تقارير

تركيا تؤجِّج الصراع الأذربيجاني الأرمني

تشهد منطقة ناغورنو كاراباخ الحدودية بين أذربيجان وأرمنيا، منذ مطلع الأسبوع الحالي، مواجهات عنيفة تشارك فيها المدفعية الثقيلة وسط تقارير عن سقوط مروحيتي هليكوبتر لأذربيجان وعشرات القتلى والجرحى في صفوف الجانبين، ممَّا ينذر باحتمال اندلاع حرب واسعة النطاق بين البلدين الجارين في القوقاز، واللذان كانا جزءًا من الاتحاد السوفييتي السابق.

وناغورنو كاراباخ، هي مزيج من الكلمات الروسية والتركية تعني “مرتفعات الحديقة السوداء”، ويعكس هذا المزيج اللغوي والعوامل التاريخية والثقافية نفوذًا لكل من روسيا وتركيا في تلك المنطقة، وعلى طرفي الصراع، وبينما دعت موسكو للتهدئة ووقف إطلاق النار -وهو الموقف الذي اتخذته العديد من دول العالم- عملت تركيا على تأجيج الأزمة بخطاب رسمي مناقض للإجماع الدولي الراهن، وعمليًّا بأدوات عسكرية تركية ومستشارين يدعمون أذربيجان في المعارك التي تدور رحاها في تلك المنطقة الاستراتيجية التي تعتبر ممرًّا لخطوط الأنابيب التي تنقل النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

التصعيد الأخطر بين باكو وبريفان منذ 26 عامًا

وعقب اندلاع القتال في 27 سبتمبر الجاري، على طول خط التماس في منطقة ناغورنو كاراباخ أو ارتساخ وفق التسمية الأرمنية، قام رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان بإعلان الأحكام العرفية والتعبئة الكاملة، كما توجَّه الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف بخطاب إلى شعبه، وتم إعلان الأحكام العرفية الجزئية في عدد من المناطق بما في ذلك العاصمة الأذربيجانية باكو.

وتقع كاراباخ في قلب الصراع الأرمني الأذربيجاني منذ عام 1988، الذي أدى إلى وقف إطلاق النار عام 1994 واندلاع اشتباكات عرضية، لكن التصعيد الحالي هو الأخطر منذ وقف إطلاق النار، ويأتي بعد شهرين من اندلاع اشتباكات استمرت ثلاثة أيام في منطقة توفوز الحدودية بين البلدين، والتي تقع على بعد مئات الكيلومترات من كاراباخ، إذ أعلن نائب وزير الدفاع الأرمني أرتور سركسيان عن أرقام أولية تشير إلى مقتل 16 أرمنيًّا وإصابة أكثر من مئة آخرين، بينما أفادت مصادر أذربيجانية “تحرير” ما يصل إلى ثماني قرى ومركز إقليمي واحد.

ووفقًا لتقرير للمجلس الأطلنطي (مركز بحثي مقره واشنطن) ترجع جذور الصراع الراهن إلى تفكك الاتحاد السوفييتي، ففي عام 1988، صوتت الجمعية الوطنية في ناغورنو كاراباخ لتصبح جزءًا من أرمنيا، ممَّا أثار أعمال عنف واسعة النطاق بين القوات الأذربيجانية والأرمنية. ولم يعترف المجتمع الدولي بالتصويت، حيث وافق على وحدة أراضي الدول المنبثقة عن الاتحاد السوفييتي، وبعد ثلاثة أعوام أي في عام 1991 تم إعلان استقلال المنطقة عن أذربيجان بعد استفتاء قاطعه سكان المنطقة الأذريون.

وبحلول عام 1992، توسَّع الصراع إلى حرب واسعة النطاق، ممَّا أدى إلى مقتل ما بين 20 ألفًا إلى 30 ألف عسكري وتشريد أكثر من مليون شخص، واستمرت الحرب إلى أن وقع الرئيسان الأرمني والأذربيجاني على اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة روسية في عام 1994، ممَّا ترك ناغورنو كاراباخ تحت السيطرة الأرمنية الاسمية.

وفي العام ذاته، شكَّلت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مجموعة مينسك المكلفة بتسهيل سلام دائم بين البلدين. ولا تعترف الدول التي ترأس المجموعة -الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا- باستقلال ناغورنو كاراباخ المعلن ذاتيًّا، لكنها تعارض تسليم المنطقة بالكامل لأذربيجان قبل التوصل إلى حل تفاوضي.

وعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية التي تبذلها مجموعة مينسك، يرفض الطرفان المتحاربان حل النزاع سلميًّا. إن موقع ناغورنو كاراباخ على الحافة الشرقية البعيدة لأوروبا، وانشغال الولايات المتحدة وأوروبا بالأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فضلًا عن المصالح المتباينة بين أعضاء مجموعة مينسك، كل هذه العوامل مجتمعة أعاقت الجهود الدولية من أجل بناء السلام في تلك المنطقة.

ويرى ريتشارد كوزلاريش، السفير الأمريكي السابق لدى أذربيجان أن الحرب بين أرمنيا وأذربيجان كانت متوقعة، لافتًا إلى أن الفقراء في أرمنيا وأذربيجان  يدفعون ثمن القيادة في باكو ويريفان التي رفضت اغتنام الفرصة تلو الأخرى للتعامل سلميًّا مع النزاع بشأن ناغورنو كاراباخ.

كما اعتبرت أوليسيا فارتانيان، كبيرة محللي شؤون القوقاز في مجموعة الأزمات الدولية، أيضًا أن كل المؤشرات كانت تدل على أن التصعيد قادم، بينما كان هناك صمت دبلوماسي، مشيرة إلى أن قيود السفر بسبب فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” قد حالت دون استمرار الدبلوماسية المكوكية التقليدية خلال الصيف.

إجماع دولي على التهدئة ودعم تركي للتصعيد

وقد تعامل المجتمع الدولي مع الصراع الدائر حاليًّا بين أذربيجان وأرمنيا، بروح المسؤولية، حيث توالت الدعوات إلى وقف فورى لإطلاق النار واحتواء التصعيد وإفساح المجال أمام العودة لطاولة المفاوضات لتسوية الخلافات، إلا أن الدولة الوحيدة التي خرجت عن هذا المسار كانت تركيا، حيث جاء الخطاب الرسمي الصادر عنها خطابًا تحريضيًّا مشجعًا على استمرار آلة الحرب من خلال دعمها لأذربيجان، ويمكن استعراض طبيعة التفاعل الدولي مع تلك الأزمة من خلال ما يلي:

خطاب وتحركات تركية تصعيدية

اعتمدت تركيا على خطاب تصعيدي على العكس من كل الخطابات الدولية حول تلك الأزمة المتصاعدة، وهو ما تجسَّد في تصريحات المسؤولين الأتراك، وفي مقدمتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي حمل أرمنيا مسؤولية ما يحدث، واتهمها بالبدء بشن هجوم على أذربيجان، ممَّا يظهر مجددًا أنها تشكل أكبر تهديد للسلام والأمن في المنطقة، كما اعتبر أن استعادة السلام والهدوء ستكون فور انسحاب أرمنيا من الأراضي الأذربيجانية “المحتلة”، على حد قوله.

ولم يقتصر التصعيد التركي على السلوك اللفظي، بل إن معطياتٍ على الأرض تشير إلى اتخاذه منحًى عمليًّا، إذ ذكرت قناة “أودا تي في” التركية أن طائرات مسيرة تركية الصنع ضربت أهدافًا في ناغورنو كاراباخ، ممَّا يثير شبح حرب بالوكالة، فضلًا عن اتهام الرئيس الأرمني، أرمين سركسيان تركيا بدعم أذربيجان بطائرات من طراز”إف- 16″ وأخرى مسيرة في الهجوم على ناغورنو كاراباخ، مشددًا على أن بلاده لن تسمح للأتراك بارتكاب إبادة جماعية بحق الأرمن مرة أخرى.

وبينما أفادت الخارجية الأرمنية أن خبراء عسكريين أتراك يشاركون في القتال مع أذربيجان، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن أنقرة أرسلت مجموعة من الميليشيات السورية إلى أذربيجان، غير أن السلطات الأذربيجانية سارعت لنفي ذلك.

ويعد موقف أنقرة الداعم لأذربيجان ناتجًا عن الروابط القوية التي تجمعها بباكو، إذ كانت تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، أول دولة تعترف باستقلال أذربيجان في عام 1991، كما وصف الرئيس الأذربيجاني السابق حيدر علييف ذات مرة البلدين بأنهما “أمة واحدة ذات دولتين”، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”.

وفي الوقت ذاته، لا توجد علاقات رسمية بين تركيا وأرمنيا، وسبق أنْ أغلقت تركيا حدودها مع أرمنيا في عام 1993، دعمًا لأذربيجان خلال الحرب في ناغورنو كاراباخ، وهناك عداء تاريخي من تركيا تجاه الأرمن حيث تنكر أنقرة الإبادة الجماعية لما يصل إلى مليون ونصف أرمني على يد جيش الدولة العثمانية عام 1915.

دعوة روسية لوقف الأعمال العدائية

وعلى النقيض من الموقف التركي التصعيدي، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى وقف فوري للأعمال العدائية بعد محادثة مع رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان، علمًا بأن روسيا حليف تاريخي لأرمنيا، وتوجد قاعدة عسكرية روسية في أرمنيا، وكلاهما عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (تحالف عسكري تأسس في 15 مايو 1992)، وفقًا لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

كما توجد اتفاقية دفاع مشترك بين روسيا وأرمنيا يمكن أن تدخل حيز التنفيذ إذا امتد القتال إلى داخل أرمنيا.

وفي هذا الإطار، يرى ديمتري ترينين، مدير مركز كارنيجي في موسكو أن روسيا لن تنظر بارتياح للتعدي على أراضي الاتحاد السوفييتي السابق بالأسلحة، مرجحًا أن يشكل ذلك الأمر تجاوزًا للخط الأحمر لدى موسكو.

ولذلك قد يشكل التصعيد في كاراباخ اختبارًا آخر للعلاقة المعقدة بين موسكو وأنقرة، حيث تدعمان بالفعل طرفين متعارضين في الحروب الأهلية في ليبيا وسوريا.

أوروبا تطالب بالعودة إلى طاولة المفاوضات

يعتبر النفط عنصرًا مهمًّا للغاية ومحددًا للموقف الأوروبي في هذا الصراع، حيث ينقل خطان من الأنابيب النفطَ والغازَ من أذربيجان عبر القوقاز، وكلاهما يمر بناغورنو كاراباخ. لذلك فالصراع في تلك المنطقة يعرض خطي الأنابيب للخطر، وهما خط أنابيب النفط الرئيسي باكو – تبيليسي – جيهان، وخط أنابيب الغاز العابر للأناضول، وهو ما قد يجهض آمال أوروبا في استغلال موارد بحر قزوين لتقليل اعتمادها على مصادر النفط الخام الروسي، حيث يأمل الاتحاد الأوروبي في إطار استراتيجية ممر الغاز الجنوبي، في الحصول على 16 مليار متر مكعب إضافية من غاز بحر قزوين عبر خط أنابيب جنوب القوقاز.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة دعوة رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال إلى وقف الأعمال العسكرية بشكل عاجل لمنع المزيد من التصعيد، ودعوته إلى العودة الفورية للمفاوضات من دون شروط مسبقة.

مساعٍ أمريكية فرنسية للوساطة.. ودعوة سعودية لوقف إطلاق النار

وفي واشنطن، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن بلاده تتابع أحداث العنف الدائر في منطقة القوقاز بين أرمنيا وأذربيجان بـ”اهتمام كبير”، معلنًا عن مساعٍ إلى وقف القتال بين الطرفين.

ودخلت باريس أيضًا على خط الوساطة، بإعلان وزارة الخارجية الفرنسية عن اتصالات أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الأذربيجاني ورئيس الوزراء الأرمني سعيًا لوقف الأعمال القتالية والعودة إلى الحوار، وذلك من منطلق موقع فرنسا باعتبارها رئيسًا مشتركًا إلى جانب روسيا والولايات المتحدة لمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

كما أعربت المملكة العربية السعودية عن متابعتها ببالغ القلق والاهتمام تطورات الأوضاع بين أرمنيا وأذربيجان، وحثت الطرفين على وقف إطلاق النار، وحل النزاع بالطرق السلمية وفقًا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

وناشدت مصر من جانبها أرمنيا وأذربيجان ضبط النفس ووقف التصعيد، مشددة على موقفها الثابت والقائم على ‏حثِّ جميع الأطراف على الحوار من أجل الوصول إلى تسوية سلميةٍ، وفقًا لمقررات الشرعية الدولية في إطار مجموعة “مينسك”.

وأخيرًا.. يمكن القول بأن الصراع بين أذربيجان وأرمنيا ساحة جديدة تظهر للمجتمع الدولي السياسة التركية المزعزعة للاستقرار، حيث تستخدم أنقرة خطابًا تحريضيًّا ينسف أي جهد دولي نحو التهدئة والاحتواء، بل إن تركيا تنتهج نفس نمط الحرب بالوكالة الذي تلعبه في سوريا وليبيا، حيث الأسلحة التركية والاعتماد على المرتزقة وتسهيل وصولهم إلى ساحات القتال، ممَّا يستلزم وقفة دولية حازمة تردع أنقرة عن تلك الممارسات التي تنتهك بشكل صارخ كل القوانين والأعراف الدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى