بعد دخول العالم عصر المعلوماتية بصورة مكثفة، وازدياد تدفق المعلومات على جميع الأصعدة عبر “الإعلام الرقمي”، لم يعد هناك قادة إعلاميون أو نخبة متحكمة في مضمون ما يقدم للجمهور كما كانت الحال في ظل الإعلام التقليدي، بل باتت وسائل الإعلام الرقمي متاحة لجميع شرائح المجتمع.
ولا تخفى التأثيرات النفسية سواء كانت إيجابية أو سلبية التي تتركها وسائل الإعلام الرقمي على الجماهير وبصفة خاصة فئة الأطفال، لما يتخلل هذه المرحلة من تغييرات جسدية ونفسية واجتماعية، مما يجعل الطفل عُرضة لأي تأثيرات نفسية نتيجة ما يستخدم من وسائل إعلامية جديدة.
وفي هذا الإطار، نشرت مجلة الإعلام الرقمي والتنمية المستدامة في عددها الصادر في أبريل 2025، دراسة بعنوان “الإعلام الرقمي وتأثيره على الصحة النفسية للأطفال بالمملكة العربية السعودية” من إعداد علي صوعان عبد الله، الباحث الاجتماعي بإدارة المراكز الصحية بالقطاع الجنوبي بجازان، ومعاذ أحمد الحازمي، الباحث الاجتماعي بالهلال الأحمر في جازان، ونستعرضها على النحو التالي:
- عينة الدراسة
تم اختيار عينة البحث من أولياء أمور الأطفال في المملكة العربية السعودية، حيث بلغ حجم العينة 230 ولي أمر سواء من الآباء أو الأمهات، وقد شكّل الآباء 68.3% من العينة مقابل الأمهات 31.7%، وتركزت هذه العينة العمدية على أولياء الأمور الذين لديهم أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 و12 سنة، حيث يعد هذا العمر أكثر تأثرًا بالإعلام الرقمي.
- نتائج الدراسة
أظهرت نتائج الدراسة أن غالبية المشاركين أشاروا إلى أن أطفالهم يستخدمون اليوتيوب بشكل متكرر في الترتيب الأول، ثم التيك توك، ثم الألعاب الإلكترونية في المركز الثالث، وأخيرًا منصات التواصل الاجتماعي، مثل سناب شات وإنستغرام في المركز الرابع.
وكشفت النتائج أن غالبية الأطفال يقضون أكثر من 4 ساعات يوميًّا في استخدام الإعلام الرقمي، يليهم الذين يقضون من ساعتين إلى 4 ساعات، وفي المرتبة الثالثة من يقضون من ساعة إلى ساعتين، وفي المرتبة الأخيرة من يقضون أقل من ساعة في اليوم.
وحول السبب الرئيسي لاستخدام الأطفال للإعلام الرقمي، جاء في الصدارة الترفيه والتسلية، ثم التعلم والاستكشاف، ثم التفاعل مع الأصدقاء، وفي المركز الرابع تقليد الآخرين.
أظهرت النتائج أن معظم المشاركين أكدوا أن تنمية الإبداع والتفكير الإبداعي تصدرت التأثيرات الإيجابية لاستخدام الإعلام الرقمي على الأطفال، ثم تعزيز التواصل الاجتماعي مع الأصدقاء والأهل، ثم تحسين المهارات التعليمية والتحصيل الدراسي في المركز الأخير.
كما كشفت النتائج أن التأثيرات السلبية كانت أكثر وضوحًا بشكل كبير، وتمثل التأثير الأبرز في زيادة خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب، ثم التعرض لمحتوى غير مناسب لعمرهم، ثم قلة النشاط البدني، وأخيرًا زيادة الخمول.
وأظهرت النتائج أن الإعلام الرقمي لم يسهم في زيادة الثقة بالنفس أو التواصل مع الآخرين بالنسبة للأطفال، إذ كانت الإجابة الأكثر شيوعًا هي لا في الترتيب الأول، ثم الذين قالوا أحيانًا، وفي المركز الأخير أكدت أقلية أن الإعلام الرقمي كان له تأثير إيجابي في زيادة الثقة بالنفس والتواصل الاجتماعي.
- توصيات الدراسة
قدمت الدراسة سلسلة من التوصيات أبرزها ما يلي:
- يجب على الأسر أن تكون أكثر وعيًا بتأثير الإعلام الرقمي على صحة أطفالهم النفسية، حيث ينبغي توجيههم نحو مراقبة المحتوى الرقمي الذي يتعرض له أطفالهم، ووضع حدود زمنية لاستخدام الأجهزة الرقمية، مقترحة تنظيم ورش توعية أو محاضرات للأسر لشرح كيفية التوازن بين الفوائد والأضرار المحتملة للإعلام الرقمي
- تطوير برامج تربوية في المدارس والمراكز المجتمعية لتوجيه الأطفال حول كيفية استخدام الإعلام الرقمي بشكل آمن وصحي.
- تبني أدوات الرقابة الأبوية لمراقبة ما يشاهده الأبناء على الإنترنت، حيث توفر العديد من التطبيقات والمزايا التي تساعد الآباء على تحديد المواقع والمحتوى المناسب لأطفالهم، مما يساعد في تقليل تعرضهم للمحتوى العنيف أو المؤذي.
- استخدام الإعلام الرقمي بشكل متوازن، بحيث لا يقتصر على التسلية فقط، فمن المهم تشجيع الأطفال على استخدام المنصات التعليمية والتربوية التي تسهم في تعزيز مهاراتهم وتوسيع آفاقهم، بحيث يمكن تخصيص وقت محدد يوميًّا للاستخدام الترفيهي وآخر للتعلم.
- تفعيل دور الأطباء النفسيين والمستشارين التربويين في المدارس والمؤسسات التعليمية، لتقديم الدعم النفسي للأطفال الذين يعانون من تأثيرات سلبية للإعلام الرقمي، كما يمكن أن يساعد هؤلاء المتخصصون في تقديم استشارات للآباء حول كيفية تحسين العلاقة بين الطفل ووسائل الإعلام.
- تضمين موضوعات حول تأثير الإعلام الرقمي على الصحة النفسية للأطفال ضمن المناهج الدراسية.
- تشجيع الأطفال على المشاركة في الأنشطة البدنية والاجتماعية التي لا تشمل الأجهزة الرقمية، حيث تساعد هذه الأنشطة في تقليل الوقت الذي يقضيه الأطفال في استخدام الإعلام الرقمي، وتسهم في تحسين صحتهم النفسية، بالإضافة إلى تعزيز مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي.
- دعم الأبحاث العلمية المستمرة حول تأثير الإعلام الرقمي على الأطفال، بهدف تطوير أساليب وتقنيات أفضل لفهم هذا التأثير بشكل أعمق، إذ يمكن أن تسهم هذه الدراسات في بناء ممارسات وقوانين تدير استخدام الإعلام الرقمي في البيئة التعليمية بشكل أفضل.
- قيام الجهات الحكومية بوضع قوانين وإجراءات تنظيمية تهدف إلى حماية الأطفال من التأثيرات السلبية للإعلام الرقمي، ويمكن أن تشمل هذه القوانين تحديد العمر المناسب لاستخدام بعض التطبيقات والمحتوى وتنظيم ساعات الاستخدام لضمان عدم التأثير السلبي على الصحة النفسية.



