ترجمات

ماذا يعني استحواذ “نتفليكس” على “وارنر براذر”؟

أثارت الأنباء الأخيرة عن إعلان “نتفليكس” عن صفقة للاستحواذ على جزء من شركة “وارنر براذر” ديسكفري مقابل 83 مليار دولار، وما تبعها من عرض مضاد قدمته شركة “باراماونت غلوبال” للاستحواذ على “وارنر براذر ديسكفري” بالكامل مقابل 108.4 مليار دولار موجة من الصدمة في هوليوود وقطاع الترفيه عمومًا.

وتركزت ردود الفعل الأولية، وما صاحبها من استنكار شديد، على المخاوف بشأن تسريح العمال، وارتفاع رسوم الاشتراك، ومخاوف تتعلق بقوانين مكافحة الاحتكار فيما يخص زيادة الحصة السوقية التي قد يُحدثها أي من العرضين، والأثر السلبي المحتمل لاستحواذ “نتفليكس” على مستقبل صناعة السينما.

وبينما لا شك في أهمية هذه القضايا، إلا أن جانبًا واحدًا من صفقة نتفليكس قد تم تجاهله نسبيًا: وهو قرار المنصة باستبعاد باقة قنوات ديسكفري الفضائية من صفقة الاستحواذ على وارنر براذر. لكن هذا العنصر من الصفقة ذو دلالة بالغة لما يكشفه عن الوضع الراهن، ومستقبل صناعة التلفزيون.

وفي مقال مشترك نشره موقع “ذا كونفرذيشن” الإخباري، أشار أنتوني سميث المحاضر في نظرية التلفزيون في جامعة سالفورد بإنجلترا ولورا مينور المحاضرة في دراسات التلفزيون بالجامعة ذاتها إلى أن قرار “نتفليكس” باستبعاد قنوات ديسكفري الفضائية من الاتفاقية يشير إلى رغبتها في تجنب امتلاك البنية التحتية التقليدية للتلفزيون، بما في ذلك البث الأرضي والفضائي والكابل.

كما يعكس هذا القرار أيضًا التوجه العام نحو تراجع جاذبية قنوات التلفزيون التقليدية لشركات الإعلام، مع استمرار توجه المشاهدين نحو الإنترنت.

  • استبعاد قنوات ديسكفري من الصفقة

للوهلة الأولى، يبدو استبعاد “نتفليكس” لقنوات ديسكفري بمثابة تأكيد لما قيل لنا لأكثر من عقد: البث المباشر يقضي على التلفزيون التقليدي. فمنذ إطلاق مسلسل “هاوس أوف كاردز” عام 2013، رسّخت “نتفليكس” صورتها كشركة رائدة في تغيير وجه التلفزيون، شركة تقنية جعلت نموذج البث القديم عتيقًا.

والأكثر من ذلك، أن هذه السمعة حظيت باهتمام كبير في النقاشات الصحفية والأكاديمية. لكن كما يوضح كتابنا الجديد المعنون “التلفزيون يعود إلى المستقبل: إعادة التفكير في ثورة البث المباشر للتلفزيون”، فإن هذه الرواية عن الثورة مبالغ فيها. ففي الواقع، وراء هذا الخطاب، دأبت منصات البث المباشر على تبني وتكييف، بل ونسخ، تقاليد التلفزيون التقليدي.

لا تُعدّ صفقة “نتفليكس” و”وارنر براذر” استثناءً من هذا التوجه، فقد احتفى إعلان “نتفليكس” نفسه بدمج “ابتكاراتها” مع إرث “وارنر براذر” الممتد لقرن من الزمان في سرد ​​القصص العالمية”. ومع ذلك، فمن خلال احتمال استحواذها على منصة “HBO”، تستعد “نتفليكس” لشراء الشركة الرائدة في مجال التلفزيون الكابلي التي استوحت منها استراتيجيتها في إنتاج الدراما المرموقة.

  • قراءة في دلالات الصفقة

وبالتالي، لا تُمثّل هذه الصفقة قطيعةً مع تاريخ التلفزيون كما توحي الروايات السائدة. يتضح هذا جليًا في المنطق الكامن وراء سعي “نتفليكس” للاستحواذ على مكتبة “وارنر براذر” الضخمة من الأفلام والبرامج التلفزيونية. فعلى مدى عقود، اعتمدت قنوات مثل TBS”” و”TNT”، وفي المملكة المتحدة “Gold” و”Dave”، على إعادة بث برامجها الكلاسيكية، مثل المسلسلات الكوميدية والبوليسية.

وتبنّت منصات البث الرقمي النهج نفسه. فعلى سبيل المثال، حقق مسلسلا Suits”” وLost”” نجاحًا كبيرًا على منصات البث الرقمي بعد سنوات من انتهاء عرضهما التلفزيوني الأصلي. وعندما أعلنت “نتفليكس” المملكة المتحدة مؤخرًا عن مغادرة مسلسل Friends”” المنصة بنهاية العام، ثارت حفيظة المشتركين، ما كشف عن مدى أهمية إعادة بث البرامج لجمهور البث الرقمي.

وتُقدّم مكتبة وارنر التي تضم “Friends” لـ”نتفليكس” مكتبة جاهزة لتلبية هذا الطلب. ويعكس استحواذ أمازون على استديوهات “MGM” مقابل 8.5 مليار دولار في عام 2022 حسابات مماثلة، حيث تُقدّر قيمة مكتبة الاستوديو وحدها بـ 3.4 مليار دولار.

يُشير هذا إلى أن مكتبة الأفلام والبرامج التلفزيونية القديمة، التي لطالما شكلت أساس التلفزيون الكابلي، أصبحت بدورها ركيزة أساسية للبث المباشر. وفي حال نجاح صفقة “نتفليكس” وشركة “وارنر براذر”، ستُمثل خطوة أخرى فيما يُطلق عليه مراقبو الصناعة “إعادة التجميع الكبرى”.

ففي ظل نموذج الكابل الأمريكي الذي ترسخ في ثمانينيات القرن الماضي، يدفع المشاهدون رسومًا شهرية مقابل باقة قنوات كبيرة بدلًا من اختيارها بشكل فردي. وأدى البث المباشر في البداية إلى تجزئة هذا النموذج، ما جعل المشاهدين يُواجهون صعوبة في التوفيق بين اشتراكات مُتنافسة ويضطرون في كثير من الأحيان إلى إلغائها.

واستجابةً لذلك، بدأت المنصات في دمج المحتوى والعلامات التجارية بطرق تُحاكي نموذج باقات الكابل. ويتضح هذا النمط بالفعل في دمج ديزني المستمر لخدمة “هولو” ضمن تطبيق “ديزني+”، مُقدمةً بذلك للمستهلكين الأمريكيين الخدمتين ضمن باقة واحدة. ويتوقع مُعلقو الصناعة أن تتبنى “نتفليكس” نهجًا مُشابهًا مع “HBO”.

  • تشابه نهج “نتفليكس” مع التلفزيون

يتوقع المحلل الإعلامي روا أغويتي أن تعمل “نتفليكس” في نهاية المطاف كبوابة عالمية للمشاهدين، مع احتلال “HBO” مكانة علامة تجارية رائدة في مجال المحتوى المتميز ضمن هذا النظام، مما يسمح لـ”نتفليكس” بتقديم الخدمتين باشتراك واحد.

لكن تبني “نتفليكس” لممارسات التلفزيون التقليدية ليس بالأمر الجديد، ولا يقتصر على تجميع البرامج والاعتماد على روائع التلفزيون المحبوبة. فقد أمضت المنصة سنوات في ترسيخ مكانتها في مواجهة مفهوم المشاهدة في أوقات محددة: شاهد ما تريد وقتما تريد.

ومع ذلك، كما نوضح في كتاب “التلفزيون يعود إلى المستقبل”، فقد تبنت المنصة بشكل متزايد الفعاليات المباشرة التي تخلق تجارب مشتركة ومتزامنة، على غرار التقاليد العريقة للبث التلفزيوني: مصارعة WWE، ومباريات الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية، وعروض كوميدية خاصة مثل “ذا روست أوف توم برادي”.

وشكّل إطلاق “نتفليكس” لفئة الاشتراك المدعومة بالإعلانات في عام 2022 تراجعًا إضافيًا عن وعدها الأصلي بالمشاهدة المتواصلة، وهو تبنّ مباشر لنموذج التمويل الراسخ للتلفزيون التجاري. وتتجلى استمرارية مماثلة في كيفية عمل “نتفليكس” عبر الحدود.

فكان من المفترض أن تجعل خدمات البث المباشر الحدود غير ذات أهمية: مكتبة عالمية واحدة متاحة في كل مكان، لكن، كما يرى الباحث الإعلامي رامون لوباتو، يمكن اعتبار “نتفليكس” سلسلة من الخدمات الوطنية المرتبطة ببنية منصة مشتركة، حيث تنشئ الشركة مكاتب إنتاج محلية، وتوظف مديرين تنفيذيين إقليميين، وتطلب برامج مصممة خصيصًا للجمهور المحلي، مما ينتج عنه أعمال أصلية ذات طابع ثقافي مميز مثل المسلسل البريطاني “أدوليسنس”، والمسلسل الإسباني “لا كاسا دي بابيل”، والمسلسل الكوري الجنوبي “لعبة الحبار”. وتحاكي “نتفليكس” من خلال هذه الممارسات، بعض أساليب وبنى أنظمة البث الوطنية.

وأخيرًا، إن صفقة “نتفليكس” مع شركة “وارنر براذر ديسكفري” لن تمثل خروجًا عن مسار نتفليكس الأخير، بل تعد تتويجًا منطقيًا له. فعلى الرغم من خطابها الثوري، أمضت المنصة العقد الماضي في تبني الأعراف التي عارضتها في السابق. وسيؤدي شراء شركة “وارنر براذر” ببساطة إلى تسريع هذه العملية، مما يُمكن “نتفليكس” من تكييف نماذج ومنطق ممارسات شبكات التلفزيون التقليدية مع السياقات الإلكترونية.

زر الذهاب إلى الأعلى