تقارير

مستقبل الحكم في قطر.. صراع الداخل والارتهان بالخارج

شكَّلت صيغة انتقال السلطة في قطر في يونيو 2013 بتنازل الأمير حمد بن خليفة آل ثان، عن الحكم لنجله تميم حالة نادرة بالنظر إلى مسار تغيير حكام الإمارة الصغيرة، إذ تولى الأمير حمد نفسه السلطة عقب انقلاب أطاح بوالده الشيخ خليفة في عام 1995، بينما وصل الأمير خليفة بن حمد آل ثان، إلى الحكم عبر انقلاب على ابن عمه، الأمير أحمد بن على آل ثان، في عام 1972.

وتحت عنوان “قطر بدون تميم”، قدَّم الخبير الأمريكي سايمون هندرسون مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، سيناريوهات مستقبلية للحكم في قطر حال شغور مقعد الأمير تميم بن حمد، منطلقًا من عرضٍ لتاريخ الخلافة في أسرة آل ثان، وأبرز الأسماء المطروحة لخلافة تميم.

أسرة آل ثان.. فروع متصارعة على عرش الإمارة

تشير الدراسة إلى أن أسرة آل ثان تضم حاليًّا نحو 5 آلاف فرد راشد ويمكن تقسيم هذه الأسرة إلى عدة فروع وفروع ثانوية. وخضعت قطر لحكم فرع جاسم، وبشكل أساسي فرع عبد الله، لما يقرب من 150 عامًا. وتركزت المنافسة ضمن هذا الفرع بين الفرع الثانوي المنحدر من الفرع الثانوي المنحدر من حمد، لكن هذا الأخير يهيمن الآن على الدولة. وتشمل فروع آل ثان الأخرى، أحفاد إخوان جاسم آل ثان، وبشكل رئيسي أحمد وجابر. وكانوا جميعًا أبناء محمد بن ثان بن محمد الذي عاش بين 1788 و1878 .

وتشمل أسرة قطرية مرموقة أخرى أحفاد عبد الله بن علي العطية، وكانت والدة الأمير حمد بن خليفة من أسرة آل عطية وتوفيت بعد ولادة حمد مباشرة، ممَّا أدى إلى تربيته على يد أحد أخواله.

ويعتقد أن جميع أعضاء سلالة آل ثان يتلقون رواتب حكومية. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد أنهم ممثلون في مجلس الأسرة الذي يصادق على الحكام القطريين الجدد. ولكن في الوقت الحاضر، يبدو أن أحفاد حمد بن عبد الله هم المؤهَّلون فقط لأن يصبحوا أمراء.

منذ انتقال الحكم في عام 2013، اختفى  الأمير الوالد حمد عن الأنظار إلى حد كبير، سياسيًّا واجتماعيًّا على حد سواء. فهو يقضي معظم أوقاته في السفر، في حين لا تزال التكهنات كبيرة حول من يحكم قطر على أرض الواقع.

لم تطبِّق قطر نظام البكورية -خلافة الابن الأكبر- فتميم هو الابن الرابع لحمد، ووفقًا لدبلوماسيين غربيين لم يحظ الابن الأكبر، مشعل بن خليفة بوظيفة حكومية على الإطلاق، في حين أن ابنه الثاني، فهد، اعتزل الحياة العامة وفقًا لتقارير إعلامية، أمَّا جاسم الابن الثالث فكان أول من حمل لقب ولي عهد وشغل منصب أمير البلاد بالإنابة لعدة أشهر خلال عامي 1996 و1997 حين خضع والده لعملية زرع كُلْيَة. ولكن في 2003، تنحَّى جاسم طوعًا لصالح شقيقه تميم، حيث لم يكن جاسم متحمسًا لمسائل الإدارة والمتطلبات المرافقة لها لحل الخلافات العائلية لآل ثان.

المناخ العام في قطر والقابلية المستمرة للانتفاض ضد نظام الحمدين

توجد عوامل تجعل المناخ العام في قطر مهيَّئًا في أي لحظة لانفجار وتغييرات تطال نظام الحكم الذي لا يزال في جوهر سياساته ومواقفه في ظل وجود تميم سائرًا على خطى “نظام الحمدين”، وتتمثل في:

– تَنَامِي حالة السخط داخل قطر من سياسات تميم ومنحه سلطات “سيادية” للأتراك حيث السماح مسبقًا للطيران العسكري والمدني التركي بأن يستخدم الأجواء القطرية بحرية مطلقة، ومن دون أي إذن مسبق ومع إعفاء كامل من أية رسوم، وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على المياه الإقليمية والمناطق البرية.

– الغضب داخل أسرة آل ثان إزاء دعم الإرهاب واحتضان الدوحة لعناصر جماعة الإخوان وقيادات مطلوبة في قضايا إرهاب، واستمرار نظام الحمدين في مواصلة أنشطته المزعزعة للاستقرار، مما أدى لانعدام أي أفق لتسوية الأزمة القطرية مع دول الرباعي العربي لمكافحة الإرهاب، السعودية والإمارات والبحرين ومصر.

– التنكيل بأبناء قبيلة آل غفران وسحب الجنسية منهم، وهو أمر مستمر منذ معارضة القبيلة لانقلاب حمد بن خليفة على والده، واستمر الوضع مع وصول تميم إلى الحكم حيث أدى رفض القبيلة الانصياع لأوامر السلطات إلى توجيه انتقادات إلى المملكة العربية السعودية.

– تردِّي الوضع الاقتصادي، إذ تشير بيانات مصرف قطر المركزي إلى أن إجمالي الدين العام الخارجي المستحق على الحكومة القطرية بلغ حتى نهاية العام الماضي 196.04 مليار ريال بما يعادل 53.88 مليار دولار أمريكي.

وطرح هندرسون في دراسته عددًا من السيناريوهات المحتملة لفراغ السلطة في قطر ومنها الإطاحة بتميم من السلطة بالقوة أو مقتله خلال الانقلاب أو الاستيلاء على الحكم أثناء وجود تميم خارج البلاد، أو حال عجز تميم.

بورصة الأسماء المرشحة لخلافة تميم.. والدور المهيمن للشيخة موزا

تتبع قطر نظام حكم وراثيًّا في أسرة آل ثان، حيث نصت المادة الثامنة من الدستور على أن يتولى الحكم الأبناء الذكور من ذرية حمد بن خليفة آل ثان، ويكون اختيار ولي العهد من بين أبناء الأمير بدون تحديد ترتيبه من بين الأبناء، أما إذا لم يكن للأمير أبناء ذكور فإن ولاية العهد تنتقل إلى من يسميه الأمير وتكون الوراثة بعد ذلك في ذرية ولي العهد، ويشترط في ولي العهد المختار أن يكون مسلمًا ومن أم قطرية مسلمة.

وإذا كانت سن ولي العهد عند المناداة به أميرًا للبلاد أقل من ثمانية عشر عامًا ميلادية، يتولى إدارة دفة الحكم مجلس وصاية يختاره مجلس العائلة الحاكمة، ويشكل مجلس الوصاية من رئيس وعدد من الأعضاء لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد على خمسة، ويكون الرئيس وأغلبية الأعضاء من العائلة الحاكمة.

وعلى هذا الأساس يثير أي فراغ محتمل في السلطة بقطر -بشكل تلقائي- حالة من الصراع داخل الأسرة الحاكمة، ويفرض تساؤلات حول أبرز المرشحين لخلافة تميم وبالقدر ذاته حالة من الغموض حول معايير ترجيح كِفَّة شخصية على أخرى لتولِّي الحكم.

واستعرضت دراسة معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، الإخوة الذكور لتميم، وهم 3 أشقاء على النحو التالي جاسم والذى شغل منصب ولي العهد خلال الفترة من عام 1996 وحتى 2003، والذى يتمتع بالخبرة والمكانة رغم عدم رغبته في تولي دور قيادي، وجوعان الذى تلقَّى تعليمه في مدرسة “سان سير” العسكرية في فرنسا، ومحمد الذي يتولى قيادة تحضيرات بطولة كأس العالم لكرة القدم في الدوحة لعام 2022، وخليفة وهو يتمتع بخبرة في قطاع الأمن.

أمَّا إخوة تميم غير الأشقاء فهم عبد الله، ترأس الديوان الأميري بين عامي 2011-2014، وهو نائب أمير قطر منذ عام 2014. وثاني وهو دائمًا ما يوجد إلى جانب الأمير الوالد حمد، والقعقاع وهو خريج أكاديمية قطر للقادة.

واعتبرت الدراسة أن مسألة تولِّي عبد الله بن حمد الإمارة ليست أمرًا مسلَّمًا به رغم أنه نائب الأمير، حيث تفترض أن الشيخة موزا بنت ناصر المسند الزوجة المفضلة للأمير الوالد حمد ووالدة معظم أبنائه، قد تحاول منع تولِّي عبد الله الحكم.

من جهة أخرى، رصدت الدراسة 5 شخصيات رجحت تأثيرهم على قرار الخلافة، معتبرة أن الأمير الوالد حمد يبقى الشخصية الأكثر تأثيرًا إذا كان بصحة جيدة، ثم الشيخة موزا زوجة حمد وهى شخصية مهيمنة، تمارس نفوذًا كبيرًا على الأمير الوالد وستفضل بالتأكيد احتفاظ أبنائها بالحكم.

ومن بين الشخصيات المؤثرة أيضًا حمد بن جاسم بن جبر آل ثان. رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق، وهو مقرب جدًّا من الأمير الوالد، رغم أنه ينحدر من فرع ثانوي لأسرة آل ثان. ويعتقد أنه لا يزال يلعب دورًا لا سيما في الشؤون الخارجية.

وكذلك محمد بن أحمد المسند، مستشار الأمن الوطني القطري وابن عم الشيخة موزا، وخالد بن خليفة آل ثان، رئيس الوزراء ووزير الداخلية القطري منذ يناير 2020، وهو مقرب جدًّا من تميم. وينحدر أيضًا من فرع ثانوي لأسرة آل ثان.

واللافت أن الدراسة الأمريكية أغفلت تمامًا البعد المتعلق بدور القُوى الخارجية في تحديد مصير الحكم في قطر، فالدوحة باتت لا تملك من قرارها شيئًا بعد ارتمائها في الحضن التركي الإيراني، ولعل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الدوحة في الثاني من يوليو الجاري، خير شاهد على ذلك حين أشار -في حضور تميم- إلى وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثان، لكي يعتدل في جلسته، فهذا الموقف يعكس حال قطر ومسؤوليها الذين باتوا أتباعًا لأردوغان يأتمرون بأمره.

زر الذهاب إلى الأعلى