الحوكمة كمدخل لتطوير المؤسسات الإعلامية

الحوكمة كمدخل لتطوير المؤسسات الإعلامية

مركز القرار

  • الحوكمة كمدخل لتطوير المؤسسات الإعلامية

تُعد صناعة الإعلام واحدة من الصناعات التي شهدت خلال السنوات القليلة الماضية قفزات كبرى بفعل التطور الرقمي وتقدم وسائل وتكنولوجيا الاتصال، ورافق ذلك تحديات تواجه المؤسسات الإعلامية، سواء على صعيد جودة المنتج الإعلامي والمحتوى المقدم للجماهير، ومدى تحقيقه للمعادلة الصعبة المتمثلة في رضا الجمهور وإشباع رغباته، وجذب المعلنين لتأمين مصادر تمويل تفي بمتطلبات التطوير ومواكبة المستجدات، وكذا الالتزامات المادية للإنفاق التشغيلي، وعلى رأسها الأجور والرواتب للعاملين، ومع التعثر المالي الذي بات قضية عامة تلاحق المؤسسات الإعلامية في كل أرجاء العالم، تعددت المداخل الخاصة بتطوير وتحسين أداء المؤسسات، ويأتي على رأس تلك المداخل تطبيق الحوكمة على هيكل المؤسسة ومختلف إداراتها الصحفية والفنية والإدارية المعاونة.
أهمية حوكمة وسائل الإعلام
يتناول مفهوم حوكمة وسائل الإعلام السياسات الإعلامية، والقواعد القانونية المنظمة، ونظم الملكية وإنتاج المحتوى ومناهج التطوير والتحديث، وكذلك المشاركة المجتمعية وأساليب اتخاذ القرار بما يتماشى مع الصالح العام، وتحليل مدى قوة وتأثير المؤسسات الإعلامية محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا.
وتتمثل أهمية الحوكمة في قدرتها على تقييم الوضع الراهن، ووضع حلول جذرية للمشاكل الموجودة في المؤسسات الإعلامية وصياغة نظام اجتماعي جديد في إطار الوظيفة التي تقوم بها المؤسسة في المجتمع، حيث إن الحوكمة الإعلامية تسعى إلى المحافظة على استقلالية المؤسسات، مما يمكنها من اتخاذ وصناعة القرار بما يتوافق مع مصلحتها، وبما يخدم أهداف المجتمع من تقديم محتوى إعلامي موضوعي غير متحيز، مما يضع الأفراد أمام الحقائق المجردة.
ومن جهة أخرى، تنمي الحوكمة الشعور داخل المؤسسة الإعلامية بالمسؤولية الاجتماعية، وتضمن تحقيق الجودة في أداء المؤسسة إعلاميًّا وإداريًّا، وهي مسألة تستدعي تقييمًا مستمرًّا للأنشطة والممارسات بما يتوافق مع السياسات والاستراتيجيات الموضوعة مسبقًا.
عوامل نجاح الحوكمة داخل المؤسسات الإعلامية
وفقًا لدراسة نشرتها المجلة العلمية لبحوث الإذاعة والتلفزيون، يقوم تطبيق الحوكمة داخل المؤسسات الإعلامية على مجموعة من الركائز في مقدمتها الشفافية في إصدار القوانين والإفصاح بشكل مستمر عن السياسات والقوانين المتبعة، مما يعد حائلًا دون انتشار الفساد، وكذلك الانفتاح على اتجاهات الجمهور الداخلي للمؤسسة، بالإضافة إلى أهل الخبرة من الجمهور الخارجي، مما يزيد من كفاءة وفاعلية المؤسسة الإعلامية.
ومن بين الركائز أيضًا الملاءمة التي تعني اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت الملائم، واتخاذ القرار السليم بما يتوافق مع الحدث والقضية، فضلًا عن الانسجام والتوافق بين الإدارات الموجودة في المؤسسة الإعلامية.
وتنطلق مسيرة الحوكمة من استخدام التكنولوجيا الرقمية لقدرتها على تحقيق الاتصال الأفقي الفعال بين إدارات المؤسسة الإعلامية من جهة، وبين المؤسسة والمجتمع من جهة أخرى، فضلًا عن سرعتها في نقل المعلومات والقرارات إلى الإدارات التنفيذية داخل المؤسسة الإعلامية، وتساهم كذلك بشكل كبير في تحقيق اللامركزية داخل المؤسسة الإعلامية، مما يؤدي إلى سرعة اتخاذ القرارات المتعلقة بالعمل الإعلامي.
ويُشكّل وجود إدارة حكيمة تطبق السياسات بعدالة دون محاباة واحدًا من أبرز متطلبات المضي قُدمًا في عملية الحوكمة، بجانب وضع المعايير والمقاييس التي يمكن بها تقييم الأنشطة التي تتم داخل المؤسسة الإعلامية، ووضوح الأسس والأهداف والرسالة العامة للمؤسسة، ومدى اقتناع الإدارة العليا بأهمية تطبيق الحوكمة، وتعاون الإدارة والعاملين في عملية التطبيق؛ علمًا بأن التركيب الهيكلي للمؤسسة الإعلامية يُعد أحد العوامل المساعدة في نجاح المؤسسة في تحقيق مبادئ الحوكمة.
مزايا الحوكمة في تنمية أداء المؤسسات الإعلامية
من جهة أخرى، تساعد الحوكمة في تمكين المؤسسة الإعلامية من وضع استراتيجيتها المتوسطة والطويلة، وتحديد الأهداف التي ينبغي تحقيقها في كل مرحلة، وإتاحة الفرصة لوضع معايير عالية الجودة تتعلق بالمنتج الإعلامي المقدم للجمهور، ومساعدة المؤسسة في المحافظة على حقوقها، بل والمطالبة بتعديل بعض التشريعات الإعلامية التي تؤدي إلى تحسين العمل الإعلامي.
كما تساهم في وضع إطار تعاوني منظم للعلاقة الداخلية الموجودة في المؤسسة الإعلامية، بالإضافة إلى تنسيق العلاقة بين كل من المؤسسة وأصحاب المصالح والمساهمين.
وتمكن الحوكمة أيضًا المؤسسة من التعامل بشفافية مع الجمهور الداخلي أو الخارجي، مما يؤدي إلى زيادة ثقة وولاء هذه الجماهير في المؤسسة الإعلامية. بجانب أنها تعمل كذلك على تحديد أسس وقواعد نظام المحاسبة داخل المؤسسة، سواء كان لأفراد الإدارة العليا أو العاملين في المستويات الإدارية المختلفة. كما تساهم الحوكمة في وضع أسس تقييم الأداء الإعلامي ومحاولة تطويره بصفة مستمرة، بما يتوافق مع أهداف المؤسسة، فضلًا عن مساعدة المؤسسة الإعلامية في وضع خطط مسبقة وقواعد تمكن من التعرف على الأزمات التي قد تحدث، وكيفية التعامل معها بما يساهم في تقليل المخاطر التي تتعرض لها المؤسسة، وتقليص الوقت اللازم لحل الأزمة.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول بأن حوكمة المؤسسات الإعلامية لم تعد خيارًا أو رفاهية في عالم اليوم، بل أصبحت ضرورة تفرضها التحديات التي تجابه صناعة الإعلام على كافة الأصعدة التنظيمية والتحريرية والتمويلية، والمنافسة التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي. وقبل اتخاذ أي خطوة على صعيد تفعيل برامج الحوكمة داخل تلك المؤسسات لا بد من اتخاذ خطوات تمهيدية، تتمثل في تنظيم ندوات ولقاءات مع العاملين حول ثقافة الحوكمة، والتعريف بالعملية ومساراتها وفوائدها، من خلال التوعية بدور الحوكمة في تعزيز استدامة المؤسسات، وزيادة قدرتها التنافسية، والحد من المخاطر والتهديدات التي تواجهها، بالإضافة إلى إجراء دراسة وافية عن الوضع الراهن، والاطلاع على أبرز تجارب الحوكمة العالمية في مجال الإعلام؛ لاستخلاص الدروس المستفادة منها عند صياغة خطة الحوكمة الخاصة بالمؤسسة.
أما عن مرحلة تنفيذ الخطة، فتتطلب تشكيل لجان تنفيذية لمتابعة تطبيق الحوكمة، والاهتمام بإجراء دراسات دورية لقياس الأثر على أداء العاملين وإنتاج المؤسسة الإعلامية، وانعكاس ذلك على الجمهور.