أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تشكل منصات للتأثير في اتجاهات الرأي العام، وتكوين الصور الذهنية حول الأفراد والمؤسسات، وتعد المنظمات الخيرية من أبرز الفاعلين في هذا السياق، نظرًا لطبيعة رسالتها الإنسانية وأدوارها التنموية، مما يجعل بناء صورتها الذهنية الإيجابية في أذهان الجمهور أمرًا بالغ الأهمية لتعزيز الثقة والمشاركة المجتمعية، وبالتالي أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي، ومن ضمنها منصة إكس، أدوات محورية في يد المنظمات الخيرية لنشر رسائلها وقيمها ومبادراتها، والتواصل التفاعلي مع جمهورها، وفي الوقت نفسه قد تكون هذه الشبكات أداة لخلق توجه سيئ، أو صورة ذهنية سلبية عن هذه المنظمات نتيجة لوجود مشكلات تنظيمية، أو تنفيذية في أعمالها، وأنشطتها المتنوعة.
وفي هذا الإطار، نشرت مجلة البحوث الإعلامية في عددها الصادر في يناير 2026، دراسة بعنوان “دور شبكات التواصل الاجتماعي في بناء الصورة الذهنية عن المنظمات الخيرية السعودية: دراسة مسحية على مستخدمي منصة إكس”، من إعداد نوال مشيبة باحثة دكتوراه بقسم الإعلام بكلية الآداب في جامعة الملك فيصل، والتي نستعرضها على النحو التالي:
- عينة الدراسة
تمثلت عينة الدراسة في 50 من مسؤولي المنظمات الخيرية السعودية متنوعي الخبرة من المستوى المبتدئ والمتوسط والطويلة والواسعة. بالإضافة إلى عينة من 500 من السعوديين والمقيمين من مستخدمي منصة إكس، توزعت كالتالي 287 للذكور مقابل 213 للإناث، وشكلت الفئة العمرية (30 سنة فأكثر) 52.4% من عينة الدراسة يليها الفئة العمرية (20—29 سنة) 28%، وأخيرًا الفئة العمرية أقل من 20 سنة (19.6%).
- نتائج الدراسة
أظهرت نتائج الدراسة أن مسؤولي المنظمات الخيرية يعتقدون أن المتابعة والتفاعل مع محتواهم مرتفعة نسبيا مقارنة بتقييم المستخدمين. هذا الفرق يشير إلى فجوة إدراكية: فالمسؤولون ينظرون للمحتوى من زاوية الجهد المبذول، بينما المستخدمون يحكمون عليه من زاوية الجاذبية والفائدة. وهناك اتفاق بين الطرفين على أن المحتوى الذي يلامس الاهتمامات المباشرة ويقدم بشكل مرئي هو الأكثر جذبًا وهذا مما يؤكد أن المشكلة ليست في المنصة، بل في طبيعة المحتوى المعروض وكلما كان المحتوى أكثر ارتباطا باهتمامات الجمهور وأكثر جاذبية بصريًا، زادت متابعته والتفاعل معه.
وتظهر النتائج أن المسؤولين يرون أن منظماتهم تقدم صورة احترافية وموثوقة جدًا. وهو تقييم مرتفع. بينما يرى المستخدمون أن الصورة إيجابية، ولكن بدرجة أقل ما يشير إلى وجود تحفظ أو نقص في الثقة الكاملة، ويبدو أن المسؤولين يقيسون الصورة الذهنية بناء على النوايا والاجتهاد والرسائل المرسلة، أما المستخدمون فيقيمونها بناء على وضوح المعلومات ومستوى الشفافية، وسرعة التفاعل ومصداقية المحتوى المنشور، وهذا مما يؤكد أن الصورة الذهنية لا تبنى بما ينشر فقط، بل بكيفية استقبال الجمهور له.
بالنسبة للخصائص الاتصالية المؤثرة في الصورة الذهنية، فهناك اتفاق كبير بين المسؤولين والمستخدمين حول أهمية الاستمرارية في النشر والتفاعل السريع والأسلوب الإبداعي، ووضوح الرسائل. وهذا يدل على أن هذه العناصر تمثل أساس بناء صورة ذهنية إيجابية، كما تشير النتائج إلى أن تحسين هذه الخصائص ليس خيارًا، بل هو شرط أساسي لتعزيز ثقة الجمهور.
أشارت النتائج إلى أن أفراد عينتي الدراسة أجمعوا على أن أبرز التحديات تتمثل في غياب خطة اتصالية واضحة وضعف الشفافية، وضعف المحتوى، ومحدودية الموارد. وهذا يعني أن المشكلة هيكلية وتنظيمية أكثر من كونها تقنية، وأن استمرار هذه التحديات ينعكس مباشرة، وبشكل سلبي على الصورة الذهنية، مهما كانت نوايا المنظمات إيجابية.
- توصيات الدراسة
قدمت الدراسة سلسلة من التوصيات تمثلت في التالي:
- تعزيز متابعة المحتوى وبناء الصورة الذهنية الإيجابية
- تنويع المحتوى الرقمي: باستخدام الوسائط المتعددة وصور فيديوهات قصص تفاعلية لزيادة اهتمام المستخدمين وجذبهم لمتابعة الحسابات.
- التركيز على المحتوى المرئي: المحتوى المرئي يرتبط ارتباطًا إيجابيًا قويًا بالصورة الذهنية، لذا يجب إنتاج محتوى جذاب بصريًا ومؤثر .
- الاستمرارية في النشر : النشر المنتظم يحافظ على حضور المنظمة، ويزيد من تعزيز الصورة الذهنية الإيجابية لدى المتابعين.
- تعزيز الخصائص الاتصالية للمنظمة
- وضوح الرسائل الاتصالية صياغة رسائل واضحة وموجزة تعكس أهداف المنظمة وأعمالها بطريقة سهلة الفهم.
- التفاعل السريع مع الجمهور: بالرد على استفسارات وتعليقات المستخدمين بشكل مستمر يعزز الثقة والمصداقية.
- الأسلوب الإبداعي في العرض: باستخدام تصميمات مبتكرة وسرد قصصي يعزز جاذبية المحتوى ويقوي الصورة الذهنية.
- مواجهة التحديات وتعزيز الثقة
- وضع خطة اتصالية واضحة من خلال خطة استراتيجية متكاملة لإدارة المحتوى على منصة لا تضمن تواصلا فعالا مع الجمهور.
- زيادة الشفافية: نشر تقارير الإنجازات والمشاريع بانتظام يعزز مصداقية المنظمة.
- تطوير المحتوى وجودته: بتحسين مستوى المحتوى المنشور على المنصة لتجنب ضعف الصورة الذهنية الناتج عن محتوى ضعيف.
- استثمار الموارد البشرية والتقنية: توفير كوادر مدربة وأدوات تقنية لإدارة الحسابات بكفاءة عالية.
- تعزيز الحضور الرقمي المؤثر
- إعداد خطط تسويقية مخصصة وضع استراتيجيات رقمية محددة لكل منصة تركز على بناء صورة ذهنية إيجابية وتعزيز التفاعل.
- تدريب الكوادر على إدارة المنصات الرقمية وتطوير مهارات الموظفين في استخدام
- المنصات الرقمية لبناء تفاعل فعال، وصورة ذهنية إيجابية.
- المتابعة المستمرة لردود الفعل ومراقبة ردود الفعل، وتحليلها لتحسين المحتوى، وتلبية توقعات المتابعين.
- التعاون مع المؤثرين الرقميين التعاون مع شخصيات مؤثرة لزيادة الوصول إلى الجمهور، وتعزيز مصداقية المنظمة.
- متابعة الأداء وتقييمه:
- استخدام مؤشرات قياس الأداء الرقمية بقياس مدى التفاعل وانتشار المحتوى وتحسن الصورة الذهنية بشكل دوري لضمان فاعلية الاستراتيجيات.
- إجراء استبيانات دورية لتقييم تصور المستخدمين للصورة الذهنية للمنظمة بشكل دوري لمعرفة نقاط القوة والضعف، وتحسين الأداء.
وختامًا، تشير نتائج الدراسة إلى أن عامل الثقة يعد عنصرًا جوهريًا في القطاع الخيري، إلا أنه في هذه الدراسة تم التعامل معه كجزء من الصورة الذهنية للمشاركين دون أن يدرس كمتغير مستقل لذلك توصي الدراسة بالاهتمام بمعالجة الثقة كمتغير مستقل في الأبحاث المستقبلية بحيث يمكن قياسه مباشرة بهدف دراسة تأثيره على سلوك المتبرعين في مستوى الانخراط في الأنشطة الخيرية واتجاهات المسؤولين داخل المنظمات، كما ينصح بتطوير مؤشرات دقيقة لقياس الثقة بشكل منفصل عن الصورة الذهنية لتعزيز دقة التحليل، وفهم العلاقة بين الثقة، والمتغيرات الأخرى في القطاع.



