في خطوة تظهر تلاشي الحدود الفاصلة بين الإعلام الجديد والإعلام التقليدي، وتعكس تغيرات مفصلية في أسس صناعة الإعلام، أطلقت شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأمريكية مبادرة “CNN Creators”، التي تتضمن برنامجًا جديدًا مدته 30 دقيقة يُذاع أسبوعيًا، يقدمه فريق من منشئي المحتوى متعددي المنصات، لكل منهم خلفيته واهتماماته ومهاراته.
- طبيعة وأهداف برنامج “سي إن إن”
ووفقًا لبيان المحطة حول البرنامج، سيستكشف هؤلاء الرواة الرقميون الحوارات التي تجسّد روح العصر، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والفن والثقافة والرياضة والاتجاهات الاجتماعية.
في أوائل عام 2026، سيتخذ البرنامج شكله الدائم تحت اسم “CNN Creators”، وبالإضافة إلى البرنامج التلفزيوني، سيُنتج فريق البرنامج أيضًا محتوى واسع النطاق لموقع CNN.com وحسابات التواصل الاجتماعي التابعة للمحطة التلفزيونية.
وتشير ميرا إردوزين، نائب الرئيس الأول للبرامج الدولية في “سي إن إن” إلى أن برنامج “CNN Creators” يختلف عن أي برنامج أطلقته المحطة من قبل، موضحة أن هذه المبادرة الرقمية الجديدة والمثيرة ستعكس كيفية تفاعل الجمهور الشاب مع القصص، وستقدم محتوى جذابًا ومسليًا بطرق متعددة.
وأشارت إلى أنها ستركز على موضوعات وقصص إخبارية واقعية وذات صلة وواقعية، قائلة: “لقد جمعنا فريقًا رائعًا من الصحفيين الرقميين الذين سيعملون على تحديد هذه القصص ومناقشتها وسردها بفضول وإبداع وتعاون”.
- أسباب الاتجاه لاستقطاب صنّاع المحتوى
تدفع خطوة “سي إن إن” إلى التساؤل حول أسباب اتجاه وسائل الإعلام التقليدية نحو استقطاب صناع المحتوى، والإجابة بكل اختصار تكمن في نسب المشاهدة والإعلانات. فمع استمرار تراجع التفاعل مع وسائل الإعلام التقليدية، يلعب المؤثرون دورًا مهمًا في تشكيل النقاشات العامة، وفقًا لتقرير رويترز للأخبار الرقمية لعام 2025.
وقد أظهر تقييم أجرته شركة “WPP Media” الأمريكية أن المحتوى على منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام سيجذب دخلًا إعلانيًا خلال العام الحالي 2025 أكبر مقارنةً بمحتوى وسائل الإعلام التقليدية مما يُمثل “تحولًا ثقافيًا هائلًا” في عالم الإعلام.
ووجد التحليل أن المواد التي يُنشئها المستخدمون -مقاطع الفيديو والبودكاست والمنشورات- ستتفوق على عائدات الإعلانات التي تجذبها وسائل الإعلام الاحترافية التي تنتجها شبكات التلفزيون ودور السينما ومنصات الأخبار.
ويأتي ذلك بالتزامن مع زيادة حادة في دخل الإعلانات الذي يجذبه المحتوى الذي يُنتجه صنّاع المحتوى في ظل تغير عالمي هائل في عادات المشاهدة واستهلاك الوسائط. ومن المتوقع أن يسجل مُنشئو المحتوى زيادة في إيراداتهم من الإعلانات والصفقات مع العلامات التجارية والرعايات بنسبة 20% هذا العام وأن تتضاعف هذه الإيرادات لتصل إلى 376.6 مليار دولار بحلول عام 2030.
- تحديات الاعتماد على صناع المحتوى
ويمكن أن يتخذ اعتماد وسائل الإعلام التقليدية على صنّاع المحتوى أنماطًا متعددة منها الدخول معهم في شراكات لبث مشترك لمحتواهم عبر شاشات التلفاز وحساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي أو التعاقد معهم على تقديم برامج مستقلة تكون مملوكة بشكل حصري للوسيلة الإعلامية.
ويصاحب هذا الاعتماد على صناع المحتوى عدد من التحديات، فالمسألة ليست مجرد التعاقد مع صانع محتوى لتقديم برنامج، ويأتي في مقدمة التحديات قالب البرنامج إلى أي مدى يلائم طبيعة المحطة أو الشبكة التلفزيونية وكذلك صانع المحتوى، فعدم تحقيق تلك الملاءمة قد يفضي إلى نتائج عكسية.
أما التحدي الثاني فيتمثل في التزام صانع المحتوى بالضوابط والمعايير والأكواد التي تحكم البث التلفزيوني. بينما يتمثل التحدي الثالث في اجتذاب القاعدة الجماهيرية الخاصة بمنصات التواصل الاجتماعي، وهي مسألة غير سهلة على الإطلاق لأن أحد عوامل انجذاب الجمهور لتلك المنصات هي تحررهم من قيود الزمان والمكان واحتفاظهم بالقدرة على التحكم في المحتوى بالإعادة أو التصفح السريع. ويتمثل التحدي الرابع في التفاعلية والمشاركة والتغذية المرتدة وهي ميزة تتحقق بين المشاهد وصانع المحتوى عبر فضاءات التواصل الاجتماعي.
- دروس مستفادة في العمل الإعلامي
ولا يقتصر الاتجاه نحو تطوير وسائل الإعلام التقليدية لمواكبة التطورات الراهنة في الإعلام الجديد فقط على نمط الاستعانة بصناع المحتوى مثل الإعلاميين ومقدمي البرامج، ولكن يشمل أيضًا استلهام أسلوب عمل صناع المحتوى، حيث استعرض تقرير للرابطة الدولية لوسائل الإعلام الإخبارية ثلاثة دروس مستفادة يجب للإعلاميين والصحفيين تعلمها من صناع المحتوى وهي كالتالي:
- بناء الثقة بالأصالة: يضع صناع المحتوى أنفسهم في صميم عملهم، حيث يعرف جمهورهم صوتهم وقيمهم ونظرتهم للحياة، وهذا ما يعزز ولاءهم. وهنا لا يتعلق الأمر بالتنازل عن موضوعية الصحافة، بل بإظهار الأصالة، فعندما يُظهر الصحفيون مسارهم ودوافعهم، وحتى جانبهم الإنساني (مقاطع ومنشورات من وراء الكواليس)، فإن ذلك يعزز التواصل والثقة مع الجمهور.
- التفاعل مع جمهورك: يتفاعل صنّاع المحتوى باستمرار في التعليقات والرسائل والمحادثات المباشرة، ويعاملون جمهورهم كمتعاونين، وليسوا مجرد مستهلكين. بينما غالبًا ما تكون الصحافة والإعلام حوارًا أحادي الاتجاه، لهذا يجب التوجه نحو الحوار والرد وطرح الأسئلة ودمج آراء الجمهور، فهكذا نبني مجتمعًا، وليس مجرد قرّاء أو مشاهدين.
- تطوير أساليب سرد القصص: يُصمم صناع المحتوى مواد تلائم كل منصة كمقاطع الفيديو القصيرة والجذابة لتيك توك، والمقاطع المُطولة على يوتيوب، لذلك يجب تقديم القصص بطرق تُناسب أماكن تقديمها والتكيف مع القالب الذي يتم التقديم من خلاله.
وختامًا، يمكن القول إن تجربة استعانة المحطات التلفزيونية بصناع المحتوى وانتقالهم من عالم التواصل الاجتماعي إلى شاشات التلفاز ما زالت في طور الاختبار ومن السابق لأوانه الحكم عليها، إلا أن نجاح تلك التجربة يتطلب التغلب على التحديات السالف ذكرها وتحويلها إلى فرص تعزز من تلك العملية التكاملية بين الإعلام التقليدي والجديد.



