تقاريردراسات

مجلس التعاون الخليجي في مواجهة عقد التحديات الخامس

قدم مجلس التعاون لدول الخليج العربية على مدى 4 عقود منذ تأسيسه عام 1981، نموذجًا للتعاون الإقليمي الناجح القادر على مواجهة التحديات التي تشتد مع تعاظم أهمية تلك المنطقة الاستراتيجية من العالم، وسط تحولات هيكلية تعرضت لها بنية النظام الدولي، وأزمات تراوحت ما بين الطابع العسكري والسياسي والاقتصادي، كان لها تبعات هائلة على استقرار وتوازن القوى في المنطقة.
واستطاع المجلس أن يتجاوز كافة التحديات بفضل وحدة وتماسك اللحمة الخليجية، وحكمة القادة الخليجيين، والإيمان الراسخ على المستويين الشعبي والرسمي بوحدة المصير بين الدول الست الأعضاء، فضلًا عن النهج المؤسسي الذي قام عليه المجلس، فكانت كل هذه العوامل كفيلة بتحقيق العديد من الإنجازات على صعيد التعاون والتنسيق الأمني الذي بلغ ذروته في إنشاء قوات درع الجزيرة، وكذلك فيما يتعلق بالبنية التشريعية، والبنية التحتية كمشروعات الربط الكهربائي، والتعاون التجاري ومن مظاهره التعرفة الجمركية الموحدة.
ومع دخول مجلس التعاون لدول الخليج العربية العقد الخامس تبرز مجموعة جديدة من التحديات الأمنية المرتبطة بالسلوك غير المسؤول من جانب بعض القوى الإقليمية، والتهديدات النابعة من نشاط الفاعلين دون الدولة لا سيما التنظيمات الإرهابية، والتحولات الراهنة في أنماط استهلاك موارد الطاقة وانعكاسها على الأسواق الدولية، والتحديات غير التقليدية كالأوبئة ومظاهر تغير المناخ، الأمر الذي يستلزم وضع استراتيجية خليجية شاملة تعالج كافة هذه التحديات.
استقبال العقد الخامس بتعزيز اللحمة الخليجية في قمة العُلا
بدأت دول مجلس التعاون الخليجي استقبال العقد الخامس من مسيرة التعاون بين الدول الأعضاء في عام 2021 بتطور إيجابي تمثل في قمة العُلا التاريخية التي استضافتها المملكة العربية السعودية، والتي أسهمت في تنقية الأجواء وطي صفحة الخلافات وتعزيز اللحمة الخليجية، ووحدة الصف، وتثبيت دعائم الاستقرار، وإعلاء المصلحة المشتركة والمصالح العليا لدول المجلس.
ويمثل تماسك المجلس نقطة انطلاق محورية لمواجهة التحديات المتعددة التي تبدو ملامحها واضحة أمام صُنّاع القرار في الدول الأعضاء بالمجلس، ما يتطلب قدرة وإرادة في كافة العواصم الخليجية على  العمل معًا أو بالتوازي لتنسيق السياسات الخارجية، وهو ما يتخذ أشكالًا مختلفة مثل القرارات التي يتم التوصل إليها في الاجتماعات الوزارية لمجلس التعاون الخليجي أو تأسيس هيئة جديدة تابعة للمجلس أو تطوير آلية لإنفاذ قراراته.
التحديات الجيواستراتيجية الأمنية والدبلوماسية الوقائية
إن مجرد إلقاء نظرة على المحيط الجغرافي لدول مجلس التعاون الخليجي كفيل باستحضار صورة لحجم التحديات الكبرى ذات الصلة بالأبعاد الاستراتيجية والأمنية، فالدول الست الأعضاء محاطة بجوار غير مستقر، حيث الحرب في أفغانستان، والتحديات الأمنية في باكستان، والمواجهة الإيرانية مع المجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي، والمخاطر الأمنية للصراع في اليمن ومنطقة القرن الأفريقي، كل هذه العوامل مجتمعة تُشكّل تحديًا هائلًا للأمن القومي الجماعي.
ولذلك باتت الترتيبات الأمنية بين دول مجلس التعاون الخليجي مكونًا لا غنى عنه في الهيكل الأمني ​​للمنطقة، من أجل حماية الدول الأعضاء من الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل  والانتشار النووي والعدوان الخارجي. وقد اتبع المجلس نهج “الدبلوماسية الوقائية” لتفادي تلك الصراعات المشتعلة، بالاستناد إلى 3 محاور رئيسية:

الالتزام الواضح والشفاف بمنع نشوب النزاعات وحلها من خلال التأكيد الصريح على النوايا السلمية، واحترام القانون الدولي وقواعد السلوك بين الدول.
رفض استغلال الدبلوماسية لتحقيق طموحات إقليمية أو سياسية أو تصدير أيديولوجية، بما يقوض التفاهم الإقليمي، ويُشيع حالة من انعدام الثقة.
الدخول في شراكة مع حلف شمال الأطلسي “الناتو” والاتحاد الأوروبي ومؤسسات أمنية إقليمية أخرى، لتعزيز الاستقرار ليس في الخليج فقط، بل في الشرق الأوسط أيضًا.
كما حرصت دول المجلس على اتخاذ زمام المبادرة لطرح حلول للعديد من الأزمات الإقليمية، ومن أبرز الأمثلة هنا إطلاق المملكة العربية السعودية لمبادرة السلام العربية عام 2002 لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأيضًا تنظيم مؤتمر للمانحين لليمن لتعزيز الإصلاح الاقتصادي والسياسي، ودحر الإرهاب والفقر والمرض، ودعم العملية السياسية في العراق، والعمل على اندماجه الكامل في الوطن العربي.
وكذلك دعوة دول المجلس إيران إلى التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن الدولي ومتطلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع الاعتراف بالحق في تطوير منشآت نووية سلمية ضمن رقابة وضمانات الوكالة والمتطلبات الدولية.
تحدي تحرير الاقتصادات الخليجية من الارتهان للنفط وتوطين العمالة

يمثل تنويع مصادر الدخل لتقليل المخاطر وتأمين الإيرادات المستقبلية واحدًا من أهم التحديات الاقتصادية التي تجابه دول مجلس التعاون الخليجي، لذا فإن التحرر من ارتهان الاقتصادات الخليجية بأسواق الطاقة العالمية مسألة حيوية للغاية، ويتصل بها أيضًا تقليل الاعتماد على النفط كمصدر للطاقة، بوصفه غير مستدام، وقد تفاعلت العديد من الدول الخليجية مع هذا التحدي بإطلاق خطط للتحول الاقتصادي والتنمية المستدامة من أبرزها إطلاق المملكة العربية السعودية رؤية 2030، وأيضا الرؤية الاقتصادية لمملكة البحرين 2030، ورؤية قطر الوطنية 2030، ورؤية الكويت 2035.
كما يمثل تكامل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي لخلق كتلة تجارية فعالة مع بقية العالم تحديًا اقتصاديًا آخر، فضلًا عن تعديل نموذج سوق العمل وتوطين العمالة وطرح مبادرات لتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، لذا يجب أن يكون القطاع الخاص هو المروج لخلق فرص العمل. ومن المرجح أن يكون هذان الملفان – تنويع الاقتصاد وتوطين العمالة- الأهم على أجندة الاجتماعات الخليجية خلال الفترة المقبلة.

التحديات غير التقليدية كالأوبئة والتغير المناخي
ثمة العديد من المؤشرات التي تشير إلى تنامي التهديدات غير التقليدية المتمثلة في انتشار الأوبئة كجائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” والتحديات ذات الصلة بالتغير المناخي، والارتدادات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن ذلك، وقد أظهرت أزمة كورونا أهمية الاستثمار والتعاون في مجالات البحث العلمي لمواجهة الجوائح، وتمتلك دول مجلس التعاون القدرة المالية واللوجيستية اللازمة لتنمية الصناعات الدوائية في المنطقة.
أما التغير المناخي، فسيؤثر على اقتصاد وبيئة دول مجلس التعاون الخليجي بعدة أشكال خلال العقود القادمة، فالأثر المباشر سيتمثل في قيام الدول الصناعية باستيراد كميات أقل من النفط والغاز مما يعني حتماً انخفاض في إيرادات دول مجلس التعاون الخليجي من تصدير الطاقة، أما الأثر المباشر فمن مظاهره ارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى سطح البحر، والمزيد من العواصف، وانخفاض في معدل هطول الأمطار السنوي بشكل عام.
وقد أخذت المملكة العربية السعودية زمام المبادرة في التصدي لتبعات التغير المناخي من خلال إعلان سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، عن مبادرة السعودية الخضراء ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر اللتين تهدفان إلى تقليل الانبعاثات الكربونية في المنطقة بأكثر من 10% من الإسهامات العالمية، وزراعة 50 مليار شجرة.
توصيات للتعامل مع التحديات التي تواجه المنظومة الخليجية
ويتضح مما سبق تعدد التحديات التي يواجهها مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال العقد المقبل من مسيرة التعاون الخليجي، وهنا تبرز مجموعة من التوصيات من أبرزها:
ضرورة وضع رؤية استراتيجية خليجية للتنمية المستدامة، مع الاستفادة في هذا الإطار مما تحمله الرؤى الوطنية وفي مقدمتها رؤية المملكة 2030 من أفكار بناءة وآليات وبرامج عمل واضحة لبلوغ المستهدفات، على أن تستند الرؤية الخليجية لمقاربة تكاملية تعزز التعاون بين الدول الأعضاء في مختلف المجالات بما يخدم تحقيق أهداف التنمية المستدامة، والمزيد من الرفاهية للمواطن الخليجي مع تأمين ازدهار الأجيال القادمة.
تأسيس شراكات استراتيجية مع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا بما يخدم المصالح الخليجية وأهداف السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي في القضايا الإقليمية المطروحة على طاولة مجلس الأمن الدولي، ومن أبرزها الملف النووي الإيراني والسلوك الإيراني المثير للاضطراب في المنطقة.
تعزيز التعاون بين دول المجلس للتصدي للتهديدات التقليدية وغير التقليدية للأمن القومي الخليجي، عبر إصدار وثيقة استراتيجية بشأن الأمن الخليجي خلال العقد المقبل تحدد مصادر التهديد والأولويات، وتشمل آليات تنفيذية تضمن أعلى درجات التنسيق بين مؤسسات صنع القرار للحفاظ على المنظومة الخليجية.
تدشين برنامج خليجي معني بملف رقمنة اقتصادات الدول الأعضاء يتم من خلاله تبادل الخبرات بشأن تلك العملية، والعمل على صياغة لوائح تنظيمية تتسم بالمرونة والقدرة على التكيُّف مع التغييرات التكنولوجية والاجتماعية بما تحمله من فرص وما تفرضه من تحديات ومخاطر.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن مجلس التعاون الخليجي استطاع عبر مسيرته الزاخرة على مدى 4 عقود التكيف مع الكثير من الأحداث السياسية الإقليمية، والتحولات الجيوسياسية العالمية بما تضمنته من منعطفات سياسية وعسكرية صعبة جعلت من المنطقة –وما زالت- بؤرة للصراعات والتوترات، لكن التماسك بين دول المجلس كان حائط الصد ضد أي محاولات للعبث بأمن الخليج، كما أن الإرادة السياسية لدى الدول الأعضاء ظلت حاضرة وفاعلة، ويشهد على ذلك إنجازات مثل تشكيل قوات درع الجزيرة عام 1982، وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي لعام 2000، وإطلاق السوق الخليجية المشتركة عام 2008.

زر الذهاب إلى الأعلى