أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياة الكثيرين منا اليوم، وهو ما يضعنا أمام عدة تساؤلات، هل تحسنت حياتنا بفضلها أم أنها سيطرت عليها؟ هل يمنحنا الوجود عليها السعادة أم تجعلنا نتساءل عما إذا كانت حياتنا ستكون أفضل بدونها؟
في الواقع، تكمن المشكلة غالبًا في إدماننا وسائل التواصل الاجتماعي أو عجزنا عن تركها والعيش في حياتنا الحقيقية، كما أن الكثير مما نراه على الإنترنت لا يمثل الواقع بدقة، وما نشاركه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس حياتنا الحقيقية عادة.
وثمة العديد من الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا، فقد تُقلل من سعادتنا، وتجعلنا لا ننظر إلى ما في أيدينا من نعم، أو تُهدر وقتنا الثمين إذا سمحنا لها بذلك، أو تُؤدي إلى خلافات مبنية على سوء فهم أو كلمات جارحة، وقد تُقلل من نجاحنا في الحياة بتشتيت انتباهنا عن أهدافنا المهمة، وقد تُضيع الوقت الذي يجب قضاؤه مع محيطنا الأسري.
- الاستنزاف الرقمي
ووفقا لتقرير نشره موقع “abridged” الإخباري، فإن الطابع الرقمي الذي يُهيمن على حياتنا اليومية يُقوض قدرتنا على الشعور بالسعادة بطرق لا نُدركها في أغلب الأحيان، فقد أشارت دراسة أُجريت عام 2015 نشرتها مجلة علم النفس التجريبي إلى أن الاستخدام السلبي لفيسبوك، أو ما يُعرف بـ”التصفح السلبي” أو التصفح بدافع الملل، يُؤدي إلى تراجع الصحة العامة، بينما أكدت دراسة أخرى أوردتها مجلة علم النفس الاجتماعي والسريري عام 2018 أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لأكثر من نصف ساعة يوميًا يُسهم في زيادة الشعور بالوحدة والاكتئاب.
ولا يقتصر الأمر على وسائل التواصل الاجتماعي فقط. فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت عام 2016 أن وجود الإشعارات على هواتفنا يُسبب قلة الانتباه والتركيز، بينما وجدت دراسة نشرتها مجلة “الحاسوب في السلوك البشري” عام 2019 أن إيقاف إشعارات التطبيقات تمامًا يُؤدي في الواقع إلى ارتفاع معدلات القلق لدى بعض المشاركين لأنهم شعروا بأنهم قد يُفوتون رسالة مهمة. وهو ما يدفعنا للتساؤل: ما الحل؟ وجد العلماء في الدراسة نفسها أن تجميع الإشعارات معًا حوالي ثلاث مرات يوميًا يُعد الحل الأمثل لتقليل وقت استخدام الشاشة دون زيادة القلق.
ومن الممارسات الشائعة لتجميع الإشعارات وضع هاتفك على وضع “عدم الإزعاج” والتحقق منه بضع مرات فقط خلال اليوم. وتشير الأبحاث إلى أنه بعد بضعة أيام فقط، ستشعر بانخفاض في عدد مرات التحقق من هاتفك دون وعي، وانخفاض في مستويات الدوبامين، وزيادة في التركيز على ما تفعله.
- تجنب الشعور بعدم الراحة كوسيلة للحماية الذاتية
على مرّ العصور، اعتمد بقاء الإنسان في الطبيعة على أنظمة عصبية لرصد الخطر من الحيوانات المفترسة والتهديدات الطبيعية. ورغم أن معظمنا لم يعد مضطرًا لحماية نفسه من الحيوانات المفترسة يوميًا، فإن هذه الأنظمة لا تزال موجودة فينا.
غالبًا ما تُستغل هذه الأنظمة نتيجة الخلط بين الشعور بعدم الراحة والخطر في المواد الكيميائية للدماغ، حيث نتجنب الأشياء التي تُشعرنا بعدم الراحة، ونميل إلى اعتبار هذا الشعور دليلًا على وجود تهديد مُتوهم وعندما نشعر بعدم الراحة، ينشط دماغنا البدائي.
وتجدر الإشارة هنا إلى دور كل من “اللوزة الدماغية- Amygdala” وهي نظام للإنذار المبكر للدماغ، لا يُميز بين الصراع والشك والخطر الجسدي، لذا يعالج هذه الأمور بالطريقة نفسها. بالإضافة إلى الجزيرة الدماغية، وهي تشير إلى الجزء من الدماغ الذي يُراقب الحالات الجسدية الداخلية كالجوع والمرض.
ويؤدي تسجيل الخطر هذا إلى تعطيل قشرة الفص الجبهي، التي من خلالها نشكل وجهة نظرنا، ونُهدئ أنفسنا، ونُفكر على المدى البعيد. وقد أكدت دراسة حول تقبّل المشاعر مقابل كبتها هذه الفكرة. فقد وجدت الدراسة أن المشاركين الذين تقبّلوا مشاعرهم بدلاً من كبتها شهدوا انخفاضًا في نشاط أنظمة الاستجابة للضغط النفسي، مما أعاد تنشيط هذه الأنظمة لتجربة عاطفية متوازنة، بما في ذلك المشاعر الإيجابية. لهذا السبب نشعر غالبًا براحة كبيرة عندما نقرر خوض محادثات صعبة أو مواجهة مواقف صعبة في حياتنا، مقارنًة بالشعور بالتوتر والقلق والاكتئاب عندما لا نفعل ذلك.
- شراء وسائل العناية بالنفس أم ممارستها
يؤكد العلم أن الممارسات تتفوق على الشراء في مجال العناية بالنفس. وتشير دراسة أجريت عام 2015 إلى هذا التحذير بأدلة تشير إلى أن ممارسة التعاطف مع الذات تتجاوز مجرد تحسين المزاج؛ فهي نظام يُعيد برمجة دوائر الدماغ المسؤولة عن فهم المعنى، بينما تعمل وسائل العناية بالنفس كزيارات المنتجعات الصحية أو الإجازات، بشكل أساسي عن طريق رفع مستوى الدوبامين مؤقتًا، ولا تُحدث نفس التأثيرات الدائمة على الصحة النفسية والرفاهية.
وكما هي الحال مع جهاز المناعة الجسدي، يجب علينا ممارسة التعاطف مع الذات من أجل “تقوية جهاز المناعة النفسي”. ولكن ما التعاطف مع الذات؟ وكيف نمارسه؟ التعاطف مع الذات هو اختيار الاعتراف بإنسانيتك في مواجهة ألمك أو أخطائك، والعمل على تحقيق الاستقرار بلطف بدلا من مهاجمة نفسك أو الشعور بالخجل منها.
قد يبدو هذا كأن تُسمي شعورًا ما أو تُدرك الجانب الإنساني في لحظة ارتكابك خطأ بدلًا من لوم نفسك، وهنا خاطب نفسك كما تُخاطب صديقًا مُقربًا في الموقف نفسه. بعبارة أخرى، إن التعاطف مع الذات هو ممارسة تقبل الذات وعدم معاقبتها، ومسألة تستغرق وقتًا لتصبح عادة.
وأخيرًا، إن أدمغتنا لا تُخبرنا دائمًا بالحقيقة، خاصة عندما تسعى إلى تجديد مخزونها من الدوبامين أو غيره من المواد الكيميائية العصبية، لذلك فإن فهم كيف تُسرق فرحتنا بهدوء هو السبيل الذي نتعلم من خلاله حمايتها.



