تقارير

حسابات الفتن والتخوين على تويتر.. منابرُ للتشويه

أدى تنامي استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة، إلى بروز العديد من الظواهر السلبية الناجمة عن بنية تلك المواقع وطبيعة التفاعل من خلالها، وتعدُّ حسابات الفتن والتخوين وجهًا قبيحًا لدور التطوُّر التكنولوجي في إفساح المجال أمام الأصوات التي تنشر الكراهية والعنصرية، وتُوجِد حالةً من الشك في الآخر المخالف للرأي، وترفض ثقافة الاختلاف.

وتعمل تلك الحسابات تحت غطاءٍ من الشعارات الوطنية واستغلال ذلك كورقةٍ تخوِّلُ لها فرضَ رؤيتها بصرف النظر عن مدى صوابها، بل باتت توزِّع ما يمكن وصفُه بـ”صكوك الوطنية”، وتشنُّ حملات تخوينٍ وإساءةٍ لكلِّ مَن يخالفُها الرأي أو التوجُّه أو يتعرض لسلوكها بالنقد.

وتتسم تلك الحسابات بوجهٍ عامٍّ بفراغ المحتوى وافتقاد الحجة في الطرح، واستخدام أدواتٍ للتأثير في جمهور مواقع التواصل الاجتماعي، مثل الهاشتاقات الموجّهة التي تخدم أفكارَها وتنال بها من خصومها المتصوَّرين.

 حسابات الفتن والتخوين.. تحليلٌ للسمات والطابع السلوكي والتفاعلي

تعكس إحصاءات وسائل التواصل الاجتماعي في المملكة العربية السعودية أحد أبعاد تطور المجتمع السعودي، فعلى سبيل المثال فإن 68٪ من السعوديين أي نحو 23 مليون شخصٍ هم من مستخدِمي الوسائط الاجتماعية النَّشِطِين ويرجع السبب الرئيسي لوجود ذلك العدد الكبير إلى ارتفاع معدل ملكية الهواتف الذكية، كما أن أكثر من 84٪ من سكان المملكة يعيشون في مناطقَ حضريةٍ، مع اتصالات إنترنت فائقة السرعة، بحسب شركة “جلوبال ميديا إنسايت- Global Media Insight” المتخصصة في محركات البحث.

ووفقًا لتقرير لموقع “Hoot Suite” ومؤسسة ” we are social”  لأبحاث الإنترنت، فإن السعوديين هم أكبر مجموعةٍ من المستخدمين النشطين على تطبيقات “إنستغرام -Instagram” و”تويتر- Twitter” و”سناب شات- Snapchat” في منطقة الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال يوجد على منصة تويتر 18.96 مليون سعودي وهو ما يمثِّل 56٪ من وجود السعوديين على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي. ويبلغ متوسط الوقت الذي يقضيه المواطن السعودي على وسائل التواصل الاجتماعي عبر أي جهاز، ساعتين و50 دقيقةً يوميًّا.

ولما كانت مواقع التواصل الاجتماعي ساحاتٍ رئيسيةً للحروب الناعمة التي تستهدف زعزعة الأمن ونشْرَ الشائعات، فقد لجأت بعض الجهات المناوئة للمملكة إلى استغلال تلك الساحة، ومن أهم أدوات هذه الحروب صناعةُ الحسابات الوهمية.

وتُسْهِمُ البيئة السرية لمواقع التواصل الاجتماعي، -حيث وجود الخوادم خارج نطاق وسيطرة الدول وامتلاك الشركات المشغِّلة لتلك المواقع وحدَها إمكانية رصد وتعقُّب تلك الحسابات- في وجود نشاطٍ ملحوظٍ لتلك الحسابات التي تُدارُ عبر منظماتٍ أو دولٍ.

وتتسم حسابات الفتن والتخوين التي تستهدف المملكة بعدد من السمات من أبرزها:

– استخدامٌ مكثَّفٌ لصور رموز الدولة كصورةٍ للحساب، فعلى سبيل المثال يلجأ مستخدمو تلك الحسابات إلى وضع صور خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، وسموِّ وليِّ العهد الأمير محمد بن سلمان، أو صورٍ لجنود الجيش حماةِ الوطن، في محاولةٍ واضحةٍ لاكتساب ثقة المتابعين تحت ستار الاعتزاز بالوطن وقادته.

– استخدامُ أسماءٍ مستعارةٍ واقترانُها بعَلَم المملكة.

– النُّبذة التعريفية الخاصة بتلك الحسابات، تقوم على تبنِّي عباراتٍ وهاشتاقاتٍ تشير للفخر بالوطن وتمجيده، والاعتزاز بالهوية.

– تميل تلك الحسابات إلى الدخول في جدالٍ حادٍّ مع خصومها ومنتقديها تصل في بعض الأحيان إلى حد السباب والتخوين واستخدام الحظر لمن يخالفها الرأي، فتلك الحسابات تعمل على احتكار مفهوم الوطنية.

– الدخول في صدامٍ مع وسائل الإعلام، سواء مرئيةً أو مقروءةً حول كيفية الدفاع عن الوطن، من منطَلَق نظرةٍ متضخِّمةٍ للذات وتصوُّرٍ متعاظِمٍ للدور ودوائر التأثير، لدرجةٍ تصل إلى حد التنازُع الوظيفي، إذ تَعْتَبرُ تلك الحسابات أنها خطُّ الدفاع الأول إعلاميًّا عن الوطن.

– لا تتقبَّل تلك الحسابات فكرة التنوُّع وثقافة الاختلاف، فالاختلاف لديها مرادفٌ للخصومة والعداء، وبعض هذه الحسابات تمارس تحريضًا ممنهَجًا وإذكاءً للعنصرية وإقصاءَ الآخَر.

الذباب الإلكتروني عدوٌّ مباشر يستهدف الوطن على مدار الساعة

ثَمَّةَ جانبٌ آخَرُ لا يقل خطورةً يتمثَّل في كتائب الذباب الإلكتروني التي تستهدف المملكة وهم مجموعاتٌ مدربةٌ على استخدام التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال، يتميزون بكثافة نشاطهم ووجودهم على مواقع التواصل الاجتماعي، يعملون على بثِّ الفتن وترويج الشائعات داخل المجتمع وتشويه الآخرين.

لقد تحوَّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة حربٍ بكلِّ ما تعنيه الكلمة من معنًى، السلاحُ المستخدمُ فيها هو الأفكار وتوظيف الأدوات التقنية لصالحها، إذ بات من الخطورة بمكانٍ أن يَسقط مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في ذلك الفخِّ فيدوروا في فلك ذلك الذباب الإلكتروني دون أنْ يشعروا.

وعلى الصعيد التقنيِّ لمكافحة حسابات الفتن والتخوين تبرز العديد من الصعوبات، أبرزُها أن تعريف تويتر لتلك النوعية من الحسابات ضيِّقٌ للغاية، بينما يشير الباحثون والعديد من المشاريع المستقلة التي رصدت خلال السنوات الأخيرة تلك الحسابات إلى أنها حسابات ذات سلوكياتٍ مشبوهةٍ بشكلٍ واضحٍ، مثل كسب آلاف المتابعين في غضون أيامٍ قليلةٍ أو التغريد على مدار الساعة.

وفي هذا الإطار، يقول صامويل وولي، مدير الأبحاث في مختَبَر الذكاء الرقمي في معهد المستقبل، بالو ألتو، كاليفورنيا إنه “عندما يكون لديك حساب على تويتر يغرِّد أكثرَ من ألف مرةٍ في اليوم، فلا شك في أنه روبوت”، مؤكدًا أن “على تويتر أن يفعل المزيد لمنع تلك الحسابات”.

وبالعودة إلى قضية حسابات الفتن والتخوين التي تستهدف المملكة، يمكن القول إن خطورة تلك الحسابات تنقسم إلى فئتين رئيسيتين، الأولى تتمثَّل في حساباتٍ تتخذ من الوطنية شعارًا لكنها تعمل على إيجاد حالةٍ من الاستقطاب داخل المجتمع وتُعلي من خطابٍ عنصريٍّ يتبنَّى منهجًا مختلًّا يروِّج لوطنيةٍ إقصائيةٍ، لا تسهم في دعم جهود التنمية والبناء التي تتطلَّب تضافُر كلِّ الجهود والتوحُّد خلف هدفٍ واحدٍ هو رِفْعَةُ الوطن وازدهارُه واستقرارُه والحفاظُ على وحدة الصف وقوة اللحمة الداخلية للتصدِّي لما يُحاك للوطن من مؤامرةٍ من قِبل قوى الشر والإرهاب ودعاة التخريب والدمار.

أمَّا الفئة الثانية فهي حساباتٌ وهمية تحمل صيغةً وتوجُّهًا عدائيًّا واضحًا يستهدف الوطن بشكلٍ مباشرٍ، ذات طابع مركزيٍّ في توجيهها، حيث تكون هناك حملاتٌ منظمةٌ من حيث موضوع التغريدات وأوقات التغريدة، إذ تنطلق كالأسراب، وهي تبثُّ السمومَ وتسعى لتحويل رُوَّاد مواقع التواصل الاجتماعي إلى مِعْوَلٍ يُستخدمُ في هدم الوطن بدلًا من أن يكونوا أدواة بناءٍ وتعميرٍ.

وتستخدم الفئتان الهاشتاق كأداةٍ لجذب الانتباه وإيجاد حالةٍ من الزخم والتفاعل عبر متابعي تلك الحسابات أو رواد تلك المواقع بوجهٍ عامٍّ، حول قضيةٍ تجعل منها “تريند- Trend”.

خارطة طريق لتطويق خطر حسابات الفتن والتخوين

لقد استغلت حسابات الفتن والتخوين والجهات التي تقف وراءها، خصوصية الفضاء الإلكتروني لنشر الأفكار المسمومة والترويج للكراهية والإساءة والتطاول، باعتبار أنه فضاءٌ بلا رقيبٍ، فتجرَّدت تلك الحسابات من أي وازعٍ أخلاقيٍّ وتحرَّرت من أي قيودٍ أو رادعٍ قانونيٍّ، مستغِلَّةً ما توفِّره منصات التواصل الاجتماعي من فرصٍ عاليةٍ للنفاذ إلى قطاعاتٍ عريضةٍ من الجمهور.

ومن هذا المنطَلَق، يمكنُ طرح توصيتين رئيسيتين للتصدِّي لتلك الظاهرة وتطويق تداعياتها السلبية، وذلك على النحو التالي:

أولًا: أهمية التوعية المجتمعية بالمخاطر التي تُجابِهُ مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والالتزام بضوابطَ أخلاقيةٍ لاستخدامها، ولا شك أن الالتزام لا بدَّ أن يكون مقترنًا بوجود تشريعاتٍ تضمنُ أحكامًا رادعةً في حالة انتهاك تلك الضوابط.

ثانيًا: القيام بحملاتٍ مكثَّفةٍ من جانب الجهات المختصة لرصد وتتبُّع حسابات الفتن والتخوين والقائمين على إدارتها في الداخل أو الخارج، سواء كانوا أفرادًا أو جماعاتٍ أو جهاتٍ تابعةً لدولٍ، من أجل احتواء المخاطر التي تشكِّلها تلك الحسابات.

زر الذهاب إلى الأعلى