أظهر الخطاب الإعلامي والسياسي الرسمي والتحركات العسكرية السعودية الأخيرة التي تزامنت مع تعقيدات المشهد في اليمن والسودان، حالة من الانكشاف الاستراتيجي التام لنموذج إدارة النفوذ عبر الوكلاء في تلك الصراعات، وتعرية الجهات الداعمة التي تمارس أنشطة خبيثة تُشكّل تهديدًا مباشرًا لتثبيت دعائم الاستقرار واستكمال المسارات التنموية.
ويعكس الموقف السعودي قناعة راسخة بأن الاستثمار في الدولة المركزية – مهما كانت كلفته السياسية أو الأمنية – أصبح الخيار الصفري الوحيد في مواجهة فوضى الكانتونات الوظيفية ومساعي بعض الأطراف للتربح والسيطرة على مقدرات الشعوب من خلال إذكاء تلك النزاعات من خلال نهج يمكن تسميته بالاستثمار في اقتصادات النزاع.
- فشل نظرية الاستقرار عبر الميليشيا
لسنوات، رُوِّج لفكرة أن التعامل مع “فاعلين من دون الدول” يوفر مرونة تكتيكية وسرعة في تحقيق النفوذ، إلا أن الواقع كشف عكس ذلك، وهو ما يتضح عبر مؤشرين:
- استدامة النزاع
الوكيل المحلي لا يملك حافزًا حقيقيًّا لإنهاء الحرب، فتوقف النزاع يعني انتهاء دوره وتدفقات تمويله، ما يؤدي إلى تشكل اقتصاد حرب مغلق على ذاته.
- اختراق السيادة الوطنية
تحولت هذه الكيانات إلى بوابات خلفية لتدخلات إقليمية ودولية، تحت غطاء محلي شكلي، بما أضعف الدولة وأفقدها احتكار القرار والسلاح.
- أداة جيوسياسية لتفخيخ الجغرافيا العربية
إن العمق الحقيقي للأزمة لا يكمن في النزاعات ذاتها، بل في النموذج البنيوي الذي يُعاد إنتاجه في عدة ساحات إقليمية. ما يُفرض في بعض المناطق هو نموذج كيان قابل للحياة كمنصة أمنية أو تجارية، لكنه غير قابل للحياة كدولة ذات سيادة ومؤسسات.
ويهدف ذلك إلى خلق طوق من “أشباه الدول” أو الكيانات الهشة حول الدول المحورية، بما يستنزفها في نزاعات حدودية وأمنية مزمنة، ويحول الاستقرار إلى استثناء لا قاعدة.
وعلى هذا النحو لم يعد دعم النزعات الانفصالية يُقرأ بوصفه “حق تقرير مصير”، بل كأداة جيوسياسية لتفخيخ الجغرافيا العربية وإعادة تشكيلها بوحدات ضعيفة قابلة للاختراق.
- التنمية الوطنية والاستقرار الإقليمي
إن فرض سيادة الدولة الوطنية وتثبيت مؤسساتها في اليمن والسودان والصومال لم يعد خيارًا سياسيًّا بل هو متطلب أساسي لنجاح المشروع الاقتصادي الإقليمي، وشرط لازم لاستدامة التنمية الوطنية، فعلى سبيل المثال الطموح للتحول إلى مركز لوجيستي عالمي يتطلب استقرار السواحل والممرات البحرية المقابلة، وبالتالي وجود فصائل مسلحة على امتداد تلك المسارات الحيوية للملاحة يجعلها نقاط ابتزاز.
بالإضافة إلى ذلك، فإن رأس المال بطبيعته حذر والاستثمارات الكبرى لا تزدهر في بيئات تنشط في محيطها الميليشيات، بل في فضاءات قانونية واضحة تضمن العقود والسيادة.
- استراتيجية التعرية
إن ما قامت به المملكة العربية السعودية من كشف عن شبكات التمويل والدعم اللوجيستي للقوى الانفصالية في اليمن يمثل انتقالاً إلى مرحلة التعرية الاستراتيجية ومن نتائجها:
- نزع الشرعية السياسية:
إعادة توصيف هذه الكيانات بوصفها أدوات وظيفية مرتبطة بمشاريع خارجية، لا مكونات وطنية مستقلة.
- تكلفة السمعة الدولية:
وضع الجهات الداعمة تحت ضغط المساءلة الأخلاقية والقانونية، استناداً إلى تقارير أممية ومسارات قانون دولي متراكمة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخطوات السعودية تتزامن مع صعود قناعة دولية بأن الفوضى المُدارة لم تعد أداة مستقرة لتحقيق المصالح، بل هي مصدر لتهديدات عابرة للحدود يصعب احتواؤها.
- مفترق طرق حاسم
في ضوء تلك التطورات المتسارعة في نطاقات جغرافية متقاربة ذات أهمية حيوية للملاحة والتجارة الدولية “البحر الأحمر والقرن الإفريقي”، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حاسم حيث يبرز مساران متناقضان كالتالي:
1-الرهان على الميليشيات
استمرار بعض الأطراف الإقليمية في الرهان على الميليشيات، بما يقود إلى تفكك ممتد، وتحوّل النزاعات إلى خطوط فوضى مزمنة تهدد استقرار وأمن المنطقة ما يفرض على القوى الإقليمية الأخرى الراغبة في تثبيت الاستقرار، اللجوء إلى الأدوات العسكرية للقضاء على تلك التهديدات والأخطار التي تمس بشكل مباشر أمنها الوطني.
2- دعم مؤسسات الدولة الوطنية
دعم المؤسسات الرسمية في الدول التي تشهد صراعات مسلحة ومساعدتها على احتكار السلاح، وإنهاء ازدواجية السلطة، حتى لو تطلب ذلك مواجهات مؤلمة قصيرة المدى مقابل استقرار طويل الأمد.
وختاما، يمكن القول إن المنطقة لا تتسع لازدواجية الدولة والميليشيات داخل حدود واحدة، كما أن استقرار الإقليم وازدهاره اقتصاديًّا يتطلب وحدة اليمن والسودان والصومال وحكومات قادرة على فرض الأمن والاستقرار، لا كيانات مجزأة تعيش على النزاع.



