بعد مرور أقل من 24 ساعة على إعلان إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، عادت طهران لتغلقه مجددًا لحين رفع الولايات المتحدة الحصار الذي فرضته على موانئها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أفادت تقارير بأن الحرس الثوري الإيراني أطلق النار على ناقلة نفط هندية أثناء محاولتها عبور الممر الملاحي الحيوي، فيما رد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ذلك بتأكيده أن إيران لا يمكنها ابتزاز واشنطن، وتأتي تلك التطورات وسط حديث الوسيط الباكستاني عن جولة محادثات أمريكية إيرانية ثانية وتأكيد ترامب أن الإيرانيين أمام خيارين إما اتفاق بحلول الأربعاء المقبل- أي بعد انتهاء مدة وقف إطلاق النار المؤقت- أو استئناف الحرب.
وقبل تراجع إيران، عبرت ثماني ناقلات نفط وغاز على الأقل المضيق خلال الفترة القصيرة التي فُتح فيها، وفقًا لبيانات تتبع الملاحة البحرية. ويمر عبر هذا المضيق الحيوي نحو 20% من إجمالي النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، وتثير تلك الخطوات تذبذبا في أسعار النفط وزيادة تقلبات أسواق الطاقة والشحن والأسهم المرتبطة بها.
وفي هذا الإطار، نشرت مجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأمريكية مقالًا للورانس هاس الزميل البارز في مجلس السياسة الخارجية الأمريكية، حول التحديات المرتبطة بالوضع في مضيق هرمز، نستعرض أبرز ما جاء فيه على النحو التالي:
- تحديان أمام واشنطن
مع فرض واشنطن حصارها على مضيق هرمز، تواجه تحديين رئيسيين: الحفاظ على هذا الحصار في ظل الضغوط الداخلية والعالمية، وإقناع طهران بأنها -رغم تذبذب تحركات الولايات المتحدة في الحرب حتى الآن- تمتلك الإرادة القوية للقيام بذلك.
ولا شك أن الولايات المتحدة تمتلك الموارد العسكرية الكافية لإلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد الإيراني، الذي كان يعاني من التدهور قبل بدء الحرب في أواخر فبراير الماضي، والذي لا يزال مستمرًا في التراجع. ولذلك فإن السؤال المطروح هو ما إذا كانت واشنطن قادرة على تحمّل التداعيات السلبية داخليًا وخارجيًا.
ففي الداخل، يتزايد استياء الأمريكيين من الوضع الاقتصادي والحرب على إيران، وتتراجع شعبية الرئيس ترامب، وقد يفقد الجمهوريون أغلبيتهم في الكونجرس خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة. ومن المرجح أن يؤدي استمرار الحصار وارتفاع أسعار الغاز الناتج عنه إلى زيادة الضغط السياسي على ترامب لإنهاء الصراع قبل أن تحقق واشنطن أهدافها.
أما على الصعيد الخارجي، فإن ترامب على خلاف بشأن الحرب ليس فقط مع الحلفاء، بل أيضًا مع شخصيات نافذة مثل بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، مما يُعرضه لخطر فقدان دعم “الناخبين الكاثوليك المترددين”.
- وضع إيراني هش
وبالنسبة لإيران، فمن الواضح أنها في وضع هش. فقبل الحرب، ونتيجة لعقود من سوء الإدارة الاقتصادية والعقوبات الدولية، كان التضخم في إيران يقترب من 70%، بينما فقد الريال الإيراني 80% من قيمته خلال العقد الماضي. والآن، من خلال منع جميع السفن من دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها، يُمكن للحصار الأمريكي أن يحرم النظام الإيراني من تصدير النفط أو استيراد البنزين، ويحرمه من الأموال اللازمة لتمويل وكلائه الإرهابيين، ويمنع الصين وروسيا من تزويده بالصواريخ.
وبما أن أكثر من 90% من تجارتها تمر عبر الخليج العربي، فإن هذا الحصار الخانق على الصادرات والواردات قد يُكلف طهران ما يُقدر بنحو 435 مليون دولار يوميًا، أو 13 مليار دولار شهريًا، كـ”خسائر اقتصادية”.
لكن هل ستصمد واشنطن؟ قد تكون طهران متشككة، بالنظر إلى نصف قرن من العلاقات الأمريكية الإيرانية، وتغير الأهداف الأمريكية خلال الحرب، والإشارات المبكرة من البيت الأبيض حول طبيعة الحصار.
- النووي الإيراني على طاولة المفاوضات
مرة أخرى، تجلس واشنطن وطهران على طاولة المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما كانت الحال في عهد الرؤساء الأمريكيين جورج بوش الابن، وباراك أوباما، وجو بايدن. قد يعزز ذلك آمال إيران في أن تتمكن، مرة أخرى، من إطالة أمد المفاوضات، والتوصل إلى اتفاق يُبقي على بنيتها التحتية النووية قائمة، لا سيما مع مواجهة ترامب لجميع الضغوط الداخلية والدولية السابق ذكرها.
وفي حين أن تعنت إيران في المحادثات الأخيرة في إسلام آباد أقنع واشنطن بفرض الحصار، قال ترامب إن المحادثات ستُستأنف على الأرجح في الأيام المقبلة، ويستعد الجانبان لجولة ثانية. ويبدو من الواضح أن طهران تعرف ما تريد – الحفاظ على برنامجها النووي بأي شكل من الأشكال – لكن الأمر قد لا يكون كذلك بالنسبة لواشنطن، حيث طالب الرئيس ترامب إيران بالتخلي عن برنامجها النووي بالكامل و”الالتزام بعدم السعي أبدًا لامتلاك أسلحة نووية”.
لكن في إسلام آباد، كان الجانبان الأمريكي والإيراني يتفاوضان حول مدة “تعليق” الأنشطة النووية لفترة زمنية محددة. والآن، تراجع ترامب عن العرض الأمريكي وأعاد التأكيد على مطلبه السابق بوقف التخصيب نهائيا وتسليم اليورانيوم المخصب الذي بحوزتها.
أما بالنسبة للحصار، فقد يكون لدى طهران ما يدعو للتساؤل حول قدرة أمريكا على الصمود والصعوبات العملية في تسيير دوريات في البحار. وتشير التقارير إلى أن القوات البحرية الأمريكية تُنفذ الحصار ليس في مضيق هرمز، بل في خليج عُمان وبحر العرب، الأمر الذي “يُقلل من خطر الهجمات الإيرانية على البحرية الأمريكية”.
وأكدت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” عبر حسابها على منصة إكس أنه خلال الساعات الـ 48 الأولى من الحصار الأمريكي على السفن الداخلة والخارجة من الموانئ الإيرانية، لم تنجح أي سفينة في تجاوز القوات الأمريكية، لكن التقارير تُشير إلى أن بعض السفن المرتبطة بإيران، بما في ذلك ناقلة نفط صينية خاضعة للعقوبات الأمريكية، عبرت المضيق رغم الحصار.
ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت واشنطن ستخاطر بمواجهة عسكرية مع بكين، خاصة مع استعداد ترامب للقاء نظيره الصيني شي جين بينغ الشهر المقبل.
علاوة على ذلك، قد يُمثل الحفاظ على الحصار تحديًا حتى في غياب خطر المواجهة. ولتجنب رصدها، بدأت السفن بالاختفاء أو تزوير منشئها أو وجهتها، كما فعلت روسيا بنجاح كبير مع “أسطولها الخفي” عقب الحرب على أوكرانيا عام 2022 وفرض العقوبات الغربية.
وختامًا، يمكن القول إن الحصار الأمريكي الفعال على المدى الطويل سيُلحق ضررًا بالغًا إن لم يُدمر الاقتصاد الإيراني المُتأزم، لكن الحصار سيُكبد الولايات المتحدة تكاليف باهظة أيضًا.



