غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي بصورة جذرية من كيفية تعامل الأشخاص مع المعلومات ومن طبيعة مشاركتهم في الحوارات العامة، إذ أتاحت هذه المنصات لأي فرد القدرة على الوصول إلى جماهير واسعة، وفي الوقت ذاته مكّنت الجماهير من توجيه دوائر الاهتمام وتحديد ما يحظى بالشهرة من خلال خيارات بسيطة كالإعجاب أو المشاركة أو التعليق. وبقدر ما منحت هذه البيئة الرقمية المفتوحة فرصًا غير مسبوقة لإثراء النقاش وتداول المعرفة، فإنها فتحت أيضًا المجال أمام ممارسات سلبية تُشكّل خطورة على استقرار المجتمعات.
وقد أسهمت تلك الديناميكية في بروز فئة ما يسمى بـ”المؤثرين”، الذين بات نجاحهم مرتبطًا بقدرتهم على إنتاج محتوى يلقى صدىً واسعًا، ويستجيب لميول الجمهور وتفضيلاته. غير أن هذا النجاح الرقمي السريع أغرى بعض الأفراد بالسعي إلى الشهرة بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم الأخلاقية، من خلال نشر محتوى مضلل أو محمَّل برسائل تحريضية تُحدث شرخًا في المجتمع، سواء بين الأفراد أنفسهم أو بين الجمهور والمؤسسات الحكومية. ويتم ذلك عبر تكتيكات خبيثة تشمل تضخيم أحداث محدودة بصورة ممنهجة لافتعال أزمة من العدم، أو صناعة حالة من السخط والغضب العام، أو دفع النقاشات الطبيعية نحو الانقسام والتوتر والمواجهة.
ومن اللافت أن هذا النوع من المحتوى يُصاغ بعناية لاستثارة عاطفة الجمهور، مما يولد تفاعلًا سريعًا يظهر في التعليقات والانتشار الواسع. كما تحظى المعلومات المضللة بفرصة أكبر للانتشار ضمن ما يُعرف بـ”غرف الصدى-Echo Chambers”، حيث يتحرك المستخدمون داخل فضاءات رقمية مغلقة تتشابه فيها الأفكار والآراء، فيقل مستوى التحقق من المصادر، وتضعف وربما تنعدم القدرة على تقبل وجهات النظر البديلة.
ومع مرور الوقت، تتراكم آثار هذه الظاهرة لتنتج تداعيات خطيرة على بنية المجتمع، إذ يتم تشويه صورة الإعلام المهني، وتغذية الخطاب الشعبوي، وصناعة ضجيج رقمي يُربك الرأي العام، ويستهلك كثيرًا من وقت وجهد الجهات الرسمية في التفنيد والتصحيح.
وفي هذا السياق، لم تكن المملكة العربية السعودية بمنأى عن تحديات هذه البيئة الرقمية النشطة، لذلك اتخذت خطوات واضحة لوضع أطر وضوابط لمحتوى منصات التواصل الاجتماعي بهدف حماية القيم المجتمعية، وتعزيز الهوية الوطنية، وبناء فضاء إعلامي صحي ومسؤول. وجاءت هذه الخطوات في إطار مكافحة الممارسات الإعلامية السلبية، والتصدي لنشر المحتوى المضلل، وتطبيق العقوبات على المخالفين بلا تهاون، من أجل دعم الإعلام المهني وتحصين المجتمع ضد حملات التضليل والاستهداف الرقمي.
ختامًا، يمكن القول إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت إحدى أهم أدوات الإعلام الجديد لما تمتلكه من تأثير سياسي واجتماعي وثقافي ممتد، لكنها في الوقت ذاته تمثل مصدرًا متزايدًا للتهديدات التي قد تُزعزع استقرار المجتمعات إذا تم توظيفها بصورة غير مسؤولة أو خبيثة. ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الوعي العام وتحصين العقل الجمعي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في مواجهة التضليل ومروّجي الشائعات وصانعي الفتن، وفي ترسيخ عادات رقمية صحية تحافظ على تماسك المجتمع واستقراره.



