ترجمات

هل تُشكل العملات المشفرة أساسًا جديدًا للتمويل العالمي؟

يُشكل منتدى الاقتصادي العالمي في دافوس منصة مهمة لمناقشة وطرح الرؤى المتعلقة بمسار الاقتصاد والنظام المالي الدولي، وفي كلمته أمام المنتدى أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته في أن تكون أمريكا عاصمة العملات المشفرة في العالم، وتطلعه لإقرار المزيد من القوانين لدعمها. كما كشف تقرير لوكالة “بلومبرغ” الاقتصادية قبل ساعات من خطاب الرئيس الأمريكي أن عائلته حولت خُمس ثروتها البالغة 6.8 مليار دولار إلى عملات مشفرة، وهو مؤشر واضح على تزايد أهمية تلك العملات المشفرة وتقنية “البلوك تشين Blockchain-“، التي تعد العمود الفقري لتلك العملات.

وفي هذا الإطار، نشر المنتدى الاقتصادي العالمي مقالًا بعنوان “الأساس الجديد للتمويل العالمي: حوار بين البنوك وتقنية البلوك تشين”، يشير إلى أن النظام المالي يشهد تحولًا نحو التكامل، فالبنوك تتبنى بنية البلوك تشين التحتية، وتتطور هذه التقنية بدورها لتلبية احتياجات المؤسسات الخاضعة للرقابة والشركات العالميةـ والنتيجة ليست استبدالًا للنظام القديم أو قفزة نوعية نحو نظام جديد، بل هي تكامل حقيقي.

  • من التجارب إلى البنية التحتية

حدثت الموجة الأولى من تبني العملات الرقمية خارج نطاق المؤسسات. وكانت محافظ البيتكوين معقدة، وبوابات الدخول إليها هشة، والمستهلكون يجربونها أولًا بينما ترددت المؤسسات لأسباب متوقعة: قواعد غير واضحة، وحماية محدودة، وبنية تحتية غير مصممة للبيئات الخاضعة للتنظيم.

وتغير هذا الوضع عندما تدخلت الجهات التنظيمية بتوجيهات أكثر وضوحًا. ففي الولايات المتحدة، دفعت رسائل مبكرة من مكتب مراقب العملة والاحتياطي الفيدرالي البنوك إلى توخي الحذر.

في المقابل، توضح الإجراءات الأخيرة كيف يمكن للبنوك دمج الأصول الرقمية بأمان والإشراف عليها بشكل مناسب.

أما أوروبا فخطت خطوة أبعد مع إطار عمل تنظيم أسواق الأصول المشفرة وهو نظام ترخيص موحد يغطي الآن 450 مليون شخص، مما يخلق ذلك النوع من الاتساق التنظيمي الذي تحتاجه المؤسسات لبناء استراتيجيات متعددة السنوات.

وبينما فتحت تلك القواعد المحسّنة الباب، فإن مزودي البنية التحتية وسعوا نطاقه بشكل كبير، وأصبحت شركات البنية التحتية بمثابة النسيج الرابط بين البنوك والبتكوين.

  • لماذا تتحرك المؤسسات الآن؟

بعد سنوات من التجارب، أصبحت الظروف مهيأة أخيرًا للمؤسسات للانخراط بقوة، مدفوعة بعدة أسباب كالتالي:

  • استحالة تجاهل طلب العملاء

يمتلك ما يقارب من 55 مليون أمريكي عملات رقمية اليوم، وهذا العدد في ازدياد مستمر. تُظهر بيانات “زيروهاش- zerohash” (منصة رائدة في مجال البنية التحتية للعملات الرقمية)، المستقاة من 6 ملايين شخص عبر شبكة شركائها، أن المستخدمين يشترون بوتيرة أسرع، ويُجرون عمليات الشراء الأولى بسرعة أكبر، ويتبعون استراتيجية متوسطة ​​التكلفة بالدولار في هذه الفئة من الأصول.

كما يُعيد الأثرياء تشكيل التوقعات في مجال إدارة الثروات، حيث تكشف دراسة أخيرة للمنصة ذاتها امتلاك 61% من الأثرياء أصولًا رقمية، لكن 25% فقط يُجرون معاملاتهم عبر مستشاريهم. وقد قام 51% من المستثمرين ذوي الثروات الكبيرة بتحويل أصولهم من المستشارين الذين لا يُقدمون خدمات الأصول الرقمية.

  • العملات المستقرة أصبحت أول تطبيق عالمي لتقنية البلوك تشين

أصبحت العملات المستقرة أول تطبيق عالمي حقيقي لتقنية البلوك تشين، محولةً هذا الإنجاز التقني إلى شيء عملي للغاية. فهي تنقل القيمة فورًا عبر الحدود، متجاوزةً العديد من الوسطاء، مع توحيد القيمة. ويمكن ملاحظة هذا التحول في سلوك العملاء؛ فالمدفوعات العابرة للحدود منخفضة التكلفة، وتمويل الوساطة الفورية، وتسوية المعاملات التجارية الأسرع أصبحت سمات أساسية في المعاملات المالية اليومية. وبات تبني العملات المستقرة مؤشرًا على تحول أوسع: فالبنية التحتية المالية الأساسية بدأت تتغير.

  • التوكنة الرقمية لما وراء الدولار هي الأفق الجديد

لا تُقدّر المؤسسات التوكنة الرقمية -(عملية تحويل الحقوق أو الأصول المادية أو غير الملموسة إلى رموز رقمية “توكنات” آمنة وموحدة على سلسلة الكتل)-  لحداثتها بل لسرعتها التشغيلية حيث التحويل الفوري وقابلية البرمجة.  ولم تعد التوكنة الرقمية داخل البنوك وشركات التكنولوجيا المالية، تُعد تجربة.

  • إسهامات الأطراف في النظام المالي

يعتمد النظام المالي السليم على نقاط القوة المُكمّلة. وهذا النظام الجديد ليس استثناءً.

البنوك تُسهم بما يلي:

  • خبرة عميقة في إدارة المخاطر
  • أنظمة امتثال وإشراف متطورة
  • ثقة العملاء المتراكمة على مدى عقود
  • انتشار عالمي واسع النطاق

تقنية البلوك تشين تُسهم بـ:

  • قابلية البرمجة
  • تسوية فورية
  • تدفقات معاملات شفافة وقابلة للتحقق
  • هياكل تكلفة أقل للعمليات العالمية وذات الحجم الكبير

شركات البنية التحتية

تُسهل الربط بين البنوك وتقنية البلوك تشين، حيث توفر: تحليلات البلوك تشين، ومراقبة المعاملات والحفظ والسيولة، وأطر الترخيص التي تتوافق مع متطلبات المؤسسات.

  • تقنية البلوك تشين كبنية تحتية أساسية

إذا نظرنا إلى الصورة الأوسع، فسنجد أن أكثر التقنيات تأثيرًا هي تلك التي تختفي تدريجيًا. لا أحد يفكر في بروتوكول TCP/IP عند فتح متصفح، بل يتوقعون فقط تحميل الصفحات. ولا أحد يفكر في بروتوكولات GPS عند ظهور سيارة الأجرة، بل يفترضون دقة الموقع على الخريطة. ولا أحد يفكر في HTML أو CSS عند تصفح موقع ويب، بل يريدون فقط عرض الصفحة فورًا على أي جهاز.

تتجه تقنية البلوك تشين نحو نفس الاختفاء. وتُقدم العملات المستقرة لمحة عن ذلك. فالعديد من المنصات تُتيح الآن للعملاء تمويل حساباتهم فورًا بنقرة واحدة. لا يختار المستخدمون سلاسل الكتل، ولا يُدقّقون في العناوين، ولا يُفكّرون في رسوم المعاملات، إنهم يُجرون ببساطة تحويلًا بين الحسابات، تمامًا كما يفعلون مع أي خدمة رقمية أخرى.

وهكذا لن يهتم العملاء بوجود تقنية البلوك تشين، بل سيهتمون فقط بتحسين تجربة المستخدم.

  • أين ينبغي أن يركز القطاع المالي مستقبلاً؟

تعتمد المرحلة التالية للقطاع المالي على معايير عالمية أكثر وضوحًا وبنية تحتية ناضجة وموثوقة. ويُظهر تشريع أسواق الأصول الرقمية الذي أقره البرلمان الأوروبي كيف تُسرع القواعد الموحدة عملية التبني، مما يمنح المؤسسات الثقة اللازمة للتوسع.

كما تحتاج البنوك إلى بنية تحتية موثوقة. ويجب أن تبقى تجربة المستخدم بسيطة من خلال: مصادقة سهلة الاستخدام، ونماذج تجريدية واضحة، وتسجيل سلس. فعندما تصبح واجهة المستخدم سهلة الاستخدام، يمكن للتحول الجذري أن يترسخ.

وأخيرًا، يتجه القطاع المالي نحو مستقبل مشترك تشكله البنوك وتقنية البلوك تشين بالعمل جنًبا إلى جنب، وسيختبر العملاء ببساطة خدمات مالية أسرع وأكثر ترابطًا، مبنية على نقاط قوة كلا النظامين.

زر الذهاب إلى الأعلى