
وإزاء هذا المشهد الإقليمي المضطرب، تبرز القوى الإقليمية الراسخة كعقبة رئيسة أمام هذا المخطط، وتنحصر هذه القوى حاليًا في كل من المملكة العربية السعودية ومصر، بعدما تآكلت أركان النظام الإقليمي على مدى السنوات الماضية بدءً من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم الحرب الأهلية بسوريا على مدى 13 عامًا، وأخيرًا الضربات الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران خلال حرب الإثني عشر يومًا في يونيو الماضي.
- الخطوط الحمراء السعودية
تسعى الرياض بكل ما لديها من ثقل ونفوذ إقليمي ودولي للتصدي للنزعات الانفصالية في الدول العربية من منطلق الحرص على وحدة واستقرار وسيادة الدولة الوطنية وهو قاسم مشترك في مواقف وسياسات المملكة من التطورات في سوريا واليمن والسودان والصومال وليبيا، كما أنه هدف تضعه الدبلوماسية السعودية على رأس أولوياتها، ولهذا جاء منبر جدة لمحاولة تسوية الأزمة السودانية، والاستعداد لعقد مؤتمر بالرياض لمناقشة القضية الجنوبية في استجابة لطلب مجلس القيادة الرئاسي اليمني، وفي الوقت ذاته تنتهج المملكة سياسة الخطوط الحمراء التي تفعلها بإجراءات عسكرية حاسمة ضد أي مساس أو تهديد لأمنها، وهي رسالة تردد صداها مؤخرًا في كل أنحاء المنطقة.
وقد عكست رؤية السعودية 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، قبل 10 سنوات بُعد نظر وحكمة القيادة وقراءتها الواعية للواقع واستشرافها الدقيق للمآلات المستقبلية وما حدث من تقلبات إقليمية ودولية، وهو ما تؤكده القدرة على التكيف وسط هذا الكم الهائل من التقلبات بل والمضي قدمًا في مسيرة النهضة بدون توقف وتحقيق العديد من المستهدفات قبل الموعد المحدد.
لقد تمكنت المملكة من تعزيز عناصر قوتها الشاملة عبر جيشًا قويًا، واقتصادًا متنوعًا لا يعتمد فقط على النفط، ودبلوماسية نشطة ذكية تحفظ القرار السيادي بما يحقق مصالحها الوطنية ويعزز الدور القيادي للسعودية قي الدفاع عن مصالح الأمتين العربية والإسلامية.
وختامًا، يمكن القول إن منطقة الشرق الأوسط تمر حاليًا بواحدة من أحلك اللحظات في تاريخها الحديث، فالمرحلة الراهنة حاسمة في مستقبلها، كثيفة في تحدياتها، في ظل مساعي بعض الأطراف لإعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر مشروع التقسيم والتجزئة للسيطرة على ثروات ومقدرات الشعوب والتحكم في الممرات الاستراتيجية. وتبقي السعودية بحكمة قيادتها الرشيدة وحسمها وحزمها رادع أمام تلك المخططات الخبيثة التي انتقلت من دروب الخفاء إلى ساحات الواقع على امتداد الخارطة في الإقليم.



