ترجمات

إنترنت الأجسام بين الفرصة والتحدي

تطورات عديدة مر بها عالم الإنترنت خلال السنوات الأخيرة مع التوسع في نطاق الاعتماد عليه في مختلف مناحي الحياة، ممَّا أوجد صور متعددة واستخدامات متنوعة، حيث خرجت من رَحِم تلك الاستخدامات مفاهيم جديدة منها “إنترنت الأشياء- Internet of Things” الذي يُجَسَّد عمليًّا في سيارات بدون سائق وأجراس أبواب ذكية مزوَّدة بكاميرا، وثلاجات ذكية، وغيرها من الأشياء التي تصنع يوميًّا باستخدام المستشعرات ووصلات الشبكة العنكبوتية.
وأصبحت المرحلة التالية من مسيرة التطور هي “إنترنت الأجسام- Internet of Bodies”، الذي يقوم على اكتشاف إلى أي مدى يمكن أن تصبح التكنولوجيا شخصية ووثيقة الصلة بالإنسان، ومن أمثلته الأسرة الذكية التي يمكنها تتبع معدل ضربات القلب والتنفس، والملابس الذكية القادرة على استشعار درجة حرارة الجسم.
مما لا شك فيه أنه توجد مخاطر تحيط بهذا النمط من الإنترنت، فأي جهاز يمكن اختراقه، بما في ذلك الأجهزة الاصطناعية التي تكون داخل جسم الإنسان، الأمر الذي يستدعي التفكير في التداعيات ذات الصلة بالخصوصية والأمان، ويبقى التأكيد أيضًا أن هذه الأجهزة تفتح المجال لإمكانية تغيير نمط حياة البشر وإنقاذ حياة البعض.
مفهوم إنترنت الأجسام وتطبيقاته في المجال الطبي
وقد بذل الباحثون في مؤسسة راند الأمريكية جهودًا كبيرة بشأن كيفية تعريف إنترنت الأجسام، وخلصوا في النهاية إلى تبنِّي نظرة واسعة لمساعدة صانعي السياسات على التفكير في التحديات والفرص التي يفرضها ذلك النمط، حيث اعتبروا أن إنترنت الأجسام هو أي جهاز يجمع المعلومات الصحية أو المعلومات الحيوية أو يغيِّر وظيفة جسم الإنسان بطريقةٍ ما.
ويحتاج الجهاز أيضًا إلى نقل المعلومات عبر الإنترنت، سواء من تِلْقاء نفسه أو من خلال جهاز آخر مثل الهاتف الخلوي.
وتتخذ أجهزة إنترنت الأجسام أشكالا متعددة، فبعضها يُستخدم أصلًا على نطاق واسع، مثل أجهزة رصد اللياقة البدنية المتضمنة في ساعات اليد أو منظمات ضربات القلب التي تنقل بيانات حول قلب مريضٍ ما مباشرة إلى طبيب القلب.
وقد تكون منتجات أخرى -قيد التطوير أو مطروحة حديثًا في السوق- أقل شعبية مثل المنتجات القابلة للهضم التي تجمع معلومات حول أمعاء شخص ما وترسلها، والرقاقات الدقيقة المزروعة في الجسم، وأجهزة تحفيز الدماغ، والمراحيض المتصلة بالإنترنت.
وتتمتع هذه الأجهزة بوصول وثيق إلى الجسم يمكنها من جمع كميات هائلة من البيانات البيومترية الشخصية. ولبعض هذه التقنيات تأثيرات ثورية في عالم الرعاية الصحية، فعلى سبيل المثال يساعد البنكرياس الاصطناعي مرضى السكر على التحكم في مستويات السكر في الدم، أمَّا “الغرسات الدماغية- brain implants” فتسمح لمبتوري الأطراف بالتحكم في أطرافهم الاصطناعية، بينما يمكن للدعامات الذكية مراقبة الجلطات الدموية، وتستطيع غرسات القوقعة الصناعية بالفعل استعادة السمع.
الفرص والمزايا المتوفرة من بيانات إنترنت الأجسام
ويرى الباحثون أن جميع هذه الأجهزة التي تتعقب صحة وسلوك البشر توفر “كنزًا دفينًا” من المعلومات الجديدة حول ما يحافظ على صحة الأفراد، وما الذي يجعلهم يمرضون، ومن شأن ذلك أن يعزز الفهم لصحة السكان على المدى الطويل ويمهد الطريق نحو تدخلات أكثر فعالية في مجال الصحة العامة.
ويمكن أن يساعد ذلك الأطباء على اكتشاف علامات المرض في وقت مبكر، ومساعدة المستشفيات على توفير رعاية أفضل وعلاجات أكثر دقة لمرضاهم، ومساعدة نظام الرعاية الصحية على خفض التكاليف، حيث تشير تقديرات مراكز بحثية في الولايات المتحدة إلى إمكانية أن توفر الرعاية المحسنة وكفاءة التكنولوجيا الطبية مليارات الدولارات كل عام، وفقًا لمؤسسة راند.
مخاطر وتحديات تقنيات إنترنت الأجسام
وكالعادة يكون الوجه الآخر للمزايا والفرص التي تولدها البيانات، مخاطر وتحديات تتعلق بحمايتها من الاختراق أو الاتجار فيها، حيث يشدد تقرير صادر عن “المنتدى الاقتصادي العالمي-World Economic Forum” على أهمية تحديد البيانات الحساسة وحمايتها من خطر البيع من خلال وضع القوانين واللوائح التي تنظم تلك البيانات.
وفي هذا الإطار، تبرز تجربة توني شميدت إخصائي الكمبيوتر المقيم في ولاية تكساس الأمريكية، الذي يعاني من حالة مرضية تجعله بحاجة إلى جهاز الضغط الإيجابي المستمر في المجرى الهوائي “جهاز CPAP” حتى يتمكن من النوم، فبدونه يتوقف عن التنفس مئات المرات كل ليلة.
ويروي شميدت أنه قام بشراء جهاز من هذا النوع، وفي صباح اليوم التالي لاستخدام الجهاز وليس الشراء، تلقَّى بريدًا إلكترونيًّا من الشركة المصنعة للجهاز، تهنِّئه على أول ليلة ينام فيها جيدًا، مما دفعه على الفور لشراء جهاز جديد ووقف اتصاله بالإنترنت، حيث أدرك أن ذلك الاتصال ينقل معلوماته، وهي مسألة أثارت انزعاجه الشديد، مؤكدًا أنه لم يوقِّع على أي ورقة تفيد أنه من المقبول أنْ تذهب المعلومات بشأن نومه إلى أي شخص آخر غير طبيبه.
ورغم ذلك تعد عمليات التطفل على الخصوصية ليست سوى جزء من المخاطر المتعلقة باتصال الأجهزة الطبية بالإنترنت، إذ أظهر باحثون أيضًا إمكانية اختراق مضخة الأنسولين، على سبيل المثال، ممَّا يزيد من احتمال جَعْلها تعطي جرعة قاتلة.
وكان لتلك المخاوف صدى لدى الشخصيات العامة والسياسية، ومنهم نائب الرئيس الأمريكي الأسبق ديك تشيني الذي كان قلقًا للغاية من أن يتمكن شخص ما من مهاجمته من خلال جهاز تنظيم ضربات القلب الخاص به، لدرجة أنه قام بتعطيل قدرات الاتصال اللا سلكية للجهاز.
وطالت تلك المخاوف أيضًا مؤسسات أمريكية حكومية كبرى، لا سيما بعد أن ثبت أن أجهزة تتبع اللياقة البدنية البسيطة يمكنها كشف معلومات حساسة تمسُّ الأمن القومي.
فقبل بضع سنوات أصدر تطبيقٌ للياقة البدنية خريطةً للعالم تُظهر كل ما يتم رصده من عمليات رَكْض ومَشْي، وسرعان ما أدرك المحللون العسكريون أن الخريطة مفصلة بما يكفي لتحديد القواعد العسكرية الأمريكية وتلك الخاصة بحلفاء واشنطن في أماكن مثل سوريا وأفغانستان.
وفي ذات السياق، يمكن استخدام البيانات الناتجة من إنترنت الأجسام لعمل تنبؤات واستنتاجات قد تؤثر على وصول شخص أو مجموعة إلى الموارد مثل الرعاية الصحية أو التأمين أو التوظيف.
ويرى جيمس ديمبسي، مدير مركز بيركلي للقانون والتكنولوجيا، أن هذا قد يؤدي إلى معاملة غير عادلة، محذرًا من احتمال التمييز والتحيز عند استخدام هذه البيانات في قرارات التأمين والتوظيف.
لذلك يعتبر تحديث اللوائح أحد أبرز الحلول لهذه المشكلة، إذ اقترح الباحثان في معهد أكسفورد للإنترنت، ساندرا واتشتر وبرنت دانيال، أن يركِّز قانون حماية البيانات أكثر على كيفية وسبب معالجة البيانات، وليس فقط حالتها الأولية.
ودافع الباحثان عمَّا يسمى بـ”الحق في الاستنتاجات المعقولة”، ممَّا يعني الحق في استخدام بيانات الشخص فقط لاستنتاجات معقولة ومقبولة اجتماعيًّا، وقد يتضمن ذلك وضع معايير بشأن ما إذا كان استنتاج معلومات معينة من بيانات الشخص، بما في ذلك حالته الصحية الراهنة أو المستقبلية مقبولًا اجتماعيًّا أو مفرطًا في التوغل بخصوصيته.
ويوجد كذلك عدد من المشكلات العملية في التعامل مع الحجم الهائل للبيانات الناتجة عن إنترنت الأشياء، حيث يؤدي عدم وجود معايير حول الأمان ومعالجة البيانات إلى صعوبة دمج البيانات من مصادر متنوعة، واستخدامها لتعزيز الأغراض البحثية.
وتحاول الدول والمؤسسات المختلفة التغلب على هذه المشكلة بشكل مشترك، فعلى سبيل المثال يعمل معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات (IEEE) مع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) والمعاهد الوطنية للصحة، بالإضافة إلى الجامعات والشركات ذات المصلحة منذ عام 2016، لمعالجة قضية قابلية التشغيل البيني للبيانات الصحية المتعلقة بالأجهزة المتصلة بالإنترنت.
ونخلص مما سبق إلى أن انتشار إنترنت الأجسام في كل جانب من جوانب الحياة تقريبًا، يفرض مجموعة من التحديات الجديدة، كما يتيح فرصًا غير مسبوقة لتحسين الصحة والرفاهية وإنقاذ أرواح لا حصر لها.
وأصبح استغلال هذه الفرص وإيجاد حلول للتحديات مهمة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، ويعتمد هذا الأمر على دور الجهات الحكومية والهيئات التشريعية وتعاونها مع القطاع الخاص والمجتمع المدني لإنشاء إطار حَوْكَمة قوي، فضلًا عن إدراج الاستنتاجات ذات الصلة بالبيانات في مجال حماية البيانات.
وسيكون وضع معايير تكنولوجية وتنظيمية لقابلية التشغيل البيني ومراعاة اعتبارات الأمن أمرًا حاسمًا أيضًا لإطلاق العنان لقوة البيانات المتاحة حديثًا، ولا سبيل لذلك بدون التعاون العابر للحدود والقطاعات الذي يكفل تحقيق الفوائد الهائلة لهذه التكنولوجيا سريعة التطور.
ويجب على الجهات التنظيمية والجهات المصنِّعة تطوير برنامج مقاييس لمساعدة المستهلكين على قياس أمان الأجهزة المختلفة، وهي خطوة يحتاج إليها المصنِّعون من أجل بناء الثقة بإنتاجهم، ومعرفة كيفية تصحيح الثغرات الأمنية في جهازٍ قد يكون بالفعل في جسم شخصٍ ما.

زر الذهاب إلى الأعلى