تقارير

السلام الإبراهيمي.. سردية إسرائيلية لإعادة تشكيل المنطقة

تُعد المصطلحات التي يصكها السياسيون وتروج لها وسائل الإعلام أداة من الأدوات المهمة في التأثير في عملية تشكيل الوعي العام وفي توجيه الرأي العام، وكذلك في عمليات الدعاية والدعاية المضادة، التي يسعى من خلالها البعض لاختراقات في الثقافة والفكر والذاكرة التاريخية للمجتمع.

 

وهذا تمام ما نشهده في منطقة الشرق الأوسط عبر تلاعب أطراف دولية وإقليمية ومحطات إخبارية عبر الترويج لمصطلح “السلام الإبراهيمي” عند الحديث عن عقد اتفاقيات للسلام بين الدول العربية وإسرائيل، وقد مر تأطير هذا الهدف بسلسلة من المصطلحات، فبعدما كان الحديث عن “اتفاقية للسلام” تطور وأصبح يُشار إليه بـ”التطبيع” وأخيرًا مسار السلام الإبراهيمي، في عملية تعكس نمطًا جديدًا من إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وانتقالًا خطيرًا من معالجة “الوقائع السياسية” إلى محاولة إعادة تشكيل البنية الثقافية والتاريخية للمنطقة.

 

  • فشل التطبيع الشعبي

 

على الرغم من أن إسرائيل وقّعت اتفاقتي سلام مع مصر في 26  مارس 1979، ومع الأردن في 26  أكتوبر 1994، فإن العلاقات اقتصرت على جوانب رسمية فقط عبر تمثيل دبلوماسي متبادل، واتفاقيات تجارية برعاية أمريكية وتنسيق أمني، لكن النطاق الشعبي لم يطرأ عليه أي تغيير، فظل هناك جدار يزداد يومياً صلابة مع ممارسات الاحتلال الإجرامية وعدوانه المتكرر على الدول العربية.

 

ولهذا جاءت فكرة “السلام الإبراهيمي” كإطار جديد يهدف بالأساس إلى محاولة دمج إسرائيل في النسيج التاريخي والثقافي لمنطقة الشرق الأوسط من منظور عقائدي ديني، وهي عملية تهدف لصناعة أصل تاريخي لإسرائيل، وهي تحرك يسعى إلى غرس سردية جديدة مبنية على رواية توراتية تهدف إلى نسف الحق العربي، وتشويه الذاكرة التاريخية لخدمة أهداف الصهيونية، في سبيل ذلك سيشهد المستقبل القريب محاولات حثيثة لإعادة كتابة تاريخ المنطقة، من أجل “أنسنة” الإسرائيلي، و”عبرنة” تاريخ الشرق الأوسط، وإحلال مفاهيم لغسل الأدمغة ومحو الثوابت التاريخية والجغرافية عبر الترويج لسردية أن المنطقة هي “مساحة إبراهيمية مشتركة” وليست “أرضاً عربية إسلامية”، وتمييع المواقف والطعن في الثوابت، وتشويه الرموز التاريخية.

 

ولا يقتصر مخطط “السلام الإبراهيمي” على الجوانب الفكرية، بل يتخذ طابعًا عمليًّا بترسيخ وجود إسرائيل كنظام تشغيل في المنطقة، بأن تكون مركزًا تكنولوجيًّا وأمنيًّا ولوجستيًّا من خلال مشروع  الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا، الذي سيربط بين إسرائيل والمنطقة العربية ببنية تحتية وأمنية بالطبع، وبالتالي يصبح بقاء إسرائيل مصلحة وظيفية، وليست مجرد أمر واقع مفروض بالقوة.

 

  • المناعة الثقافية في مواجهة المخطط

 

تبقى المناعة الثقافية، وعدم وجود حاضنة شعبية لتلك الأفكار الداعمة للسردية الإسرائيلية بمثابة الصخرة التي تتحطم عليها كل تلك الجهود والمخططات والأفكار التي تحشد إسرائيل وأطراف إقليمية لها أدوات متعددة عبر إطلاق مبادرات تحت عناوين برّاقة حول التسامح والتعايش، تختزل الصراع المرتبط بالاحتلال والاستيطان الإسرائيلي في قشور بترويجها للتعايش دون الالتفات إلى جوهر الصراع، وهو احتلال غير شرعي للأراضي العربية في فلسطين ولبنان وسوريا.

 

ولذلك، فإن محاولة فرض “السلام الإبراهيمي” قسرًا على الوجدان الشعبي ستؤدي إلى نتيجة عكسية، فالشعوب لا تغير عقائدها بقرارات سياسية، وهو ما تؤكده تجارب اتفاقية السلام التي مر عليها عقود.

 

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول بأننا لسنا أمام “عملية سلام” حقيقة قائمة على أساس راسخ “مبدأ الأرض مقابل السلام”، ولكنها عملية لاستبدال ذاكرة المجتمعات العربية، لا تهدف فقط لتجميل الوجه القبيل للاحتلال، بل أيضًا صناعة خلفية تاريخية تنهي غربته عن المنطقة، وتصوره كمكون أصيل في مسيرة تطورها الإنساني والحضاري منذ فجر التاريخ.

 

ويبقى نجاح هذا المشروع الخبيث مرهوناً بقدرة هذه الهندسة على الصمود أمام لفظ الشعوب له من منطلقات عقائدية وتاريخية وثقافية وواقعية، حيث استمرار إسرائيل وحكومتها اليمينية المتطرفة في ارتكاب المجازر، وتنشيط آلة العدوان ضد الدول العربية، وتوغلها العسكري في الأراضي العربية عبر سياسات الاستيطان والضم المخالفة للشرعية الدولية.

 

ولعل دروس التاريخ تخبرنا بأن الغزاة قد ينجحون في احتلال الأرض، لكنهم يفشلون دائمًا في احتلال “الذاكرة” ما دامت الشعوب تصون هويتها وتحفظ تاريخها.

 

وأخيرًا، إن “مخطط السلام الإبراهيمي” ما هو إلا أحدث حلقة في حلقات الصراع التي تستلزم حشد كل جهد من أجل التصدي الفكري لهذه المحاولات التي تعبث بالهوية والتاريخ من أجل فرض واقع جديد على المنطقة تكون فيه إسرائيل جزءاً أصيلاً مسيطراً عبر شبكة من المصالح والنفوذ المادي وغير المادي.

زر الذهاب إلى الأعلى