تقارير

الاستراتيجيات الاتصالية للدبلوماسية الرقمية السعودية

تمثل وسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها المختلفة عالمًا افتراضيًا ألغى الحواجز الإنسانية والجغرافية والزمنية وغيرها بين الأفراد، وباتت هذه الوسائل تُشكّل الرأي العام الاجتماعي والسياسي وتبادل المعلومة والفكر والاتجاه، لذلك كان لزامًا على مؤسسات العمل الدبلوماسي أن توجد في هذا الفضاء الرقمي التفاعلي كجزء مهم وحيوي من عملها الدبلوماسي، حيث تتواصل مع الأفراد والمنظمات بأنواعها الرسمية وغير الرسمية ومن مختلف الأقطار حول العالم سواء كانوا أفرادًا أو منظمات لتحقيق فهم أوسع، وتعزيز رأي عام مساند وداعم لسياستها، ويقوي مواقفها ومفاوضاتها؛ لتحقيق مصالحها الوطنية على الساحة الدولية.

وحققت المنظمات الدبلوماسية طفرة كبيرة في أساليبها وفنونها وطرق أدائها بحيث شهد المجتمع الدولي المعاصر أشكالًا وأنماطًا جديدة، منها “الدبلوماسية الرقمية- Digital Diplomacy” والتي يقصد بها توظيف تكنولوجيا الاتصال الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي لتحقيق أهداف السياسة الخارجية وممارسات الدبلوماسية العامة.

وفي هذا الإطار، نشرت مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيات والاجتماع دراسة بعنوان “الاستراتيجيات الاتصالية للدبلوماسية الرقمية السعودية عبر موقع تويتر” من إعداد الدكتورة خلود عبد الله ملياني وكيل كلية الاتصال والإعلام بجامعة الملك عبد العزيز، والدكتورة دعاء فتحي سالم الأستاذ المشارك بكلية الاتصال والإعلام في جامعة الملك عبد العزيز، لتسليط الضوء على أهم الاستراتيجيات الاتصالية التي يقوم بها القطاع الدبلوماسي بوزارة الخارجية، ودور هذه الاستراتيجيات في فاعلية الدبلوماسية الرقمية.

مشكلة الدراسة

وجدت المملكة العربية السعودية متمثلة في وزارة الخارجية وسفاراتها التابعة لها منذ وقت مبكر عبر منصات الإعلام الجديد مقدمة خدماتها ورسالتها عبرها، سواء من خلال موقع الوزارة الإلكتروني الرئيسي المتميز والغني بمحتواه وبواباته الفرعية وخدماته التفاعلية عبر شبكة الإنترنت الموجهة للمواطن والمقيم والجماهير الخارجية، أو من خلال حساباتها على موقع تويتر خاصة في ضوء التأثير المتنامي والكبير لهذه المنصات والوسائل الاتصالية الجديدة، والنمو الهائل في أعداد مستخدميها.

وعلى هذا، تمثلت المشكلة البحثية في رصد الاستراتيجيات الاتصالية التي تتبعها وزارة الخارجية السعودية ممثلة في السفارات السعودية في ممارسة الدبلوماسية الرقمية عبر موقع تويتر. وتمثل مجتمع البحث في 4 سفارات سعودية وهي سفارة المملكة في القاهرة ، وسفارة المملكة في الإمارات وسفارة المملكة في أمريكا، وسفارة المملكة في بريطانيا، وتم إجراء الدراسة الميدانية وجمع البيانات خلال الفترة الزمنية الممتدة من يناير 2020 إلى ديسمبر 2020، إذ زخرت هذه الفترة بعدد من القضايا الدولية والأحداث على مستوى المملكة أو على مستوى العالم.

واستخدمت الدراسة منهج تحليل المضمون لوصف وتحليل مضامين المواقع الإلكترونية لوزارة الخارجية السعودية على الإنترنت، والأنماط الاتصالية والأدوات الفنية المستخدمة وتحديد الاستراتيجيات الاتصالية التي ركزت عليها تلك المضامين، وتحليل محتوى هذه الصفحات الرسمية محل الدراسة على موقع تويتر باعتبارها فاعلاً محوريًا في صناعة الدبلوماسية الرقمية.

نتائج الدراسة

خلصت الدراسة إلى أن الحساب الرسمي للسفارات السعودية محل الدراسة يحظى بأهمية كبيرة ليس فقط لكونه المنبر الإعلامي الرسمي للمملكة على موقع تويتر، وبالتالي توجه الأنظار إليه عند محاولة دراسة وفهم مواقف المملكة من مختلف القضايا والموضوعات، ولكن أيضًا لما استطاع أن يحققه من تفاعلية من جانب المتابعين وحجم تفاعلهم مع التغريدات المنشورة عليه، وبيان صورة المملكة كمركز لوجستي عالمي.

وأظهرت النتائج أن استعراض صورة المملكة العربية السعودية في الحسابات الرسمية للسفارات السعودية خلال فترة الدراسة تم من خلال محورين أساسيين، الأول يتمثل في صورة المملكة ممثلة في قيادتها الرشيدة وحكومتها على مستوى الداخل. أما المحور الثاني فيتعلق بصورة المملكة بكافة مؤسساتها على المستوى الدولي، وقد تمثل الهدف الرئيس لحسابات السفارات في تشكيل اتجاهات إيجابية نحو المملكة، واستطاعت الدبلوماسية الرقمية لحسابات عينة الدراسة أن تكون نافذة متميزة يتابع من خلالها مستخدمو موقع تويتر المملكة في هيئتها الجديدة، حيث تمت الاستفادة من المؤثرات البصرية الرقمية (الصور- والإنفوجراف) والتي تعد من أهم وأبرز أدوات الدبلوماسية الرقمية للسفارة السعودية وأنماطها الاتصالية في التواصل مع جمهورها، فمن حيث الشكل تميز المحتوى البصري للتغريدات بالتنوع والحداثة، حيث روعي توظيف أكثر من نمط بصري يجعله جاذبًا لعين المتابع وأكثر سلاسة وفاعلية في توصيل الرسالة السعودية عبر الحساب الرسمي إلى متابعيه حول العالم.

ووفقًا لنتائج الدراسة كان للفيديوهات عالية الجودة حضور ملحوظ في تغريدات السفارة بالولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وتم توظيف هذه الفيديوهات في نقل وتوثيق الأحداث والفعاليات المهمة، وتوضيح الموقف السعودي تجاه القضايا المختلفة، وتميزت هذه الفيديوهات بقصر المدة الزمنية لها، ما جعلها أكثر ملاءمة للمشاهدة، وقد زاد الاعتماد على الفيديوهات خلال شهر مايو وسبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وديسمبر، وهي الشهور التي شهدت أحداثًا كبرى، مثل تفشي وباء فيروس كورونا، واجتماعات قمة العشرين، وهي أول قمة لمجموعة العشرين تستضيفها المملكة، وموسم حج 2020 تحت الإجراءات الاحترازية، وإنجازات “سدايا” خلال أسبوع جيتكس للتقنية 2020، والأحداث في الدول الشقيقة مثل أحداث اليمن وفلسطين وليبيا وغيرها من الأحداث المهمة.

وأظهرت التغريدات المنشورة على الحسابات الرسمية للسفارات عينة الدراسة اتجاهات مضامينية متعددة، منها ما يتعلق بالإنجازات، ومنها ما تميز بطبيعته الاستراتيجية، وأخرى ذات الطبيعة الخدمية، أو الطبيعة العامة، كما حرصت الحسابات الرسمية على توثيق العديد من الأحداث التاريخية والسياسية وإبرازها في تغريداتها، مثل اللقاءات الافتراضية لأحداث قمة العشرين، ومحاولة القضاء على وباء فيروس كورونا، وتجلى الحرص على توصيل الصوت السعودي إلى شعوب العالم وحكوماته في الاهتمام بنقل كلمات قادة المملكة ووزرائها وكبار مسؤوليها في المؤتمرات واللقاءات المذاعة، وكذلك تغطية المقابلات والزيارات الرسمية.

وعلى صعيد الموضوعات، أظهرت النتائج تصدر الموضوعات الاقتصادية والسياسية قائمة موضوعات الدبلوماسية الرقمية في موقع تويتر الخاص بالسفارات السعودية عينة الدراسة، وذلك بهدف تحديد موقف الدولة أمام القضايا الدولية الحاسمة، وتأكيد مهام هذه الدبلوماسية في التأكيد على المضي قدمًا نحو الإصلاحات الاقتصادية، والاستخدام الأمثل للموارد وتمكين القطاع الخاص ورفع مستوى شفافية وكفاءة الإنفاق الحكومي لتعزيز معدلات النمو والتنمية والترويج لمركزية الدور الذي تقوم به المملكة في محيطها، وما يجري فيه من تغييرات تستهدف تعزيز عناصر القوة الاقتصادية بتنويع مصادر الدخل والتحول إلى نمط حياة عصري يواكب مستجدات الحياة المعاصرة.

أما عن الأهداف والاستراتيجيات التي ارتكزت عليها الدبلوماسية الرقمية في الحسابات محل الدراسة، فتمثلت في استراتيجيتي الإعلام والإقناع وهما من أولويات المواقع الرسمية للسفارات السعودية، كما تم توظيف خصائص موقع تويتر بشكل متميز في حساب السفارات التي اعتمدت على عدد من الأنماط التفاعلية في تواصلها مع الجمهور، ورصدت الدراسة أن حسابات السفارات تميزت بكثرة الإعجابات وإعادة التغريدات من قبل المتابعين والتعليق على التغريدات، واستطاعت أن تقدم المعلومات بشكل سريع وعاجل، وإيجاد التواصل الآني والفوري مع الجمهور من خلال ما يتم عرضه.

من جهة أخرى، استحدث الخطاب الإعلامي الرسمي السعودي بحساب السفارات محل الدراسة فكرة الترويج لمواقع سياحية في المملكة، لجعلها وجهة سياحية عالمية يمكن أن يفد إليها السياح ليتعرفوا على جانب من التراث السعودي الثري بالمواقع الجغرافية التي ربما لا يعرفها العالم.

بالإضافة إلى ذلك، سعت حسابات السفارات السعودية لإبراز جهود المملكة في المشروعات الخدمية والقومية والاستثمارات الدولية، ومدى نجاحها في تحقيق مستوى خدمات أفضل، لا سيما ما تم تقديمه من مجهودات في مكافحة “كوفيد-19″، حيث تم ظهور صورة مميزة للمملكة على المستويين الداخلي والخارجي، من خلال عرض جهود السعودية سواء على مستوى الإجراءات الاحترازية التي قامت بها المملكة أو على المستوى التوعوي للمواطنين كذلك ما تم تقديمه في مجال الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والمشروعات الاقتصادية المختلفة.

كما أظهرت الحسابات انفتاح المملكة على دول العالم، واتضح ذلك من خلال تعدد العلاقات مع الدول المختلفة من خلال المشاركة في المناسبات المختلفة للعديد من الدول وعقد اللقاءات الثنائية مع قادة دول العالم، إضافة إلى امتلاك المملكة لثقل دولي في المسائل الحيوية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، وكان للدول العربية ترتيب الصدارة في الظهور في الخطاب الإعلامي السعودي باعتبارها الأكثر قربًا بحكم المصالح المشتركة والروابط الاجتماعية والثقافية والدينية، كما كانت هناك علاقات قوية مع دول أخرى أوروبية وآسيوية ثم بعض الدول الإفريقية.

وأدى الحساب الرسمي للسفارات السعودية – عينة الدراسة- على موقع تويتر دورًا مهمًا في تمثيل الموقف الرسمي السعودي في مختلف القضايا، ونقل وجهة النظر السعودية إلى الشعوب وليس فقط الحكومات، حيث ظهر دورها بشكل واضح في قضية اليمن، إذ عبّرت التغريدات عن الموقف الرافض للانتهاكات الحوثية المدعومة إيرانيًا، كما رصدت عدة تغريدات أحداث ليبيا ولبنان، وعبّرت تغريدات السفارات أيضًا عن موقف المملكة القاضي بمكافحة الإرهاب ومحاربة كل أشكال تهديد الأمن والسلام العالميين.

وتشير نتائج الدراسة إلى ظهور العديد من الشخصيات ذات التأثير الفعال والكاريزما المتميزة على مستوى حسابات السفارات السعودية محل الدراسة، مثل الأميرة ريما بنت بندر آل سعود سفيرة المملكة العربية السعودية في واشنطن، والأمير فيصل بن فرحان آل سعود وزير الخارجية السعودي، والأستاذ فهد ناظر المتحدث الرسمي باسم سفارة المملكة العربية السعودية في واشنطن، وعادل الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية وعضو مجلس الوزراء، وتركي الدخيل سفير خادم الحرمين الشريفين لدى دولة الإمارات العربية المتحدة.

توصيات الدراسة

قدّمت الدراسة مجموعة من التوصيات المتعلقة بالدبلوماسية الرقمية في السعودية تمثلت فيما يلي:

ضرورة وضع وصياغة رؤية استراتيجية للدبلوماسية الرقمية السعودية، بحيث توضع في سلم أولويات العمل الدبلوماسي السعودي، كإحدى أدوات القوة الناعمة، فاستخدام هذه الأداة يساعد في تقديم صورة المملكة للعالم بطريقة جذابة عبر الاستفادة من الإمكانات التقنية الرقمية الكبيرة.

لا بد أن تسعى القوى الفاعلة عبر منصات التواصل الاجتماعي للتواصل والاندماج مع الجماهير من أجل بناء جسور الثقة والتواصل مع شعوب الدول الأخرى ليكون هناك تطبيق فعال لاستراتيجية الحوار وبناء العلاقات (اتصال له اتجاهان).

ضرورة اهتمام السفارات والدبلوماسيين بمقتضيات الدبلوماسية الحديثة التي تقوم على أساس الاهتمام بكافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية والثقافية والرياضية وغيرها، حيث لا ينصب الاهتمام فقط على الجوانب السياسية والاقتصادية.

إنشاء دائرة متخصصة للدبلوماسية الرقمية بالسفارات السعودية، مع وجود مميزات تحفيزية وتشغيلية تضمن الممارسات الجيدة للدبلوماسية الرقمية في كافة الدوائر الرسمية السعودية.

إعداد دليل استخدام للمنصات الرقمية مخصص للسفراء والقناصل والناطقين الرسميين، على أن يشمل الدليل العناصر الأساسية الفعالة لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي، كما يجب أن تشمل آليات استخدامها ومنها الوجود والحضور والمحتوى والتخصيص ومستوى التفاعل.

وتأسيسًا على ما سبق، يتضح أن العصر الرقمي كان عاملًا محفزًا لظهور أنماط جديدة من الدبلوماسية تستخدم فيها الدول والهيئات الدولية وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، بالإضافة إلى كل الإمكانيات التي توفرها الإنترنت لنشر الأفكار وبناء العلاقات على المستوى العالمي، وتشكيل الصور الذهنية والتأثير على الجماهير.

زر الذهاب إلى الأعلى