ربما سمعت مصطلح “تعفن الدماغ- Brain Rot” ينتشر على الإنترنت، خاصة بعد أن اختارته مطبعة جامعة أكسفورد كلمة العام في 2024. ورغم أنه قد يوحي بحالة صحية ضارة، فإن العبارة تصف التشوش الذهني الذي يعاني منه الكثيرون بعد استهلاك المحتوى الرقمي، حيث التصفح اللانهائي ومشاهدة المسلسلات والأفلام بشراهة دون وعي.
ووفقا لشبكة “Inspira Health” للرعاية الصحية، يعكس “تعفن الدماغ” قلقًا متزايدًا بشأن تأثير عاداتنا الرقمية على الصحة النفسية والإدراكية، وفيما يلي استعرضت الشبكة تقريرًا حول تلك الظاهرة والمخاطر المترتبة عليها وأساليب الوقاية منها.
- ما تعفن الدماغ؟
وفقًا لطبيبة الأعصاب الدكتورة سوزان لوتكوفسكي، فإن تعفن الدماغ يقصد به الآثار السلبية للإفراط في التعرض للمحتوى الإلكتروني السطحي والمتكرر أو المحفز بشكل مفرط، حيث تُشير هذه الآثار إلى مخاوف مشروعة بشأن كيفية تأثير الاستهلاك الرقمي على صحة أدمغتنا.
وعلى الرغم من أن تعفن الدماغ ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا، فإنه يلقى صدى لدى الكثيرين كطريقة لوصف الإرهاق الرقمي وتأثيره السلبي على الوظائف الإدراكية. قد يكون تعفن الدماغ مرتبطًا بعادات تُرهق أنظمة المكافأة في أدمغتنا. إذ توضح الدكتورة لوتكوفسكي أن المنصات الإلكترونية تحتوي على خوارزميات مصممة لإبقائنا نشطين ومتفاعلين، مما يدفع الدماغ إلى إفراز دفعات قصيرة من الدوبامين (مادة كيميائية في الدماغ مسؤولة عن الشعور بالمكافأة والسعادة) مع كل إعجاب أو مشاركة أو مقطع فيديو مضحك. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤثر هذا النوع من التحفيز المستمر على الصحة الإدراكية للفرد.
- ما آثار تعفن الدماغ؟
لا يقتصر تأثير التعرض المطول للمحتوى الرقمي الرديء على الشعور بالخمول في اللحظة الراهنة، بل قد يمتد ليشمل آثارًا طويلة الأمد:
- انخفاض مدى الانتباه: قد يُصعّب المحتوى الإلكتروني السريع والمختصر التركيز على المهام الطويلة والمعقدة.
- الإرهاق الذهني: قد يؤدي إرهاق الدماغ بالمعلومات حتى وإن كانت سطحية إلى الشعور بالاستنزاف الذهني وانخفاض الإنتاجية.
- ضعف الذاكرة: قد يؤثر تشتت الانتباه المستمر بين المشتتات الرقمية على القدرة على استيعاب المعلومات المهمة واسترجاعها.
- زيادة القلق والتوتر: قد يؤدي استهلاك الأخبار السلبية على الإنترنت والمعروف أيضًا بالتصفح السلبي إلى رفع مستويات التوتر وزيادة الشعور بالقلق.
وتجدر الإشارة إلى أن التأثير لا يقتصر على من يقضون ساعات طويلة أمام شاشاتهم يوميًا، بل حتى التعرض المعتدل لـ”المحتوى الرديء” قد تكون له آثار سلبية، خاصة إذا أصبح عادة يومية.
- كيفية الوقاية من تعفن الدماغ
مع أنه من شبه المستحيل التخلص تمامًا من الوسائط الرقمية، إلا أن هناك خطوات عملية يمكنك اتخاذها للحفاظ على صحتك الذهنية:
- انتقاء المحتوى بعناية: كن واعيًا لما تستهلكه عبر الإنترنت. تابع الحسابات والمنصات التي تقدم محتوى هادفًا، تعليميًا، أو مُلهمًا. وتجنب المصادر المعروفة بنشر المعلومات المضللة، أو السلبية، أو عناوين الإثارة الرخيصة.
- أخذ فترات راحة منتظمة: اتبع قاعدة 20-20-20، فلكل 20 دقيقة تقضيها أمام الشاشة، خذ استراحة لمدة 20 ثانية وانظر إلى شيء يبعد عنك مسافة 20 قدمًا.
هذه الممارسة تساعد على تقليل الإرهاق الرقمي وتحسين تركيزك بشكل عام.
- تحديد وقت لاستخدام الشاشة: توفر العديد من الأجهزة والتطبيقات أدوات مدمجة لمراقبة وقت استخدام الشاشة وتحديده. استخدم هذه الميزات لوضع حدود، خاصة لتصفح مواقع التواصل الاجتماعي أو مشاهدة الفيديوهات.
- ممارسة أنشطة غير متصلة بالإنترنت: وازن بين حياتك الرقمية وهواياتك، أو ممارسة الرياضة، أو التفاعلات الشخصية لتوفير التنوع الذي يحتاجه عقلك لينمو ويزدهر.
- الاستهلاك الواعي: بدلًا من التصفح العشوائي، تعامل مع المحتوى الإلكتروني بوعي وهدف. حدد مسبقًا ما تريد قراءته أو مشاهدته، وتجنب الوقوع في فخ التوصيات التي لا تنتهي.
- إعطاء الأولوية للنوم: قد يؤدي النظر إلى الشاشات، خاصةً قبل النوم، إلى اضطراب أنماط النوم وزيادة الإرهاق الذهني. ضع لنفسك روتينًا قبل النوم يقلل من التعرض الرقمي لمساعدة دماغك على التعافي واستعادة نشاطه.
- العلاقة بين تعفن الدماغ والشيخوخة
على الرغم من أن تعفن الدماغ يرتبط غالبًا بالشباب المنغمسين في الثقافة الرقمية، فإن كبار السن ليسوا بمنأى عن تأثيرات الشاشات على الصحة الإدراكية. وبحسب الدكتورة لوتكوفسكي، قد يؤدي الإفراط في استخدام الشاشات وسوء العادات الرقمية إلى تفاقم التدهور الإدراكي المرتبط بالتقدم في السن.
وأوضحت لوتكوفسكي أن اتباع استراتيجيات للحفاظ على صحة الدماغ يُحسن الذاكرة والتركيز والقدرات الذهنية العامة، مشيرة إلى أن الحفاظ على الصحة الإدراكية مع التقدم في العمر يتطلب اتباع نمط حياة يُغذي الدماغ.
وتجدر الإشارة إلى أن الانخراط في أنشطة تُحفز العقل مثل حل الألغاز أو القراءة أو تعلم مهارة جديدة، يُمكن أن يُخفف من آثار الاستهلاك الرقمي، ويُعزز صحة الدماغ على المدى الطويل.
وختامًا، قد يكون مصطلح “تعفن الدماغ” شائعًا، لكن المخاوف التي يُثيرها حقيقية للغاية. ومن خلال الانتباه إلى عاداتك على الإنترنت، واتخاذ خيارات تدعم أهدافك الصحية، يُمكنك الاستمتاع بفوائد التكنولوجيا مع الحفاظ على ذهنك متيقظًا وقويًا.



