تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل رأس المال الثقافي

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل رأس المال الثقافي

مركز القرار

  • تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل رأس المال الثقافي

دفع تحول المجتمعات الحديثة من الاهتمام بإنتاج السلع والخدمات إلى قطاع المعلومات، لظهور صناعة جديدة تسمى “صناعة المعلومات- Industry Information”، وقد صاحبها ثورة في الاتصالات، حيث أصبح الفضاء الافتراضي يشكل أهم إنجازات ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي شهدها العالم، فالتطور المذهل لشبكة الإنترنت وانتشار التقنيات الحديثة للاتصال، وتزايد تطبيقاتها في مجال الإعلام والاتصال، أسهم في ظهور الإعلام الإلكتروني، الذي يتميز بسرعة الانتشار والوصول إلى أكبر عدد من الجمهور وبأقل تكلفة.
وكجزء من هذا الواقع الجديد، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أكثر انتشارًا خاصة بين فئة الشباب، فهم يتواصلون مع أصدقائهم عبر تلك المنصات، وصارت هذه التكنولوجيا جزءًا من حياتهم، فلا تفصل بينهم أي عوامل أو حواجز، كما صارت وسائل التواصل الاجتماعي عاملًا محوريًا في العديد من القضايا المجتمعية ذات الصلة بمجريات الحياة اليومية.
وفي هذا الإطار، سلطت مجلة البحوث الإعلامية الضوء على تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل رأس المال الثقافي من خلال دراسة ميدانية على عينة من الشباب الجامعي السعودي في جامعة أم القرى بمكة المكرمة.
مشكلة الدراسة
شهدت السنوات الأخيرة تناميًا ملحوظًا في استخدام الجمهور لشبكات التواصل الاجتماعي، صاحبه اطراد متزايد في نمو شبكة العلاقات التي يكونها الأفراد من خلالها، وذلك بدافع تلبية احتياجاتهم في خلق التعارف والتقارب وتعزيز التواصل وتبادل المعرفة والخبرات والتعاون الجمعي من أجل تحقيق المنافع المتبادلة والأهداف المشتركة وغيرها، مما شكل في حد ذاته نمطًا جديدًا من التفاعلات الاجتماعية التي يكونها الأفراد داخل المجتمع والتي تمكنهم من الحصول على معلومات ومعارف مما قد يؤثر على تشكيل رأس المال الثقافي لديهم.
ومما لا شك فيه أن وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور كبير في تغيير لغة التواصل بين الشباب؛ حيث الانتقال من السياق اللغوي والثقافي المحلي إلى السياق الإقليمي بل والعالمي، ومن ثم سعت الدراسة إلى التعرف على مستوى انعكاس عملية التواصل الاجتماعي عبر الأجهزة الإلكترونية على البنية الثقافية للمجتمع السعودي.
وقد تم تطبيق الدراسة على عينة عشوائية بلغ حجمها (363) مفردة من طلاب جامعة أم القرى الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي ولديهم أنشطة مهمة في الجامعة باعتبارهم نخبة شبابية مثقفة، وروعي في اختيار المفردات التنوع في متغيرات النوع وطبيعة الدراسة في كلية نظرية وعملية.
كما تم إجراء مقابلة مع عينة قوامها (36) مفردة. وكان غالبيتها من الإناث، والتخصص العلمي الغالب هو الكليات النظرية، بينما أكثر تطبيقات التواصل الاجتماعي استخدامًا هو “واتس آب”.
نتائج الدراسة
استعرضت الدراسة مجموعة من دوافع استخدام الشباب الجامعي لوسائل التواصل الاجتماعي من بينها الحصول على المعلومات عن قضايا متنوعة، وإبداء الرأي حول الموضوعات المختلفة، وتكوين صداقات جديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتسلية والترفيه وقضاء وقت الفراغ، وأوضحت النتائج أن غالبية المبحوثين أجابوا بأوافق بشدة على تلك الدوافع بنسبة 35%، ثم بعد ذلك موافق بنسبة 30.18%، ثم أوافق إلى حد ما بنسبة 23.44%، يليها لا أوافق بنسبة 7.44% وأخيرا لا أوافق بشدة بنسبة 3.90%. وجاءت القوة النسبية للدوافع في مجملها 77%؛ مما يشير إلى قوة استجابات المبحوثين نحو تلك الدوافع.
وحول دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل لغة الاتصال لدى الشباب الجامعي، أوضحت النتائج أن غالبية المبحوثين أجابوا بأوافق بنسبة 29.24% تلا ذلك أوافق بشدة بنسبة 27.48% وقد جاءت القوة النسبية لواقع استخدام الشباب للغة الاتصال بوسائل التواصل الاجتماعي في مجملها 72%؛ مما يشير إلى قوة نسبية مرتفعة حول واقع استخدام الشباب للغة الاتصال بوسائل التواصل الاجتماعي.
كما قدمت الدراسة مجموعة من الأسباب التي تقف خلف استخدام الشـباب للغـات أخـرى غيـر اللغـة العربيـة بوسـائل التواصـل الاجتمـاعي، مثل أن استخدام الحروف الإنجليزية يعد تطورا مطلوبا على مواقع التواصل، معنى الكلمة لا يختلف في الكتابة باللغة العربية أو الإنجليزية، التواصل مع الأصدقاء بمواقع التواصل يؤثر في استخدامي للغة المتداولة.
وأوضحت النتائج الخاصة باستجابات المبحوثين أن غالبيـتهم أجـابوا بأوافق 29.24 %، ثم بعد ذلك أوافق بشدة بنسبة 27.48% ثم أوافق إلى حد ما بنسبة 25.07%، يليها لا أوافق بنسبة 12.09% وأخيرًا لا أوافق بشدة بنسبة 6.13%. وقد جـاءت القوة النسبية لأسباب استخدام الشـباب للغـات أخـرى غيـر اللغـة العربيـة في مجملهـا 63%؛ مما يشير إلى قوة نسبية متوسطة لتلك الاستجابات.
وبالنسبة لدور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الصورة الذهنية للشباب الجامعي، فمن أبرز تلك الأدوار “تسهم مواقع التواصل في تعديل آرائي حول بعض الموضوعات”، ساعدت مواقع التواصل في إثراء المناقشات لتعديل الأفكار، تساعد مواقع التواصل الشباب في بناء الثقة بينهم وبين الدولة، تغير مواقع التواصل انطباعاتي الشخصية بشكل مستمر، تسهم مواقع التواصل في تعديل المعلومات والمعارف”.
وأوضحت النتائج الخاصة باستجابات المبحوثين حول دور وسائل التواصـل الاجتمـاعي وأثرها في تشكيل الصورة الذهنيـة لـدى الشـباب أن غالبيـة المبحـوثين أجـابوا بـأوافق بنسبة 32.41% ثم بعد ذلك أوافق إلى حد مـا بنسـبة 32.22%، ثم أوافـق بشـدة بنسـبة 25.60% يليها لا أوافق بنسبة 7.70%، وأخيرًا لا أوافق بشدة بنسبة 2.07%.
وقـد جـاءت القـوة النسـبية لـدور وسـائل التواصـل الاجتمـاعي وأثرهـا في تشـكيل الصـورة الذهنيـة لـدى الشــباب الجــامعي في مجملهــا 74.3% ممــا يشــير إلــى قــوة نســبية مرتفعــة لتلــك الاستجابات.
أما عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي الثقافي لدى الشباب الجامعي، فأشارت الدراسة إلى أنها تسهم في التعرف على الثقافات المختلفة للآخرين، تساعد بشكل مباشر في رفع مستوى الثقافة العامة للشباب، تعمل على ظهور ثقافات جديدة مغايرة في شكل الملبس، تساعد في اكتساب ثقافة مغايرة في أساليب المأكل ، تنمي الرغبة في المشاركة في الأحداث الثقافية، وتساعد في تكوين اتجاهات ثقافية نحو القضايا والأحداث.
وأوضـحت النتــائج أن غالبيـة المبحـوثين أجــابوا بـأوافق بنسـبة 36.18%، تـلا ذلــك أوافـق بشـدة بنسـبة 29.34% ثم أوافق إلى حد ما بنسبة 28.97%، يليها لا أوافق بنسبة 4.55%، وأخيرًا لا أوافق بشدة بنسبة 0.96%. وقـد جـاءت القـوة النسـبية لـدور وسـائل التواصـل الاجتماعي في تشـكيل الـوعي الثقـافي للشـباب في مجملهـا 77.7% ممـا يشـير إلـى قوة نسبية مرتفعة لتلك الاستجابات.
وفيما يتعلق بنتائج المقابلة مع عينة من المبحوثين، فقد أشاروا إلى أن “هنـــاك تنوعًا في الاستخدام على كافة الاتجاهات سواء الشخصية أو المهنية، وأن مواقـع التواصـل أصـبحت لـدى الشـباب السعودي جزءًا من تكوينهم ولا يمكن الاستغناء عنها، وهذا يؤثر علـى العديـد مـن الجوانـب سواء الشخصية أو الاجتماعية وبالتالي الثقافية لهم”.
وحـول دوافـع اسـتخدام الشــباب الجــامعي لوســائل التواصــل الاجتمــاعي، جاءت علــى النحــو التــالي: “الحصــــول علـــى المعلومـات والاطـلاع علـى مـا هـو جديـد”، و”الترفيـه والتسـلية وإشـباع الهوايـات وممارسـة الألعـاب”، بالإضـافة إلـى “متابعـة الأخبـار الرياضـية والفنيـة والسياسـية”، و”التواصـل مـع الآخرين وخاصة الجنس الآخر”، و”يلجأ الشباب إلى تلك الوسائل لتقليد الشباب الغربـي في اسـتخدام وسـائل التواصـل الاجتمـاعي”، و”إبـداء الـرأي حـول القضـايا المطروحـة عبـر وسائل التواصل الاجتماعي”.
وأشـارت نتـائج المقابلـة إلى أن أسـباب اسـتخدام الشـباب للغـات غيـر اللغـة العربيـة بوسـائل التواصـل الاجتمـاعي، هي “الـتعلم والتواصـل مـع جنسـيات أخـرى”، و”الاطـلاع علـى أخبـار المجتمعـات الأخـرى”، و”البحـث عـن الجديـد”، و”نوع من محاكاة الآخرين”.
وأكد المبحوثون أن وسـائل التواصـل الاجتمـاعي تؤثر في تشـكيل الصـورة الذهنيـة وخاصـة فيمـا يتعلـق بتعديل بعض المشاعر السلبية نحو بعض الجنسيات الأخرى”، و”المناقشات التـي تـدور بـين الشـباب علـى وسـائل التواصـل الاجتمـاعي سـاعدت في تعـديل بعـض الأفكـار والانطباعـات السـلبية عـن عمـل المـرأة”، وأضـافت معلومـات جديــدة ســاعدت علــى تغييــر الســلوكيات الصــحية والغذائيــة للأفضــل”، و”عملــت وســائل التواصــل علــى تعــديل الصــورة الذهنيــة وتنميــة بعــض الأفكــار نحــو المشــاركة المجتمعيــة والمسؤولية المجتمعية”.
توصيات الدراسة:
قدمت الدراسة سلسلة من التوصيات نستعرضها على النحو التالي:
أولًا: وضع ضوابط محددة لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي من الناحية الفنية والتقنية بتفعيل قوانين ردع صارمة لما يكتب أو يقال أو ينشر فيها، وإعلام الناس والمجتمع بتلك العقوبات حتى تكف النفوس المريضة عن استخدام وسائل التواصل فيما يضر المجتمع والبلاد.
ثانيًا: التوعية بالمرحلة العمرية للمستخدمين، والتوعية بالبرامج والمواقع المناسبة لكل مرحلة، وكذلك التوعية بأهمية التعبير عن الأفكار والآراء الشخصية بحدود الأدب والذوق العام واحترام الآخرين.
ثالثًا: استغلال مواقع التواصل في نشر القيم الإيجابية للمجتمع والعمل على التمسك بها، وتوضيح الضوابط الشرعية والأحكام المتعلقة باستخدام تلك الوسائل، وتوظيفها فيما ينفع المجتمع.
رابعًا: تضمين المقررات الدراسية فصولًا توعوية عن وسائل التواصل الاجتماعي والتحذير من سلبياتها، والقيام بالتوعية داخل القاعات والفصول الدراسية، واستغلال أماكن تجمع الناس والشباب، وتشجيع المراكز البحثية المتخصصة للباحثين وطلاب الدراسات العليا على إجراء المزيد من الأبحاث والدراسات عن مختلف شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيراتها المختلفة على الفرد والمجتمع.
خامسًا: العمل على تقوية الروابط الأسرية من خلال الزيارات والجلسات العائلية والحوارات، والإعداد والتنفيذ للبرامج النافعة لهم، وإشراك أبنائهم في ذلك، مع ضرورة مراقبة أولياء الأمور لأبنائهم أثناء دخولهم على شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت بشكل عام، وتثقيفهم بطريقة التعامل مع تلك المواقع.
سادسًا: العمل على تشجيع بناء العلاقات والصداقات في الواقع الفعلي، وتعزيز معاني الصداقة وأخلاقياتها.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن وسائل التواصل الاجتماعي تبقى سلاحًا ذا حدين، فصحيح أنها تُقرّب المسافات في التواصل مع الآخرين، وتسهم في فهم الثقافات والمجتمعات الأخرى وتبادل الرأي والنقاش، بجانب التسلية والترفيه، لكنها في المقابل قد تخلق شعورًا بالانعزال عن المجتمع والاندماج مع المجتمع الافتراضي البعيد، فضلًا عن أن غياب الرقابة على المحتوى على منصات التواصل يجعلها بيئة خصبة لنشر الشائعات والأفكار الهدامة والمتطرفة والمتعارضة مع منظومة القيم الأخلاقية والمجتمعية، لذلك فمن الأهمية بمكان الاهتمام بتثقيف الشباب حول كيفية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والعمل على تعظيم إيجابياتها وتجنب مخاطرها.