تقارير

الإعلام في السعودية.. صناعة واعدة وقوة ناعمة

قادت رؤية السعودية 2030 مسيرة تحولات كبرى في المجتمع وكشفت عن قطاعات واعدة على صعيدي الاقتصاد، وتعزيز القوة الناعمة، في مقدمتها قطاع الإعلام الذي أصبح صناعة عالية الربحية بجانب كونه ركيزة استراتيجية أساسية في بناء الاقتصاد الإبداعي، كما أنه يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الصورة الذهنية للمملكة، وإيصال صوتها ورسالتها إلى الخارج.

ويوفر قطاع الإعلام في السعودية فرصًا استثمارية واعدة ضمن سوق متنامية تستند إلى قاعدة ديموغرافية قوية، وتطور تنظيمي متسارع وزخم مؤسسي متزايد، وقد انعكس اهتمام القيادة الرشيدة، حفظها الله، بالقطاع وتهيئة المناخ الملائم لتطويره وازدهاره على آفاق نمو سوق الإعلام في المملكة، حيث يتوقع أن تحقق هذه السوق معدل نمو بشكل سنوي يبلغ 9% خلال الفترة من  2025 إلى 2030 ليصل حجمه إلى نحو 41 مليار ريال سعودي (11 مليار دولار).

وقد أولت المملكة خلال السنوات القليلة الماضية اهتمامًا كبيرًا بقطاع الإعلام، عبر تهيئة بيئة تنظيمية ملائمة للأعمال تضمن حماية المستهلك وتنافسية السوق، بجانب توفير حوافز تعزز من جاذبية الاستثمار في القطاع.

وفي هذا الإطار، أصدرت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام تقريرًا بعنوان “حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار 2025″، نستعرض أبرز ما جاء فيه على النحو التالي:

  • طفرة نمو ومستهدفات كبرى

يعكس التقرير طفرة نمو استثنائية تضع المملكة كأسرع أسواق مجموعة العشرين نموًا في قطاع الإعلام بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.2%، كما يشير إلى توقعات بتضاعف مساهمة القطاع في الناتج المحلي ثلاث مرات لتصل إلى 47 مليار ريال بحلول عام 2030، مقارنة بـ 16 مليار ريال في عام 2024.

وعلى صعيد حجم العمالة، يستهدف القطاع توظيف 150 ألف كادر بحلول نهاية العقد الحالي، في الوقت الذي يبلغ فيه عدد الموظفين في مجال الإعلام الآن 67 ألف موظف. وإجمالًا تشير التوقعات إلى وصول حجم سوق الإعلام إلى 41.3 مليار ريال بحلول عام 2030.

وتعتمد هذه السوق على التكنولوجيا المتقدمة وتتوزع عبر عدة مسارات أبرزها:

  • الألعاب والرياضات الإلكترونية: تُعد المحرك الأكثر ديناميكية، حيث تستهدف الاستراتيجية الوطنية خلق 39 ألف وظيفة ومساهمة اقتصادية تتجاوز 50 مليار ريال.
  • الإعلام المرئي والسينما: يشكل البث التدفقي (OTT) نحو ثلثي قيمة القطاع في 2025، كما سجلت إيرادات السينما نموًا يفوق 20 ضعفًا منذ عام 2018، مما يعكس إقبالًا ضخمًا من المستهلكين.
  • الإعلانات الرقمية: تتنامي حصتها في معادلة الإعلان، ومن المتوقع أن تستحوذ المنصات الرقمية على 90% من الإنفاق الإعلاني بحلول عام 2029.
  • صناعة المحتوى الصوتي: يبرز البودكاست كقوة ناعمة بالغة التأثير، حيث يستمع 60% من البالغين للبودكاست أسبوعيًا، بالإضافة إلى تسجيل نمو في الفعاليات الموسيقية الحية بنسبة 600%.
  • مرونة وحوافز ومسارات استثمارية

تقدم قطاعات الإعلام المختلفة فرصًا استثمارية متميزة في المملكة، حيث تستحوذ السعودية على نحو 30% من سوق الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفقًا لبيانات موقع “Statista” المتخصص في الإحصاءات.

وتتمتع المملكة بمرونة تنظيمية، وتوفر حوافز مالية لا منافس لها، فعلى صعيد المرونة انخفض زمن الموافقة على التراخيص بأكثر من 50%. كما أطلقت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام مبادرات مثل ترخيص “موثوق” لتعظيم الامتثال في اقتصاد المؤثرين. وفيما يتعلق بالحوافز تتيح استردادًا نقديًا يصل إلى 40% من تكاليف إنتاج الأفلام، وهي نسبة تتفوق على منافسين إقليميين ودوليين.

بالإضافة إلى ذلك، فإن أي مستثمر في مجال الإعلام يضع نصب عينيه بُعدين رئيسيين، هما وجود جمهور مستهلك نشط وحالة من الثقة في الإعلام، وهنا تتمتع المملكة بميزة تنافسية حيث 71% من السكان دون سن 35 عامًا، مما يخلق “جمهورًا رقميًا عريضًا يعزز الطلب على المحتوى الأصيل، كما أن ثقة الجمهور السعودي في الإعلام المحلي أكثر من الدولي توفر بيئة خصبة للمعلنين لبناء ولاء طويل الأمد للعلامات التجارية، حيث تشير إحدى الدراسات إلى أن 66% من الجمهور يثقون بالإعلام المحلي أكثر من الإعلام الدولي.

بالإضافة إلى ذلك، تولد الشراكات الاستراتيجية عبر الإنتاج والبنية التحتية وتنمية المواهب والتمويل والتقنية، فرص المشاركة والنمو طويل الأجل، وتشمل هذه المسارات:

  • التطوير المشترك للمحتوى: بالشراكة مع جهات سعودية لتوسيع إنتاج الأفلام والموسيقى والإعلام الرقمي باللغة العربية.
  • شراكات البنية التحتية: الاستثمار في الاستوديوهات ودور السينما ومرافق الألعاب المتوافقة مع المشاريع العملاقة.
  • التعاون في تنمية المواهب: العمل مع المؤسسات الأكاديمية وقادة الصناعة لتعزيز التعليم الإعلامي والتدريب المهني.
  • الاستثمار الرأسمالي: تقديم حلول تمويل مخصصة لدعم الإنتاج والتوزيع ومشاريع الإعلام الناشئة.
  • الابتكار والتقنية: التعاون في التقنيات الرقمية المتقدمة وتقنيات الإنتاج لمواكبة التحول في القطاع.
  • الفاعلية الدولية للإعلام والترفيه: الاستفادة من عوائد الرعاية وحقوق البث وإنفاق الزوار بما يعزز العائد الاستثماري للقطاع.
  • فرص غير مستغلة

في المقابل، يسلط التقرير الضوء بشفافية على تحديات هيكلية تمثل في جوهرها فرصًا استثمارية غير مستغلة تنتظر من يقتنصها، وهي كالتالي:

  • توطين الإنتاج: يتم حاليًا إنتاج نحو 90% من محتوى الفيديو العربي خارج المملكة، وهذه الفجوة تمثل فرصة ذهبية لإنشاء استوديوهات محلية ومراكز إنتاج متقدمة.
  • المهارات المتخصصة: هناك نقص حاد في كفاءات المؤثرات البصرية (VFX)، والدبلجة، وما بعد الإنتاج.
  • الوساطة التسويقية: غياب المنصات الوسيطة التي تربط المبدعين بالمعلنين والناشرين، مما يعيق تحقيق الإيرادات بسلاسة.

وختامًا، يمكن القول إن المملكة العربية السعودية أصبحت وجهة رئيسية للمستثمرين في قطاع الإعلام بفضل ما تمتلكه من مقومات لتمكين نهضة تلك الصناعة من بنية تحتية وأطر تنظيمية ميسرة، وقوة تأثير في المحيط الإقليمي.

زر الذهاب إلى الأعلى