دور الجمهور في معادلة الإعلام الجديد

دور الجمهور في معادلة الإعلام الجديد

مركز القرار

  • دور الجمهور في معادلة الإعلام الجديد

فرض التطور التكنولوجي واندماج مواقع التواصل الاجتماعي مع منظومة العمل الإعلامي التقليدي إيقاعًا جديدًا يتجاوز التقسيمات التقليدية لأدوار أطراف العملية الاتصالية، لا سيما فيما يتعلق بجمهور وسائل الإعلام وتحوله من مجرد المتلقي للرسالة الاتصالية إلى فاعل رئيسي في إنتاج المادة الإعلامية، فظهرت أنماط جديدة للممارسة الإعلامية يلعب فيها الجمهور دورًا محوريًّا في بث كم هائل من الرسائل الإعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لدرجة قد تساوى فيها الجمهور أو مستخدمو تلك المنصات في الأهمية مع القائم بالاتصال، وصار يقوم بنفس أدواره ما أدى إلى بروز مصطلح جديد هو الصحفي المواطن.
تطور مفهوم الجمهور وظهور صحافة المواطن
واستعرضت دراسة نشرتها مجلة الرسالة للدراسات الإعلامية مراحل تطور مفهوم الجمهور عبر العصور من خلال ثلاث مراحل رئيسية لكل منها مميزاتها ومفاهيمها، إذ كانت المرحلة الأولى مع ظهور الصحافة كشكل مستحدث أعقب ثورة الطباعة في العصور الوسطى، وكان التلقي آنذاك يتم بشكل سلبي أي أن الجمهور يتأثر مباشرة مع ما تعرضه الصحافة كحقيقة مطلقة كون أقلامها نخبوية والغرض منها أساسًا دفع المتلقي للتأثر مع المضامين المختلفة، ولم يخرج جمهورها عن دائرة المثقفين بالدرجة الأولى.
أما المرحلة الثانية كانت مع ظهور وسائل الإعلام الجماهيرية حيث الإذاعة والتلفزيون، وفيها أخذ الجمهور أبعادًا مختلفة وتحول من مجرد حلقة من حلقات الاتصال إلى محور دراسات التأثير غير المباشر لوسائل الإعلام، وبرز شكلان مستجدان من أشكال الجمهور هما المستمعون والمشاهدون، إذ لم يعد المستوى العلمي أو الثقافي محددًا لإمكانية التعرض لوسيلة إعلامية دون أخرى، فالتعرض للإذاعة والتلفزيون متاح حتى للأميين، وبالتالي ألغيت كل الحواجز بين الجمهور المتلقي والوسيلة الإعلامية، إلا أن القائم بالاتصال ظل هو المحرك الرئيسي للعملية الاتصالية، حتى وإن كان للجمهور في هذه الفترة دور في نقد المضمون الإعلامي من خلال عملية قياس الرأي العام وسبر الآراء تجاه مختلف المضامين التي كانت تتم على نطاق محدد وتستهدف جمهورًا معينًا.
وفيما يتعلق بالمرحلة الثالثة فقد أسهم دخول الوسائل الإلكترونية وثورة المعلومات في تحولات جذرية لمفاهيم وخصائص جمهور وسائل الإعلام، إذ برز ما يعرف بجمهور وسائط الإعلام الجديدة التي أوجدتها تكنولوجيا الاتصال والإعلام المستحدثة،وأضحى للجمهور العديد من المفاهيم الجديدة ومنها:
• الجمهور الشامل: يقصد به جمهور مختلف وسائل الإعلام التقليدية والحديثة دون تجديد للوسيلة التي يتابعها دون الأخرى، أو بالأحرى جمهور الرسائل الإعلامية الشاملة.
• جمهور الإنترنت: وهم مختلف مستخدمي الإنترنت ككل دون تحديد للمواقع التي يستخدمونها، ولا التطبيقات التي يختارونها ولا حتى الخدمة التي تقدم لهم.
• مستخدمو الإنترنت: وهم كل الأشخاص الذين يتعاملون مع الإنترنت بصرف النظر عن موقعهم في العملية الاتصالية سواء كانوا مرسلين أو متلقين، وهو أهم مؤشر لاختفاء الحدود بينهما وتبادل الأدوار بفعل الاتصال.
وخلال هذه المرحلة أخذ الجمهور يحظى بأهمية كبيرة لاسيما بعدما فتحت له الشبكات الاجتماعية فضاءات تفاعلية واسعة مع مختلف وسائل الإعلام من جهة،وأتاحت له المساهمة في صناعة المضامين المختلفة حتى أنه أصبح مصدرًا للمعلومات، وتحول مما يُعرف بالمتلقي السلبي إلى فاعل إيجابي، وهكذا فإن أهم إفرازات هذه المرحلة هو بروز صحافة المواطن.
صحافة المواطن وتغير دور الجمهور
تعتبر ظاهرة صحافة المواطن أهم الإفرازات التي اكتسحت العمل الإعلامي في الوقت الراهن بفضل تكنولوجيا التشبيك الاجتماعي التي فتحت مجالات لا متناهية لجمهور المتلقين كي يرتقوا بأدوارهم إلى مستويات مهمة في سلسلة العمل الإعلامي.
وقد برز مفهوم صحافة المواطن في إطار الإعلام الجديد، ويشير إلى المضمون والمادة الإعلامية التي يصيغها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في كل مضمون إعلامي يوازي ذلك الذي تنقله الروافد الإعلامية التقليدية؛ أي هو الشكل الصحفي الموازي لما تنتجه وسائل الإعلام ولكن بخصائص مميزة له.
أما عن عوامل تحول المتلقي إلى مرسل فتتمثل فيما يلي:
• التطور التقني وثورة المعلومات: لعب التطور التكنولوجي دورًا فاعلًا في تغير دور المتلقي التقليدي، ففي وقت سابق كان رهينة وسائل الإعلام التقليدية كالتلفزيون والراديو والصحافة المكتوبة، إذ يستقي منها كل أخباره حتى إن تفاعله مع ما يعرض لا يخرج من دائرة محددة تخصصها الوسائل الإعلامية لجمهورها، وعادة ما تتحكم في نوعية التفاعل وما يطرحه الجمهور من آراء، إلا أن الطفرة التكنولوجية في مجال الإنترنت وما حمله من خدمات للمستخدمين جعلهم يستفيدون من هذه الخصائص لكسر هذا الاحتكار.
وقد أسهمت تكنولوجيا الهواتف الذكية في دفع أكثر لظاهرة التدوين والتشبيك الاجتماعي باعتبار المستخدم صار يستغل هاتفه الشخصي كوسيلة تقنية عالية الجودة لتصوير مختلف الأحداث ونشرها في نفس الوقت.
• ثورة الإعلام الجديد: أسهمت ثورة المعلومات والجيل الثاني من الإنترنت في بروز الإعلام الجديد،وهو الرافد الذي خلق ثورة حقيقية في كيفية تعامل الجمهور التقليدي مع مضمون وسائل الإعلام، وأسهم من خلال ما يوفره للمستخدمين من خدمات وتطبيقات في رفع درجة أهمية الأخير إلى تلك التي لطالما تميز بها المرسل أو القائم بالاتصال في منظومة العمل الإعلامي التقليدية.
• علاقة التكامل بين العمل الإعلامي التقليدي والإعلام الجديد: إن العديد من وسائل الإعلام التقليدي مازالت تمتلك القدرة والشهرة والخبرة، إلا أنها أخذت تعيد تكوين نفسها، وتعيد بناء ذاتها لتندمج في سرب الإعلام الجديد، وتكون جزءًا منه، عبر خلق مواقع إلكترونية تابعة لها، واستخدام وسائط الإعلام الجديدة التي تسهل عملية التواصل مع الجمهور لمعرفة اتجاهاته واستقصاء مواقفه واهتمامته من جهة، وكذا الاستفادة من المواد التي يتم عرضها من قبل مستخدمي هذه الصفحات واستغلالها كمادة أولية صارت تثري مضامينها المختلفة، وهو ما أسهم في تحول كبير في أدوار المتلقي من كونه سلبيًّا في منظومة العمل الإعلامي التقليدية ليتحول إلى المتلقي الإيجابي.
• تغير طبيعة التفاعل بين المرسل والمتلقي إذ لم تعد عملية الاتصال تسير في اتجاه واحد بل تجري عبر المشاركة في صياغة الرسالة، فالمتلقي تحول إلى مرسل وصانع للنص عبر التحكم عن بُعد في اختيار الرسالة ونشرها.

التحولات الوظيفية للمضمون الإعلامي ضمن شبكات التواصل الاجتماعي
لم تعد الرسالة الإعلامية مجرد وصف اعتيادي لحدث معين يحظى بالاهتمام، بمميزات لطالما ميزتها على مدار عقود من العمل الإعلامي، بل أصبحت صناعة مميزة لها سماتها الخاصة، هذه المضامين الإعلامية دخلت وتفاعلت معها عوامل عدة أسهمت في تطور أساليبها، وطرق إيصالها للجمهور، واستفادت من التطور الذي عرفته تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وتكيفت في كل فترة مع مميزات وخصائص جديدة.
وتمثل الشبكات الاجتماعية فضاءً اجتماعيًّا يشترك فيه المستخدمون لإنتاج مضامين ورسائل مختلفة حول مواضيع عديدة، ويمكن النظر إليها على أنها نموذج تواصلي جديد يقوم على التفاعل مع المضامين المختلفة من قبل الجمهور، وهو لا يتعلق بعملية مركزية، ولكن يتفاعل داخل منظومة إعلامية جديدة يساهم خلالها كل عنصر من عناصر العملية الاتصالية مرسلاً كان أو مستقبلاً في اكتشافها بطريقته وتغييرها أو الحفاظ عليها كما هي. ولقد أحدث الإنترنت بوصفه العنصر التفاعلي في العملية الاتصالية الحديثة تغييرات في بنية الرسالة أو المضمون الإعلامي، الأمر الذي أثر بشكل عام في خريطة العمل الإعلامي الحديث، وأفسح المجال لقيام تعددية إعلامية افتراضية أثرت بشكل مباشر على البناءات الوظيفية التقليدية للرسالة الإعلامية.
كما أسهمت تكنولوجيا الإعلام والاتصال وبخاصة الإنترنت في تطوير بنية الرسالة الإعلامية، كونها أصبحت غير مركزية، وتسهل للمستخدمين والجمهور إنتاج خطابات، ومشاركة بعضهم البعض في الاتصال العمومي.
وتأسيسًا على ما سبق، خلصت الدراسة إلى أن السنوات الأخيرة مست العديد من التغيرات والتحولات في صلب الرسالة الإعلامية، سواء في عملية جمع وتحرير الأخبار ونشرها، أو كيفية إدارة هذه المضامين، أو في طبيعة الأطراف المشاركة في العملية الاتصالية، وقد انعكست هذه التغيرات على علاقة الصحفي كمنتج للرسالة والخبر بالجمهور كمستخدم؛ فلم يعد الصحفي فقط هو منتج الرسالة والخبر، ولم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًّا، بل أصبح مشاركًا فاعلًا في إنتاج الرسالة الإعلامية، وهو ما استتبع معه بروز تحولات كثيرة ذات صلة بهوية ورسالة الصحافة وأدوارها وممارساتها.