تقارير

مجموعات واتس آب.. قناة لنظرية المؤامرة والصراع السياسي

عندما اجتاح وباء كورونا جميع أنحاء العالم، واضطر المليارات من الأشخاص إلى البقاء في المنازل، ارتفعت شعبية تطبيق “واتس آب- WhatsApp” بشكل أكثر حدة عن أي تطبيق آخر. وبحلول أواخر مارس، زاد استخدام التطبيق حول العالم بنسبة 40٪، أما في إسبانيا، حيث كان الإغلاق صارمًا للغاية، فقد ارتفع استخدامه بنسبة 76٪. وأصبح واتس آب قناة رئيسية تنتقل من خلالها موجات من الأخبار و”الميمات –memes” والقلق الجماعي.

في البداية، كانت العديد من الاستخدامات الجديدة مشجعة، حيث نشأت مجموعات المساعدة المتبادلة لمساعدة الضعفاء واستخدمت العائلات والأصدقاء التطبيق للبقاء عن قرب ومشاركة مخاوفهم وهمومهم في الوقت الفعلي.

ولكن سرعان ما أصبح واتس آب إلى جانب “فيسبوك- Facebook”، و”يوتيوب- YouTube “، قناة رئيسية انتشرت من خلالها نظرية المؤامرة. وكان التطبيق يتيح أيضًا انتشار مقاطع صوتية مزيفة، مثل تسجيل متداول على نطاق واسع في بريطانيا، حيث أفاد شخص زعم أنه يعمل في هيئة الخدمات الصحية الوطنية أن سيارات الإسعاف لن يتم إرسالها بعد الآن لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من صعوبات في التنفس.

وسيلة فعَّالة لخلق حالة من عدم الثقة بالمؤسسات والشك في المجال العام

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتورط فيها واتس آب في الجدل، وفي حين أن فضائح “الأخبار المزيفة” المحيطة بالحملات الانتخابية عام 2016 في بريطانيا والولايات المتحدة كانت أكثر تركيزًا على فيسبوك -الذي يمتلك واتس آب-، فإن رسائل واتس آب ساعدت في الانتصارات الانتخابية لكل من الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، واستغلال مدى وصول التطبيق في هذه البلدان، بحسب صحيفة “جارديان” البريطانية.

وفي الهند، حيث كانت هناك أيضًا تقارير عن أعمال شغب و30 حالة وفاة على الأقل مرتبطة بشائعات منتشرة على واتس آب، سعت وزارة الإعلام إلى طرق لتنظيم محتوى واتس آب على الرغم من أن هذا أدى إلى خلافات جديدة حول التعدِّي الحكومي على الحريات المدنية.

واتخذ التطبيق أيضًا بعض الخطوات للحد من استخدامه كوسيلة للتضليل. ففي مارس، أخبر متحدث باسم واتس آب صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن التطبيق أشرك وزارات الصحة حول العالم لتوفير طرق بسيطة للمواطنين لتلقي معلومات دقيقة حول فيروس كورونا.

ويبدو أن واتس آب وسيلة فعالة بشكل غير عادي لزرع عدم الثقة بالمؤسسات والسياسات العامة، فمجموعات واتس آب تقوم بصنع جوٍّ من الشك بين المشاركين فيها. وكما هو واضح أيضًا من خلال مجموعات فيسبوك المغلقة، يتراكم السخط -الذي لا يكون دائمًا له أساس جيد- في خصوصية قبل الغليان في الأماكن العامة.

إن التهديد السياسي لـواتس آب هو الوجه الآخر لجاذبيته النفسية. فعلى عكس العديد من منصات الوسائط الاجتماعية الأخرى، تم تصميم واتس آب لتأمين الخصوصية. وعلى الجانب الإيجابي، هذا يعني الحميمية مع أولئك الذين نهتم بهم والقدرة على التحدث بحرية، أمَّا على الجانب السلبي فإنه يضخ روح السرية والشك في المجال العام.

نظرًا لأن “فيسبوك وتويتر وإنستغرام” أصبحت مسرحية بشكل متزايد -كل إيماءة موجهة لإثارة إعجاب الجمهور أو إبعاد النقد- بات واتس آب ملاذًا من عالم مربك وغير جدير بالثقة، حيث يمكن للمستخدمين التحدث بصراحة أكبر.

ومع نمو الثقة في المجموعات على واتس آب، يتم في المقابل سحب الثقة من المؤسسات العامة والمسؤولين، مما أدى إلى تطور فطرة جديدة قائمة على الشك الغريزي تجاه العالم خارج المجموعة.

ويطرح الصعود المستمر لواتس آب، وتحديه لكل من المؤسسات القديمة ووسائل التواصل الاجتماعي المفتوحة، سؤالًا سياسيًّا عميقًا وهو كيف تحتفظ المؤسسات والمناقشات العامة بالشرعية والثقة بمجرد تنظيم الأشخاص في مجتمعات مغلقة وغير مرئية؟ الخطر هو أن هناك حلقة مفرغة، حيث تقوم المجموعات الخاصة بتعميم المزيد من المعلومات والمعلومات المضللة لتشويه سمعة المسؤولين العموميين والمعلومات العامة، وتصاعد عزلة أعضائها عن الديمقراطية.

إعادة توجيه الرسائل من مجموعة إلى أخرى سلاح إعلامي قوي

عندما قام فيسبوك بالاستحواذ على تطبيق واتس آب عام 2014 مقابل 19 مليار دولار، فى أضخم صفقة في تاريخ شركات التكنولوجيا، كان عدد مستخدمي التطبيق 450 مليون مستخدم، وفي فبراير الماضي، وصل إلى ملياري مستخدم في جميع أنحاء العالم -وهذا حتى قبل زيادة الإغلاق- مما يجعله تطبيق المراسلة الأكثر استخدامًا، وثاني أكثر التطبيقات استخدامًا بعد فيسبوك نفسه. في العديد من البلدان، أصبح واتس آب الآن الوسيلة الافتراضية للاتصال الرقمي والتنسيق الاجتماعي، خاصة بين الشباب.

إن الميزات التي من شأنها أن تسمح لواتس آب لاحقًا بأن تصبح قناة لنظرية المؤامرة والصراع السياسي لم تكن أبدًا جزءًا من خصائص الرسائل القصيرة، فلدى واتس آب المزيد من القواسم المشتركة مع البريد الإلكتروني مثل إنشاء مجموعات والقدرة على إعادة توجيه الرسائل.

كما أن القدرة على إعادة توجيه الرسائل من مجموعة إلى أخرى -التي كانت محدودة في الآونة الأخيرة ردًّا على المعلومات المضللة المتعلقة بكورونا، تجعل التطبيق سلاحًا إعلاميًّا قويًّا، وبعدما تم تحديد حجم المجموعات في البداية بـ 100 شخص، تم زيادة هذا العدد لاحقًا إلى 256. وهذا عدد صغير، ولكن إذا قام 256 شخصًا بإعادة توجيه رسالة إلى 256 شخصًا آخر، فسيحصل 65536 شخصًا عليها.

من جهة أخرى، تظهر مشكلة التضامن السلبي حينما يكون أعضاء المجموعات على واتس آب مستخدمين لنفس الخدمة، مثل المدرسة أو مبنى سكني أو برنامج تدريبي، حيث يمكن أن تصبح بسرعة وسيلة لتشويه سمعة المؤسسة التي يتجمعون حولها. وأن يتصاعد عدم الرضا عن الخدمة حتى تقيم المجموعة هوية خاصة تجسد روح الاستياء والاغتراب، والتي يكون من المستحيل إزاحتها بأي أدلة مهما كانت.

صعوبة التعبير عن الرأي المخالف داخل مجموعات واتس آب

أمام ظهور التقنيات الجديدة، فإن أحد الخيارات للمؤسسات والجمعيات الرسمية هو متابعة الأشخاص على منصتهم المفضلة، فعلى سبيل المثال في مارس الماضي، قدمت الحكومة البريطانية خدمة معلومات حول كورونا تستند إلى واتس آب مع برنامج دردشة آلي.

في المقابل، فإن المجموعات نفسها يمكن أن تكون وسيلة غير موثوقة لتوصيل المعلومات المهمة للأشخاص. ويرى سياسيون، على المستوى المحلي، وممثلو النقابات العمالية ببريطانيا أنه على الرغم من الكفاءة الأولية لمجموعات واتس آب، فإنه غالبًا ما يزداد عبء عملهم بسبب تزايد عدد المجوعات الفرعية، والتي يحتاج كل منها إلى الاتصال بشكل منفصل.

من جهة أخرى، فإن القلق الأخلاقي المرتبط بالمجموعات على واتس آب يختلف إلى حدٍّ ما. فإذا كان القلق في شبكة مفتوحة مثل فيسبوك هو الحكم من قبل بعض المراقبين الخارجيين، سواء كان رئيسًا أو فردًا من العائلة الممتدة، فإنه في مجموعة مغلقة يمكن أن تسيطر المجموعات بسرعة على نغمة معينة أو تنمى نظرة غير مريحة للعالم.

وهذا يعني أنه بينما يمكن للمجموعات على واتس آب أن تولد مستويات عالية من التضامن، وهو ما يمكن من حيث المبدأ أن يكون له تأثير سياسي قوي، فإنه يصبح من الصعب أيضًا التعبير عن الخلاف داخل المجموعات.

كما هو الحال في المنصات الاجتماعية المفتوحة، فإن إحدى الطرق الرئيسية لبناء التضامن على واتس آب هي الحديث عن الظلم أو العدو الذي يهدد المجموعة وأعضاءها. في الأمثلة الأكثر حدة، يتم إطلاق نظريات المؤامرة ضد المعارضين السياسيين وهذه الممارسات تدور على هامش الحملات الانتخابية الناجحة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعبر منصات متعددة.

ولكن ما يجعل واتس آب أكثر خطورة من وسائل التواصل الاجتماعي العامة هو وجود مستويات أعلى من الثقة التي غالبًا ما تكون موجودة في مجموعات خاصة.

من البَدَهي أنه لا يوجد شخص سعيد كما يظهر على فيسبوك، وجذاب كما يظهر على إنستغرام أو غاضب كما يظهر على تويتر، فعلى النقيض من ذلك، إن المجموعات المغلقة هي المكان الذي يخلع فيه الأشخاص أقنعتهم العامة.

يوجد نمط واحد محدد للمحادثة الجماعية التي يمكن أن تصنع التهديدات والمظالم من فراغ، عبر البدء بمشارك عضو يتكهن بأنهم قد خذلوا أو استهدفوا من قبل مؤسسة أو مجموعة منافسة -سواء كانت خدمة عامة، أو مجتمعًا تجاريًّا أو ثقافيًّا- ثم يوافقه عضوٌ ثانٍ الرأيَ.

في هذه المرحلة، يصبح من الخطر على أي شخص آخر الدفاع عن المؤسسة أو المجموعة المعنية، وعلى الفور يولد عدو جديد واستياء جديد. وسرعان ما تأخذ التحذيرات والإدانات الصادرة من داخل المجموعة مستوى من المصداقية لا يمكن أن يقابله الكيان الذي أصبح الآن موضوع السخرية.

ولكن ماذا لو كان المساهم الأول قد أساء فهم شيء ما، أو كان لديه يوم مرهق للغاية ويحتاج إلى التخلص من الزخم؟ وماذا لو كان تأييد العضو الثاني هو مجرد موافقة حتى يشعر الأول بتحسُّن؟ وماذا لو كان الأعضاء الآخرون مشتتين للغاية أو مرهقين جدًّا لقول أي شيء يعارض هذا السخط الجديد؟ هذا يجعل مهمة توصيل المعلومات الرسمية والتي تكون أحيانًا المعلومات المنقذة للحياة، أكثر صعوبة بكثير مما كانت عليه قبل عقد من الزمان.

وأخيرًا.. نظرًا لأن واتس آب أصبح وسيلة لتداول المعلومات والأخبار بشكل متزايد في الآونة الأخيرة، يمكن أن تنشأ دائرة مفرغة يبدو فيها العالم أكثر بعدًا ومزيفًا، وتتحول المجموعة الخاصة من مساحة للتعاطف في البداية إلى ساحة لنشر نظريات المؤامرة وبث روح من عدم الثقة والشك في المجال العام.

زر الذهاب إلى الأعلى