ترجمات

الدبلوماسية في عصر الرقمنة

تُعد الدبلوماسية من أقدم الأدوات التي استخدمتها الحكومات لإدارة علاقاتها الدولية. وتختلف العلاقات الدبلوماسية في القرن الـ 21 اختلافًا كبيرًا عن تلك التي كانت سائدة في القرن الـ 17 ففي ذلك الوقت، كان مبعوثو الملوك يجوبون العالم لتسليم الوثائق أو نقل الأخبار المهمة إلى حكام الدول الأخرى، فضلًا عن مناقشة العلاقات بين البلدين.

أما اليوم، فلا يحتاج رؤساء الدول حتى إلى مغادرة مكاتبهم للتعبير عن أفكارهم أو نواياهم، إذ يُمكنهم القيام بذلك عبر خطاب في وسائل الإعلام أو منشور على الإنترنت، ليُصبح العالم بأسره على دراية فورية بنوايا دولة معينة في سياستها الخارجية. ومع ذلك، تواجه الدبلوماسية والعلاقات الدولية اليوم تحدياتٍ جمّة، كتعقيد القضايا العالمية وسرعة تدفق المعلومات، بحسب مركز هيرميس للدراسات الأوروبية.

وقد أدى هذا التحول الذي طرأ على الدبلوماسية بفعل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإنترنت إلى ظهور مصطلحات معقدة ومتطورة، فبينما كانت مصطلحات مثل “الدبلوماسية الإلكترونية” و”الافتراضية” و”السيبرانية” و”الرقمية” تستخدم في البداية بشكل مترادف، اكتسبت تدريجيًا معاني أكثر دقة.

وبحسب المجلة الدولية للدبلوماسية السيبرانية، يمكن استخدام الدبلوماسية الرقمية في طيف واسع من الأنشطة الدبلوماسية، بما في ذلك الدبلوماسية العامة، والدبلوماسية الثقافية، والدبلوماسية الاقتصادية، والدبلوماسية السياسية. كما أنها تُثير تساؤلات حول دور التقنيات الرقمية في تشكيل العلاقات الدولية، مثل إمكانية المنصات الرقمية في تيسير حل النزاعات، وتعزيز حقوق الإنسان، وتنمية التعاون الدولي.

  • “الدبلوماسية الرقمية”

وفقًا لمؤسسة “ديبلو- Diplo” غير الربحية المعنية بتحسين الحوكمة العالمية، يشير مصطلح “الدبلوماسية الرقمية” إلى استخدام التقنيات الرقمية، ولا سيما الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، في الأنشطة الدبلوماسية وتحقيق أهداف السياسة الخارجية. كما أنه يشمل نطاقًا واسعًا من الممارسات، بما في ذلك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل، وعقد الاجتماعات والمفاوضات الافتراضية، وإنشاء منصات رقمية للدبلوماسية العامة والتبادل الثقافي.

وقد اتسع نطاق مصطلح “رقمي” ليشمل استراتيجيات حكومية واقتصادية متنوعة تتناول الآثار المجتمعية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وازدادت شعبيته بالتزامن مع النقاشات الدائرة حول “الفجوة الرقمية”. كما تؤكد مبادرات رئيسية مثل “استراتيجية السوق الرقمية الموحدة” للاتحاد الأوروبي و”الدبلوماسية الرقمية” للمملكة المتحدة على أهميته.

ويُعتبر مصطلح “رقمي” أوسع نطاقًا من المصطلحات الأخرى. فهو لا يقتصر على تطبيقات محددة أو قضايا أمنية فحسب، بل يشمل التحول الاجتماعي والاقتصادي الكامل الذي تقوده هذه التقنيات، بما في ذلك البنية التحتية والاقتصاد والحوكمة والحقوق والدبلوماسية. وتجعل دلالته المحايدة نسبيًا، مقارنة بمصطلح “السيبراني” الذي يركز على الأمن، مناسبًا لصياغة سياسات طموحة واستشرافية.

وقد أثر التحول الرقمي في الدبلوماسية عبر ثلاثة مجالات تتمثل في الجغرافيا السياسية المتطورة للدبلوماسية، وظهور مواضيع جديدة على جداول الأعمال الدبلوماسية، واعتماد أدوات جديدة في الممارسة الدبلوماسية.

  • الجغرافيا السياسية الرقمية بيئة جديدة للأنشطة الدبلوماسية

أحدثت التكنولوجيا الرقمية تحولًا جذريًا في الدبلوماسية الدولية. ولا يقتصر هذا التحول على كيفية تواصل الدول فحسب، بل يمتد ليشمل المصالح الأساسية التي يتعين عليها حمايتها اليوم. ومن الأمثلة على هشاشة الوضع الراهن ما حدث عندما تسببت أضرار لحقت بكابلات بحرية قرب البحر الأحمر في تعطيل الأعمال التجارية في الشرق الأوسط والهند، حيث أظهر هذا الحادث مدى اعتماد الاقتصادات على تدفق البيانات، فعندما تتعطل الأنظمة الرقمية تكون العواقب وخيمة.

ورغم أن الإنترنت يبدو افتراضيًا، إلا أنه يعتمد على بنية تحتية مادية؛ إذ يمر حوالي 90% من حركة الإنترنت العالمية عبر كابلات بحرية. وتُعد مسارات مهمة كقناة السويس ومضيق ملقا حيوية للتجارة والاتصالات الرقمية. وتُبرز النزاعات الحالية في مناطق كالبحر الأحمر المخاطر الأمنية التي تُهدد هذه المسارات الرقمية.

بالإضافة إلى ذلك، أدى صعود الاقتصاد الرقمي إلى تغيير ديناميكيات القوة العالمية، إذ باتت القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا تُعادل أو حتى تفوق الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول. وعلى هذا النحو أصبحت المراكز التكنولوجية مثل وادي السيليكون لا تقل أهمية عن المراكز الدبلوماسية التقليدية.

وإدراكًا لهذه الأهمية، أنشأت أكثر من 70 دولة مكاتب دبلوماسية في وادي السيليكون. كما تُظهر دراسة “ديبلو” بعنوان “صعود الدبلوماسية التكنولوجية في منطقة خليج سان فرانسيسكو”، أن أكثر من 50 دولة تعمل على تطوير تمثيلها في المنطقة، إما عبر قنصليات تقليدية في سان فرانسيسكو أو عبر أشكال تمثيل جديدة مثل شبكة “سويسنكس” السويسرية وهي شبكة من المراكز التعليمية والبحثية والابتكارية والفنية تهدف إلى ربط سويسرا بمراكز الابتكار العالمية.

  • قضايا جديدة على جدول الأعمال الدبلوماسية

تتداخل السياسة الخارجية التقليدية بشكل متزايد مع طيف واسع من القضايا الرقمية التي تتطلب معرفة تقنية ومهارات تفاوضية دقيقة. وتشمل مجالات التركيز الرئيسية الأمن السيبراني، حيث يتعين على الدول مراعاة المعايير والبروتوكولات الخاصة بالسلوك المسؤول على الإنترنت، وحوكمة البيانات التي تتناول كيفية جمع البيانات الشخصية والوطنية وتخزينها واستخدامها عبر الحدود. ومن الجوانب الحاسمة الأخرى حوكمة الإنترنت، التي تشمل البنية التحتية والمعايير التي تضمن استمرار عمل الإنترنت العالمي.

كما يزداد انخراط الدبلوماسيين في صياغة قواعد التجارة الإلكترونية، لضمان ممارسات تجارية عادلة والوصول إلى الأسواق الرقمية. وقد أثار صعود الذكاء الاصطناعي تساؤلات ملحة بشأن المعايير الأخلاقية والأطر التنظيمية والتعاون العالمي، لا سيما فيما يتعلق بمواءمة الذكاء الاصطناعي مع القيم الإنسانية والقانون الدولي. علاوة على ذلك، يُسلط الضوء على البعد الرقمي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الخصوصية وحرية التعبير والحماية من التمييز على الإنترنت.

ورغم أن هذه الحقوق متجذرة في المعايير الدولية التقليدية، فإنها تتطلب تفسيرات وحماية مُحدثة لتلائم البيئة الرقمية. لذا، تطورت السياسة الخارجية الرقمية من كونها مجالًا متخصصًا إلى عنصر أساسي في العلاقات الدولية، مما يستلزم خبرات متعددة التخصصات ونهجًا تعاونيًا بين الدول وكيانات القطاع الخاص والمجتمع المدني.

ويواجه الدبلوماسيون تحديات متزايدة في مجال السياسة الرقمية أثناء سعيهم إلى تعزيز مصالح بلدانهم. ويتعين على السياسة الخارجية الرقمية، وفقًا لتصنيف “ديبلو”، معالجة أكثر من 50 قضية في السياسة الرقمية، مُصنفة ضمن 7 محاور رئيسية: التكنولوجيا والأمن وحقوق الإنسان والاقتصاد والتنمية والقانون والجوانب الاجتماعية والثقافية. حيث ترتبط هذه القضايا بشكل أساسي بالإنترنت والحوكمة الرقمية، ويُعد استخدام مصطلحات واضحة أمرًا بالغ الأهمية لفهم هذا المجال.

  • أدوات رقمية جديدة للدبلوماسية

تُحدث الأدوات الرقمية تحولًا جذريا في الدبلوماسية، إذ تتجاوز كونها مجرد وسائل مساعدة تكميلية لتُعيد تشكيل كيفية سير الأنشطة الدبلوماسية، والبيئة التي تعمل فيها، والمواضيع التي يتناولها الدبلوماسيون. وهذه الأدوات التي تتراوح بين مؤتمرات الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي للتفاوض والتمثيل والدبلوماسية العامة، إلى تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي لتحليل السياسات وإدارة الأزمات، تُعزز ممارسات دبلوماسية أكثر مرونة وشمولية وكفاءة.

  • دبلوماسية زووم

خلال جائحة “كوفيد-19″، تحولت الدبلوماسية إلى الإنترنت عبر منصات المؤتمرات مثل زووم. مع ذلك، فإن الاجتماعات عبر الإنترنت ليست جديدة كما قد يظن البعض. عُقدت أول جلسة مشاركة عبر الإنترنت في الدبلوماسية متعددة الأطراف من قِبل الاتحاد الدولي للاتصالات عام 1963. ومنذ ذلك الحين، أتاح توفر الإنترنت في قاعات المؤتمرات إمكانية المشاركة عن بُعد، مما يُسهم في مفاوضات دولية أكثر شمولية وانفتاحًا.

وللاجتماعات عبر الإنترنت مزايا وعيوب عديدة. وكما أظهرت أزمة الجائحة، فإنها تُوفر استمرارية العمل وتزيد من الشمولية من خلال السماح بالمشاركة دون الحاجة إلى الحضور الشخصي، وهو أمر غالبًا ما يكون مشروطًا بتكاليف السفر وغيرها. ومن أبرز سلبيات الاجتماعات عبر الإنترنت غياب التواصل المباشر، وهو أمر بالغ الأهمية لبناء الثقة والتعاطف، وهما عنصران أساسيان للتعامل، على وجه الخصوص، مع القضايا الخلافية والسياسية.

  • توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في الدبلوماسية العامة

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة أساسية في الدبلوماسية العامة، إذ تُمكن الدول والمنظمات من التواصل المباشر مع الجماهير الأجنبية دون المرور بوسائل الإعلام التقليدية. وتوفر هذه الوسائل سرعة في التواصل، وانتشارًا واسعًا، وفرصة للتفاعل. وتستخدم الحكومات منصات مثل إكس وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب لنشر المعلومات وتشكيل التصورات، وبناء الثقة، وتعزيز الحوار.

كما تُسهّل وسائل التواصل الاجتماعي عملية الاستماع الاجتماعي، حيث يستطيع الدبلوماسيون رصد الرأي العام، والتواصل مع المؤثرين، والرد السريع على المعلومات المضللة، مما يجعلها قناة اتصال ثنائية الاتجاه فعّالة تفتقر إليها الدبلوماسية التقليدية في كثير من الأحيان.

ومع ذلك، ينطوي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الدبلوماسية العامة على مخاطر جسيمة. يتمثل أحد أبرز التحديات في انتشار المعلومات المضللة والمغلوطة، التي قد تقوّض الجهود الدبلوماسية وتضر بالمصداقية. على سبيل المثال، خلال جائحة كوفيد-19، انتشرت روايات كاذبة حول سلامة اللقاحات ومصدرها على منصات التواصل الاجتماعي، مما زاد من تعقيد الدبلوماسية والتعاون الصحي الدولي.

ومن المخاطر الأخرى احتمال سوء الفهم أو التصعيد؛ إذ يمكن لمنشور غير موفق من حساب رسمي أن يشعل فتيل التوترات الدبلوماسية. إضافة إلى ذلك، فإن منصات التواصل الاجتماعي عُرضة للاختراق وانتحال الشخصية والتلاعب من قِبل جهات معادية. وتُبرز هذه المخاطر الحاجة إلى استراتيجية دقيقة، ومعرفة رقمية شاملة لدى الدبلوماسيين، وإجراءات أمن سيبرانية فعالة.

زر الذهاب إلى الأعلى