أدى التحول الجذري في السياسة العالمية خلال العام الماضي إلى تشكيل النقاش الدائر حول الاستخدام العسكري المسؤول للذكاء الاصطناعي. ويبدو أن الدولتين الرائدتين عالميًّا في مجال الذكاء الاصطناعي، الولايات المتحدة والصين، تبتعدان بشكل متزايد عن أحد الحوارات الدولية الرئيسية حول تطبيقاته العسكرية، على الأقل في الوقت الراهن.
وتجلى هذا الأمر بوضوح الأسبوع الماضي في مدينة لا كورونيا الإسبانية، عندما اجتمعت وفود حكومية وممثلون عن قطاع الذكاء الاصطناعي والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني في القمة الثالثة متعددة الأطراف حول الذكاء الاصطناعي المسؤول في المجال العسكري، التي تهدف إلى توجيه مستقبل التعاون الدولي في هذا المجال.
وفي هذا الإطار، نشر مجلس العلاقات الخارجية (مركز بحثي مقره واشنطن) تقريراً لمايكل سي. هوروفيتز، زميل أول للتكنولوجيا والابتكار في المجلس، نستعرضه على النحو التالي:
- تراجع الدعم لمخرجات القمة في إسبانيا
أسفرت القمتان السابقتان عن “وثائق ختامية” حظيت بدعم كبير من الوفود المشاركة. فقد حظيت كل من “دعوة للعمل” لعام 2023 و”خطة العمل” لعام 2024 بموافقة نحو 60 دولة. أما هذا العام، فقد وافقت 35 دولة فقط – لم تكن الولايات المتحدة ولا الصين من بينها – على الوثيقة الختامية “مسارات العمل”.
وعلى الرغم من أنها غير ملزمة، فإن الوثائق الصادرة عن القمة، التي تتضمن عادةً التزامات منطقية مثل استخدام الجيوش للذكاء الاصطناعي بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني، تُسلط الضوء على ما تعتبره الدول الشواغل الحاسمة في العام المقبل. ويعد تراجع الدعم الذي حظيت به وثيقة هذا العام أحدث دليل على الانقسام الجيوسياسي الكلي الجاري حاليًا، لا سيما بين الولايات المتحدة وأوروبا. والسؤال الذي يطرحه هذا الأمر الآن بالنسبة للقمة هو ما إذا كانت القوى المتوسطة ستدفع باتجاه وضع قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي وتدابير بناء الثقة في حال ازدادت عزلة القوى العظمى.
لقد أدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اضطراب العلاقات الأمريكية، وخاصة مع شركائها في حلف شمال الأطلسي “الناتو”. فإذا كانت الدول غير متأكدة من كيفية تطور مكانتها وعلاقاتها مع الآخرين – وتحديدًا مع الولايات المتحدة، وبدرجة أقل مع الصين – فإنه يصعب عليها الالتزام بالتعاون الدولي أو توقيع بيانات مبدئية قد تعارضها القوى العظمى. في الواقع، كان وفدا الولايات المتحدة والصين في القمة بإسبانيا أصغر بكثير من وفديهما في قمة 2024 بكوريا الجنوبية.
- فجوة متزايدة في الحوار الدولي حول الذكاء الاصطناعي العسكري
إن الفجوة المتزايدة بين الحوار الدولي حول الذكاء الاصطناعي العسكري، الذي يميل إلى التركيز على المخاطر والقيود المحتملة لاستخدامه، والجهود المتسارعة التي تبذلها الجيوش في جميع أنحاء العالم لدمج الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن تُثير قلق جميع الدول. ولا تزال العديد من القنوات المتعددة الأطراف التقليدية لمناقشة الحوكمة العالمية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية (بما في ذلك فريق خبراء الأمم المتحدة الحكوميين المعني بأنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل) تسير بوتيرة بطيئة للغاية، كما هي الحال منذ العقد الثاني من الألفية.
ومع ذلك، فإن الدول تُطور وتُجرب بالفعل قدرات الذكاء الاصطناعي، إن لم تكن قد تبنتها ووسعت نطاقها ونشرتها بشكل كامل. وتشهد النزاعات المستمرة، مثل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني والصراع الروسي الأوكراني، استخدام أدوات وتقنيات وأنظمة جديدة للذكاء الاصطناعي لتحقيق الكفاءة والقوة في ساحة المعركة.
ومع تكثيف جهود الأمم المتحدة لوضع لوائح ملزمة بشأن الذكاء الاصطناعي العسكري، ولا سيما فيما يتعلق بأنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل، فإن المفاوضات المتعددة الأطراف تُواجه خطر الانفصال المتزايد عن الواقع.
ما تسعى إليه الجيوش حاليًا هو إيجاد طريقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي بأمان وفاعلية، كما فعلت مع التقنيات الأخرى في الماضي. إذا استمر هذا التباين دون رادع، فإن المخاطر ستكون مضاعفة.
- سياسات متضاربة وغير مدروسة لنشر التقنيات
على المدى البعيد، قد تنفصل الجهود السياسية عن الواقع التقني للأنظمة التي تسعى إلى إدارتها. أما على المدى القريب، فتقوم الدول بنشر هذه التقنيات بسياسات متضاربة وغير مدروسة – إن وُجدت أصلًا – دون أي فرصة لاكتساب رؤى قيمة حول أفضل الممارسات من الآخرين. وبما أن الولايات المتحدة تتراجع عن دورها القيادي في هذه المجالات، فيتعين على القوى المتوسطة الآن أن تُفكّر مليًا في ما إذا كان ينبغي عليها توجيه تدابير بناء الثقة بشأن الذكاء الاصطناعي العسكري والتعاون، وكيفية القيام بذلك.
لكن هذه اللحظة قد تُعتبر فرصة، إذ قادت القوى المتوسطة منذ البداية عملية الذكاء الاصطناعي المسؤول في المجال العسكري منذ البداية. فقد أطلقت هولندا هذه الجهود في عام 2023، واستضافت كوريا الجنوبية وسنغافورة القمة الثانية في عام 2024، واستضافت إسبانيا القمة الثالثة الأسبوع الماضي.
واثنتان من هذه الدول شريكتان في حلف الناتو، وقد تغيرت علاقتهما مع الولايات المتحدة بشكل جذري خلال العام الماضي. ونتيجة لذلك، قد تشعران بعدم اليقين بشأن استمرار شراكتهما مع واشنطن التي لا يمكن التنبؤ بها حاليًا، أو ما إذا كان ينبغي عليهما السعي بشكل أكثر شمولاً لتحقيق أهدافهما الأمنية بشكل مستقل.
ويتمثل أحد السبل للمضي قدمًا في أن تُعزز القوى المتوسطة التي تُركز على تبني الذكاء الاصطناعي مبادرة “الاستخدام العسكري المسؤول للذكاء الاصطناعي والاستقلالية” كونها هي من ابتكرتها في المقام الأول. فبإمكانها استغلال زخم القمة وقدرتها على جمع الأطراف كمركز للتعاون الدولي وبناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري للدول غير العظمى. وبينما ستظل الولايات المتحدة والصين مدعوتين دائمًا، لا ينبغي للقوى المتوسطة أن تقلق بشأن مدى مشاركتهما.
- دور منتظر من القوى المتوسطة
فمع أن ذلك قد يُقلل من احتمالية التوصل إلى توافق دولي واسع، إلا أن مبادرة “الاستخدام العسكري المسؤول للذكاء الاصطناعي والاستقلالية” قد تُقدم للقوى المتوسطة ودول الجنوب العالمي بناءً حاسمًا للقدرات وقواعد عمل واضحة، لا سيما إذا استوعبت بعضًا من جهود بناء القدرات التي أُنجزت سابقًا في الإعلان السياسي الذي تقوده الولايات المتحدة بشأن الاستخدام العسكري المسؤول للذكاء الاصطناعي والاستقلالية.
لقد شكلت عملية تقييم الأثر البيئي والاجتماعي والتكنولوجي جسرًا مهمًا بين جهود الأمم المتحدة التي يقودها الدبلوماسيون، والتي غالبًا ما تركز على التنظيم والقيود، وبين واقع تسريع الاستثمارات العسكرية ونشر الذكاء الاصطناعي في مختلف التطبيقات. ويُصعب المشهد الدولي المتغير دور هذا الجسر – كما رأينا في القمة بإسبانيا – ولكنه يبقى ضروريًّا.
وختامًا، إن القرارات المتخذة الآن قد تُؤثر على تدابير بناء الثقة وغيرها من الفرص لتقليل المخاطر العسكرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي دون قيود. وإذا اختارت القوى المتوسطة المسار الأصعب، فقد تكون هي من يُحدد نتائج ذلك.



