التكنولوجيا الرقمية ومستقبل الصحافة

التكنولوجيا الرقمية ومستقبل الصحافة

مركز القرار

  • التكنولوجيا الرقمية ومستقبل الصحافة

يمر العالم الآن بثورة في مجال الاتصال والتكنولوجيا أحدثت تغييرات في عادات المستهلك للمحتوى الإعلامي، وكذلك الطريقة التي تمارس بها المؤسسات الإعلامية للصحافة، فبينما كان الأمر يستغرق وقتًا طويلًا في الماضي حتى يتم اعتماد تقنية جديدة، تسارعت وتيرة التغيير في ظل الثورة الرقمية، حيث يتم تكييف كل من التقنيات الجديدة والقديمة لاستخدامات متعددة.
ويرى العديد من المراقبين والخبراء في مجال الإعلام والتكنولوجيا أن الكود الثنائي الذي شجع الثورة الرقمية – شفرة تكتب المعلومات في مسلسلة رقمية تتكون من رمزين- من شأنه أن يعيد تشكيل المشهد الإعلامي في القرن الحادي والعشرين.
تطوير القوالب الصحفية بفعل الثورة الرقمية
ويشير “مركز الابتكار والاستدامة التابع لجامعة الأمم المتحدة” إلى أن الثورة الرقمية تطرح تحديات صحفية، تتضمن كيفية تشكيل المحتوى لجذب انتباه جمهور الأخبار، وكيفية توقع التقنيات التي يجب الاستثمار فيها.
ويوضح لويس دي فوركين، الذي صاغ الإصدار الناجح عبر الإنترنت لمجلة “فوربس” الأمريكية، إلى أنه من أجل البقاء يتعين على المحررين والمراسلين إعادة اختراع عملهم، وإعادة تصور دورهم في جمع الأخبار ونشرها، فالصحافة ستحتاج إلى التطور لتلبية احتياجات المنصات والأجهزة التي يستخدمها المستهلكون للحصول على أخبارهم، فعلى سبيل المثال صممت الصحف على مدى العشرين عامًا الماضية مقالاتها لتظهر على شاشات الكمبيوتر المحمول، لكن اليوم يتم استهلاك 50% من المحتوى على الهاتف المحمول، ويتطلب ذلك تطوير شكل قالب المقال التقليدي إلى نوع مختلف من التنسيق، فكل قصة ينتجها الصحفي اليوم يجب أن يكون هناك ثلاثة أو أربعة أو خمسة أشكال افتراضية، ويجب استخدام الشكل الأفضل للقصة، ويغير هذا مفهوم إنشاء المحتوى وإنتاجه والمنصات التي تستخدمها الصحف للنشر.
ويختلف العلماء والمحللون والمعلقون حول ما إذا كانت التكنولوجيا ستستمر في تطورها السريع أو ما إذا كان النمو سيتباطأ، إذ يعتقد بعض الاقتصاديين الأكاديميين أننا قمنا بدمج جميع التطورات التكنولوجية “السهلة”، وأن الاختراقات الجديدة ستكون أكثر صعوبة.
وبغض النظر عن سرعة التغيير، ستستمر جميع أنواع الوسائط الإخبارية – بما في ذلك المطبوعة والمذاعة والرقمية- في مواجهة فرص وتحديات جديدة أثناء محاولتها التكيف مع التقنيات الناشئة التي تشمل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والواقع الافتراضي والمُعزز والطباعة ثلاثية الأبعاد والبلوك تشين، وهو ما نستعرضه على النحو التالي:
“الذكاء الاصطناعي والروبوتات-Artificial Intelligence and Robotics “:
وفقًا لتقرير صدر مؤخرًا عن “المنتدى الاقتصادي العالمي- World Economic Forum”، تستخدم بعض المؤسسات الإخبارية بما في ذلك وكالة “أسوشيتد برس” وصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكيتان، الذكاء الاصطناعي لتحديد البيانات الخاصة بالمقالات المعقدة حول المعاملات المالية، بينما تقوم مؤسسات أخرى بتجربة استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقالات تجارية ورياضية بسيطة من البيانات الواردة في تقارير أرباح الشركات أو إحصاءات الألعاب.
كما يعمل الذكاء الاصطناعي أيضًا على تشغيل الروبوتات، مثل الطائرات من دون طيار، التي تستخدمها العديد من وسائل الإعلام للحصول على صور من مواقع يصعب الوصول إليها على الأرض، ويمكن كذلك دمج الروبوتات والذكاء الاصطناعي في عمليات التصنيع والتوزيع الخاصة بالمؤسسات الإخبارية لزيادة كفاءة نشر المقالات الإخبارية.
ووفقًا لتقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، قد تصبح القصص الأكثر تداولا على موقع صحيفة “نيويورك تايمز” بحلول عام 2049 مصنوعة بواسطة الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك لا تزال هناك تحديات يجب التغلب عليها بشأن الاستخدام الواسع النطاق للخوارزميات والروبوتات في المؤسسات الإعلامية، ومن بين هذه التحديات الافتقار إلى نوع “البيانات الغنية” التي تسمح للآلات بتحديد الأنماط واستخلاص استنتاجات دقيقة، والقدرة على التحقق من موثوقية الاستنتاجات التي تولدها الآلة والاستثمار المالي مقدمًا، فقد تحد كل هذه التحديات من التبني الواسع للذكاء الاصطناعي والروبوتات في المؤسسات الإخبارية الأصغر.
وعلى الرغم من ذلك، توقع تود لوفبورو، مدرس الذكاء الاصطناعي السابق في جامعة “هارفارد” الأمريكية أن العالم حاليًا في بداية 20 عامًا من “اتجاه ضخم-megatrend”، إذ سيقوم الناشرون والمسوقون بزيادة استخدام الذكاء الاصطناعي للتعرف على تفضيلات المستهلكين الفردية.
“الواقع الافتراضي- Virtual Reality”:
يستخدم الواقع الافتراضي على نطاق واسع في الفن والموسيقى والأفلام وألعاب الفيديو وكذلك الإعلانات، وقامت مؤسسات إخبارية كبيرة مثل صحيفة نيويورك تايمز بدمج الواقع الافتراضي في التدفقات الإخبارية اليومية، وأنتجت أكثر من عشرين فيلمًا وثائقيًّا تم تحسينها باستخدام تقنية الواقع الافتراضي، وقدمت سلسلة تسمى “Daily 360″، التي تنتج مقاطع فيديو من أماكن حول العالم بما في ذلك مناطق القتال.
ويعد الواقع الافتراضي رائعًا لخلق إحساس بالمكان، فغالبًا ما يتم استخدامه للقصص التي يكون فيها المكان مهمًّا للقصة، حيث يمكن للواقع الافتراضي أن ينقل الجمهور إلى أماكن لا يمكنهم الذهاب إليها، كما هو الحال في “سلسلة أنتاركتيكا”، التي تأخذ الأشخاص إلى ما فوق جليد القارة القطبية الجنوبية.
وعلى نفس المنوال، فإن الواقع المعزز وهو عبارة عن مجموعة من التقنيات التي تقوم بتركيب البيانات والصور الرقمية على العالم المادي، ويتم استخدامه أيضًا جنبًا إلى جنب مع الواقع الافتراضي في المؤسسات الإخبارية الكبيرة، وتعتبر التكلفة عائقًا رئيسيًّا أمام اعتماد هاتين التقنيتين على نطاق أوسع في منافذ الأخبار الأصغر.
“الطباعة ثلاثية الأبعاد-3-D Printing”
بينما تم استخدام التكنولوجيا ثلاثية الأبعاد لإنشاء كل شيء من الأطراف الاصطناعية إلى المساكن غير المكلفة، بدأت المنافذ الإعلامية فقط في دمجها في كل من الإنتاج والتسويق، حيث تتبنى شركات الترفيه والمنافذ الإعلامية الكبيرة الطباعة ثلاثية الأبعاد كطريقة سريعة وأقل تكلفة لإنشاء الدعائم الخيالية والدقيقة تاريخيًّا في الأفلام والمحتوى المرئي.
“البلوك تشين- Blockchain”
ربما يكون التقنية الأقل فهمًا واستغلالًا من قبل المنافذ الإعلامية من بين جميع التقنيات الجديدة والناشئة، فأغلب الأشخاص يعرفون البلوك تشين على أنه تكنولوجيا تتيح تداول العملات المشفرة، مثل البيتكوين على الإنترنت.
ولما كان البلوك تشين يعد بمثابة دفتر أستاذ مشترك وغير قابل للتغيير لتسجيل تاريخ المعاملات، بات يعزز جيلًا جديدًا من التطبيقات التي تؤسس المساءلة والشفافية للعقود والأفعال والمدفوعات، ونتيجة لذلك هناك العديد من الشركات الناشئة في المجال الإعلامي التي تستخدم البلوك تشين، ومنها على سبيل المثال، منفذ أخبار “كولورادو صن”.
وتجدر الإشارة إلى أن التطبيقات المُمكنة من بلوك تشين يمكنها تحسين توزيع المحتوى وإنتاجه، والمساعدة في منع المشاركة غير القانونية للملفات، وتمكين نمط لإدارة الحقوق يتسم بالشفافية. وتتوقع شركة “MarketsandMarkets” لأبحاث السوق أن ينمو الاستخدام الكلي لـلبلوك تشين في أسواق الإعلام والإعلان والترفيه إلى 1 مليار دولار بحلول عام 2023 مقارنة بـ 51 مليون دولار في عام 2018، أي بمعدل زيادة سنوية مركبة بنسبة 81%.
أما على صعيد التطبيقات العملية لتلك التقنية الواعدة، فتعتبر منصة “Publica” نظامًا أساسيًّا مجانيًّا للنشر يسمح للكُتاب بإدارة كيفية توزيع أعمالهم، كما يقوم موقع Po.et (دفتر أستاذ مشترك ومفتوح وعالمي مصمم لتسجيل البيانات الوصفية ومعلومات الملكية للأصول الإبداعية الرقمية) ببناء منصة عالمية للترخيص والدفع قائمة على بلوك تشين تسمح للصحفيين وموفري المحتوى الآخرين بإعداد ملف تعريف يعرض أعمالهم، وأيضًا إنشاء قنوات مباشرة مع الناشرين المهتمين.
ماذا يعني التطور التكنولوجي لمستقبل دراسة الصحافة؟
يؤكد هذا المشهد المتغير باستمرار أن التغيير الحتمي هو العامل المهيمن على عالم الصحافة والإعلام في المجتمع اليوم، فلا يمكن اتخاذ أي قرار دون النظر ليس فقط في العالم بوضعه الراهن ولكن ما سيكون عليه مستقبلًا أيضًا، ولعل هذا ما يطرح تساؤلًا مهمًّا على الصعيد الأكاديمي ألا وهو كيف ستُدرس كليات وأقسام الصحافة في الجامعات لدارسي الصحافة في المستقبل؟
ويرى الدكتور ويل نورتون، عميد كلية ميك للصحافة والإعلام الجديد في جامعة ميسيسيبي الأمريكية، أن التطورات التكنولوجية أدت إلى تغير في وسائل الإعلام التقليدية وظهور وسائل الإعلام الجديدة التي تعمل على تغيير اللغة وعمليات التفكير، فقد أضفت الطابع الديمقراطي على عملية إعداد التقارير وجعلت من الصعب تحديد الحقائق لأن أي شخص يمكنه استخدامها، كما أن المراسلين المحترفين ذوي المهارات العالية لم يعد هم الأشخاص الوحيدون الذين يقومون بعمل إعلامي مهم.
واعتبر نورتون أن الصحافة أو التربية الإعلامية تحاول تعليم الدارسين إعداد التقارير والكتابة والتحدث، لذلك فإن المهارات التي يتم تدريسها في معاهد وكليات الإعلام يجب أن تكون مناسبة لجميع وسائل الإعلام في ظل هذا المشهد المتطور، فلا ينبغي أن يكون التركيز على وسيلة بعينها فقط.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن العمل الصحفي في المستقبل يتطلب مرونة أكثر من جانب الصحفيين على التدريب واستيعاب التكنولوجيا وتوظيفها في إنتاج المحتوى، بجانب استثمار كبير من المؤسسات من أجل توفير التقنيات الحديثة وإتاحتها لتعزيز تنافسية الخدمة الإخبارية التي تقدمها للجمهور، ومن الناحية الأكاديمية والجهات التنظيمية للعمل الصحفي وضع مدون سلوك وضوابط تحكم إشراك الجمهور في صناعة المحتوى.