الأساليب المنهجية لدراسة الصحافة الإلكترونية

الأساليب المنهجية لدراسة الصحافة الإلكترونية

مركز القرار

  • الأساليب المنهجية لدراسة الصحافة الإلكترونية

أدى تطور الوسائط التكنولوجية وازدهار الصحافة الإلكترونية إلى ظهور أدوات جديدة في تحليل الظواهر الصحفية، مثل “التحليل الشبكي- Analysis Network”، و”الكعكات- Cookies”، وتعقب “مسار العين على شاشة الكمبيوتر- Tracking Eye”، وأداة الملاحظة المنتظمة لغرفة الأخبار، وأدوات تعقب مراحل نشر الخبر على “المواقع الإلكترونية- RICC”، وتحليل النصوص باستخدام الكمبيوتر، لكن تلك الأدوات تظل غير كافية وغير قادرة على دراسة الظواهر الصحفية الجديدة وتعاني الكثير من جوانب القصور، ولذلك فإن أغلب الدراسات والجهود الأكاديمية لا تزال تعتمد بصفة أساسية على الأدوات التقليدية مثل تحليل المضمون، ودراسات الحالة، والاستبيانات، والدراسات التجريبية.

كان ذلك السياق الأكاديمي والبحثي دافعًا إلى توجه جديد في تطوير أدوات بحثية ملائمة  للدراسات الصحفية في العصر الرقمي، واتجاه عدد كبير من الباحثين إلى استخدام أكثر من أداة بحثية واحدة، مثل “تحليل الشبكات الاجتماعية- social network analysis”، والبحث الإثنوغرافي، وما يعرف بمنظور “شبكة الفاعل- Actor network”، الذي يسعى لاستكشاف شبكة العلاقات التي تربط بين مجموعة معينة من الأشخاص عبر استخدامهم للتكنولوجيا، كما تم دمج عدة أدوات كمية وكيفية معًا باستخدام ما يعرف “بالتثليث- Triangulation”، للحصول على معلومات أكثر دقة يتم جمعها من أكثر من مصدر.

في هذا الإطار، استعرضت دراسة نشرتها مجلة البحوث الإعلامية بعنوان “الأساليب المنهجية المستخدمة في دراسة الصحافة الإلكترونية.. مقاربة نقدية”، التعريف بالأساليب الجديدة لدراسة وتحليل الصحافة الإلكترونية، استنادًا إلى الكثير من الأدبيات الأجنبية التي قدمت تصورات عن كيفية استخدام تلك الأدوات، من أجل وضع منهج واضح للباحثين في وسائل ومضامين حقل الإعلام الجديد.

أنواع الأساليب المنهجية في دراسة الصحافة الإلكترونية:

وتناولت الدراسة 4 نماذج للأساليب المنهجية في دراسة الصحافة الإلكترونية على النحو التالي:

“تحليل الشبكات الاجتماعية- social network analysis

يعتمد تحليل الشبكات الاجتماعية- social network analysis” على افتراض أن سلوكيات المنظمات والأفراد مترابطة، ويُعنى بدراسة سبب وكيفية عمل المجموعات الاجتماعية وتصرفها وتفاعلها بطرق معينة، كما يسمح للباحثين بفهم الظواهر الجديدة في صناعة الوسائط.

وقد اقترح باحثون إطار الشبكة لدراسة أنظمة الوسائط التي تتضمن ثلاثة أطراف وهي: المنظمات الإعلامية والمحتوى والجماهير، وقاموا بتحديد 9 أنواع من الشبكات الإعلامية وهي الشبكات بين المنظمات الإعلامية، والشبكات الدلالية للمحتوى الإعلامي، الشبكات الاجتماعية للجمهور، وشبكات المحتوى الصناعي، بالإضافة إلى شبكات جمهور الصناعة (على سبيل المثال شركات وسائل الإعلام التي لديها جماهير عبر الإنترنت)، وشبكات جمهور المحتوى (أي الرأي العام)، فضلًا عن شبكات صناعة المحتوى، وشبكات صناعة الجمهور، وشبكات محتوى الجمهور.

منظور “شبكة الفاعل- Actor network

يجري تطبيق نظرية شبكة الفاعل في الدراسات الإعلامية كنموذج جديد يتم من خلاله مناقشة وتحليل وسائل الإعلام وإنتاجها وآثارها الاجتماعية والثقافية. وقد أصبحت شبكة الفاعل شائعة في الدراسات الصحفية لسببين رئيسين وهما تركيزها على التكنولوجيا كجزء من الشبكة بما يسمح بتحليل الرقمنة، أما عن السبب الثاني فيتمثل في الطبيعة المتغيرة لممارسات الصحفيين.

كما اكتسبت شبكة الفاعل زخمًا في الدراسات الصحفية بين الباحثين الذين يحللون علاقات الصحفيين مع التقنيات والمؤسسات والأفراد الذين يتواصلون معهم بشكل يومي (يشمل ذلك التقنيات والصحف والمحطات الإخبارية والجمهور ومنتجي الأخبار الآخرين)، بجانب تحليل العلاقات بين إنتاج الأخبار وتداولها.

منهج “التثليث- Triangulation”:

يتضمن هذا المنهج استخدام أكثر من نوع من الأساليب لدراسة الظاهرة الصحفية، ويوفر تأكيدًا للنتائج، واستخراج بيانات أكثر شمولًا، ويعرف التثليث على أنه محاولة لرسم ثراء وتعقد السلوك البشري أو شرحهما بشكل أكمل من خلال دراسته لأكثر من وجهة نظر.

ويستعين باحثون بنموذج التثليث في محاولة لوصف وتحليل أنواع الأخبار الناشئة عبر الإنترنت والجهود الأكاديمية المتعلقة بتدريس الصحافة عبر الإنترنت، وظهر استخدام منهج التثليث في عدد من الدراسات ومنها:

  • دراسة أنواع الأخبار الناشئة في عصر الإعلام الجديد، حيث يتم الاستعانة بنظرية النوع الاجتماعي والسيميائية ونظريات الخطاب متعدد الوسائط من أجل تحديد ووصف أنواع الأخبار الناشئة ومتغيراتها في سياقات محددة من الاستخدام.
  • دراسة إنتاج الأخبار عبر الإنترنت كبناء مهني للواقع الاجتماعي، إذ يتم تطبيق نظرية النوع التنظيمي ونظرية المنطق الإعلامي من أجل فهم الصحافة الإلكترونية والحكم على جودة الأخبار عبر الإنترنت.
  • دراسات تعليم الصحافة الإلكترونية: يتمحور الإطار النظري لتلك الدراسات حول أنواع الأخبار وإنتاجها، لذلك يتطلب تطبيق النظريات الاجتماعية والثقافية للتعلم، ونظريات مجتمعات الممارسة لتوجيه الإثنوغرافيا الصفية والمقارنة، ووضع الصحافة الإلكترونية في سياق تعليمي أوسع.

تحليل المحتوى:

يعتبر تحليل المحتوى تقنية بحث للوصف الموضوعي والمنهجي والكمي للمحتوى الناجم عن الاتصال في الفضاء الرقمي، ولذلك يمكن تحديد أربع فئات رئيسة للمحتوى الرقمي وهي:

– المحتويات التفاعلية: وتشمل التأثير التفسيري وقرار الجمهور في شكل إجراءات محددة (مثل طرق القراءة، وأشكال الاستهلاك، وما إلى ذلك)، وتسهم المحتويات التفاعلية في تكوين جماهير نشطة، كما يشكل انتشار المحتوى وزمنه عوامل تؤثر في مشاركة الجمهور له.

– محتوى المشاركة: يسهم بشكل حاسم في تكوين جماهير مجزأة إلى مجموعات لها اهتمامات مواضيعية مشتركة، ويشكل جزء جيد من وسائل الإعلام الذاتية (مثل المدونات أو ويكي الأخبار) أشكاًلا من المحتوى التشاركي.

– محتوى الوصول إلى المعلومات: يتعلق بالشكل الرقمي للمحتوى التقليدي، بمعنى أنه يسهل الوصول إلى الدلالات (المعلومات والآراء.. إلخ)، بطريقة موحدة.

– محتويات التواصل بين الأشخاص: تتعلق بالمنتجات الاتصالية التي تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في الوساطة التكنولوجية لعمليات التواصل بين مجتمعات المستخدمين أو بين المستخدمين والمهنيين، لذا يمكن اعتبار آليات التغذية العكسية في حالة الصحافة الإلكترونية أحد أشكال هذا النوع من المحتوى.

مشكلات توظيف أداة تحليل المحتوى في إطار الشبكة العنكبوتية:

بالنظر لخصائص الشبكة العنكبوتية المختلفة والمتعددة يمكن حصر المشكلات المتعلقة بتوظيف أداة تحليل المحتوى فيما يلي:

  • تنوع المحتوى الإلكتروني وعدم محدوديته، بحيث يشمل العديد من أشكال النشر من نصوص وصور وفيديوهات، رسوم متحركة، روابط تشعبية، يصعب التحكم فيها.
  • طرق إخراج وأسلوب بناء الوثائق الرقمية من صحف ومجلات وموسوعات وكتب متخصصة في المجالات المختلفة، والتي تختلف تمامًا عن الوثائق الورقية التقليدية، مما يضاعف من مسؤولية احترافية التعامل معها.
  • حالة التطور والتغير والديناميكية من التحديث المستمر أو التعديل أو الحذف التي يتميز به المحتوى الإلكتروني والذي يُصعب عملية مواكبته من جانب الباحث.
  • تعدد معايير جودة محتوى الويب الإدارية والتقنية، وكثرة الأخطاء غير المتعمدة في تصميم المحتوى تؤثر على عملية الاستخدام والدراسة المستوفية له؛ مما يؤثر على مخرجات البحث وأهدافه.
  • وجود أنساق علمية ومعرفية متعددة ومختلفة داخل المحتوى الواحد؛ مما يحول دون التمكن من تحديد اتجاهه ويؤثر في عملية التحليل والاستنتاج.
  • تعدد اتجاهات المحتوى وخصوصيتها، فمنها الاتجاهات العلمية ومنها الاتجاهات العامة- عموم الأفراد-؛ مما يضطر الباحث إلى ضرورة الاعتماد على جودة المحتوى وفقًا للمعايير المعتمدة في تصميم أي موقع أو حساب أو صفحة.
  • عدم اكتمال الموضوع أو الحدود التي تعرفه بشكل واضح، يؤثر على عملية التحليل وتوظيف الأداة بشكل لائق.

وتأسيسًا على ما سبق، خلصت الدراسة إلى أن عمق وخصوصية المناهج النوعية لدراسة الصحافة الإلكترونية توفر فائدة حاسمة في بيئة وسائل الإعلام الحالية، ويبقى القول إن الصحافة اليوم باتت تمارس في غرف الأخبار التقليدية، وفي أماكن وجود المدونين وأماكن أخرى لا يمكن التنبؤ بها في جميع أنحاء العالم، نظرًا للتقدم التكنولوجي، وإذا اعتبرنا مجال الوسائط الرقمية- كسياق للوساطة الاتصالية – يتم فيه إنتاج المحتوى الرقمي وتوزيعه واستهلاكه، فهذه الممارسات تستدعي الوقوف على مختلف الأساليب السالف ذكرها – “تحليل الشبكات الاجتماعية” ومنظور “شبكة الفاعل ومنهج “التثليث” وتحليل المحتوى- من أجل الوصول إلى نتائج مهمة للتحليل والتعامل المنهجي مع الصحافة الإلكترونية.