تقارير

الأزمة الليبية بين الدبلوماسية المصرية والعدوان التركي

تعكس السياسة الخارجية للدول نظرتها لدورها على الساحتَيْن الإقليمية والدولية وتوظيفها لعناصر القوة الشاملة التي تمتلكها، والأُطُر المرجعية التي تحدد بوصلة حركتها، وتعد الأزمة الليبية ساحةَ عملٍ رئيسيةٍ وملفًّا يتصدر أجندة السياسات الخارجية لدول الجوار والقوى الإقليمية والدولية التي سعت كلٌّ منها إلى تقديم أطروحاتٍ ومبادراتٍ وعقدِ مؤتمراتٍ بُغْيَةَ جَمْعِ الفرقاء الليبيين على طاولةٍ واحدةٍ والتوصُّل إلى حلولٍ توافقيَّةٍ تحفظ أمن واستقرار ليبيا وكذلك الأمن الإقليمي.

وشكَّل تفاقُم الأزمة الليبية وتعقُّد المشهد مع تصاعُد الصدام العسكري بين الفرقاء الليبيين، اختبارًا حقيقيًّا لمواقف الدول من ذلك الملف الشائك، ففي حين التزمتْ مصرُ دومًا بالحلول الدبلوماسية مع التأكيد على ثوابت سياستها الخارجية الرافضة للتدخُّل الخارجي -أيًّا كانت طبيعته- في الشؤون الداخلية للدول والحلول العسكرية والداعية للحفاظ على الدولة القومية ومؤسساتها الوطنية وحدودها وسلامة أراضيها، جاءت السياسة التركية متجرِّدَةً من أي التزامٍ بأحكام القانون الدولي، حيث تُحرِّكُها الأطماع التوسعية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومشروعه لإحياء الإمبراطورية العثمانية عَبْرَ بوابة جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدِّمتها جماعةُ الإخوان المسلمين وسعيُه لنهْب ثروات ليبيا.

التمزُّق الليبي.. تربة خصبة للتدخُّلات الخارجية وحاضنةٌ للجماعات الإرهابية

تعيش ليبيا حالةً من الفوضى والصراع على السلطة بين العديد من الأطراف السياسية والميليشيات المُسلَّحة في مختلف أنحاء البلاد منذ سقوط نظام معمَّر القذافي بعد تدخُّل حلف شمال الأطلسي “الناتو” لدعم المحتَجِّين المطالِبين بإسقاط النظام في عام 2011.

ويتَّسمُ الواقع على الأراضي الليبية بعد حِقبة القذافي بعددٍ من السمات:

غياب مؤسسات حقيقية للدولة وعجزها عن القيام بواجباتها، ووجود أكثر من حكومة وصلت في إحدى المراحل إلى 3 حكومات (حاليا حكومة انتقالية في الشرق برئاسة عبد الله الثني، وحكومة الوفاق في طرابلس المنبثقة عن اتفاق الصخيرات عام 2015 برئاسة فايز السراج)، علما بأنه طوال فترة حكم القذافي، الذي أدار ليبيا بشكلٍ فرديٍّ وعملَ على إضعاف مؤسساتها ومجتمعها المدني، أدى تكدُّس السلاح في البلاد وتهريبه وانتشاره إلى نشوء تنظيماتٍ ومجموعاتٍ مسلَّحةٍ على امتداد الجغرافيا الليبية وتعدُّد ولاءاتها، كما تزايَدَ البُعدُ القَبَلي والعشائري وانخرط في السياسة والعمل المسلح، وذلك على حساب الدور الذي كان من المفترض أن تلعبه الأحزاب السياسية التي تم حظْرُها طوال حكم القذافي.

تزايد نشاط الجماعات المسلحة والميليشيات والكتائب الخارجة عن سيطرة الدولة، وباتت ليبيا أرضًا خصبة للجماعات الإرهابية مثل تنظيمَي القاعدة وداعش، فما مِن شكٍّ في أن الأزمة الليبية جعلت الوضع الأمني فى المنطقة يُصبَغُ بالهشاشة، فنفاذيةُ الحدود وتردِّي فاعلية الأجهزة الأمنية، عوامل شجعت التنظيمات الإرهابية على تفعيل مخططاتها في هذا الفضاء الجغرافي الواسع.

كما أن تداعيات الأزمة الليبية على تهديد استقرار منطقة شمال إفريقيا يرتبط بشكلٍ وثيقٍ بمدى سهولة تهريب السلاح من ليبيا إلى دول الجوار وكذلك تسهيل تسلُّل الجماعات الإرهابية من وإلى ليبيا.

نشاط ملحوظ لمهرِّبي البشر، إذ باتت ليبيا محطةً لراغبي الهجرة غيرِ الشرعية نحو أوروبا، وهو البعد الذي استرعى اهتمامًا كبيرًا من الجانب الأوروبي، اتخذ منحًى عمليًّا بإطلاق عمليات عسكرية بحريَّةٍ لمراقبة السواحل الليبية للتصدِّي لمحاولات الهجرة غير الشرعية، وهو ما تطوَّر لاحقًا إلى مراقبة تطبيق قرارات الأمم المتحدة بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا.

التدخُّلات الخارجية الإقليمية والدولية في الشأن الليبي وباتجاهاتٍ متناقضةٍ لرسم مستقبل الدولة، فضلًا عن بروز الثنائية بين التيار الليبرالي •وتيار الإسلام السياسي، وهو ما أدَّى إلى الصراع على السلطة وهُويَّة الدولة.

إعلان القاهرة.. خُطوةٌ مصرية جديدة للحل السياسي في ليبيا

يقوم الموقف المصري من الأزمة الليبية، على قاعدةٍ ثابتةٍ وهي رفض التدخُّل الأجنبي في ليبيا، والإصرار على حلٍّ يأتي من مختلف الأطراف داخليًّا، سواءً الكياناتُ السياسيةُ، أوالأطراف العسكرية أو تحالفات وتفاهمات القبائل.

ودعمت الدبلوماسية المصرية على الدوام، المؤتمراتِ الدوليةَ التي  عُقدت خلال السنوات القليلة الماضية بُغْيَةَ التوصُّل إلى حلٍّ للأزمة الليبية يُفضي إلى توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية والحفاظ على سيادة ليبيا وأمنها ووحدة أراضيها، والدعم الكامل لإرادة الشعب الليبي واختياراته، وصياغة دستورٍ للبلاد وتنظيم انتخابات تكون تتويجًا للحل السياسي ونهاية لحالة الفوضى التي  تشهدها ليبيا.

وقد انخرطت مصر في كلِّ الجهود السياسية التي  تهدف إلى حلحلة الأزمة سواء عبر آليةٍ لدول الجوار تجمعُها مع تونس والجزائر، أو العمل من خلال المنظمات الدولية والإقليمية مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي، كما أن مصر -خلال رئاستها للاتحاد الإفريقي- أكدت أهمية مبدأ الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية وهو ما أكدته مرارًا، لا سيَّمَا عبر مجموعة الاتصال الإفريقية حول ليبيا.

واستضافت القاهرة اجتماعات كثيرة للفرقاء الليبيين كما قادتْ جهودًا واجتماعاتٍ تتعلَّق بتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وهي جهودٌ تؤكِّد، بما لا يَدَعُ مجالًا للشك، حرصَ الإدارة المصرية على الحفاظ على الأمن القومي الليبي واعتباره جزءًا لا يتجزَّأ من الأمن القومي المصري، وانفتاحها على كلِّ الأطراف الليبية دون اتخاذ أي مواقفَ مسبقةٍ أو الانحياز لطرفٍ ما، فكلُّ ما تسعى إليه هو الحفاظ على الدولة الليبية، فالدور المصري في ليبيا دور عربي قومي متجرِّد من المطامع.

وانطلاقًا من تلك الرؤية جاء إعلان القاهرة في السادس من يونيو الجاري، الذى أعلنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كمبادرةٍ سياسيةٍ تمهِّد لعودة الحياة الطبيعية إلى ليبيا، ليؤكد مجددًا على أن الحل السياسي هو الوحيد للأزمة الليبية، وأن أمن مصر من أمن واستقرار ليبيا.

وتقوم تلك المبادرة الليبية -الليبية لحل الأزمة على احترام كل المبادرات والقرارات الدولية بشأن وحدة ليبيا، وتتضمن دعوة كل الأطراف الليبية لوقف إطلاق النار مع التأكيد على أهمية مخرجات قمة برلين بشأن الحل السياسي في ليبيا.

كما تتضمَّن المبادرة الالتزام بإعلانٍ دستوريٍّ ليبيٍّ وضمان تمثيلٍ عادلٍ لأقاليم ليبيا في مجلسٍ رئاسيٍّ ينتخبه الشعب، فضلًا عن تفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها، وإخراج المرتزقة الأجانب من كل الأراضي الليبية.

وقد لاقت تلك المبادرة، فَوْرَ إعلانها، تأييدًا واسعًا من جانب الدول العربية والغربية والمنظمات الإقليمية والدولية، حيث أعربت المملكة العربية السعودية عن ترحيبها بكل الجهود الدولية الداعية إلى وقف القتال في ليبيا والعودة للمسار السياسي، على قاعدة المبادرات والقرارات الدولية ذات الصلة، وحثت جميع الأطراف الليبية، وفي مقدمتها حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي، على تغليب المصلحة الوطنية والوقف الفوري لإطلاق النار، والبدء في مفاوضاتٍ سياسيةٍ عاجلةٍ وشاملةٍ برعاية الأمم المتحدة، كما رحَّبتْكلٌّ من الإمارات والأردن وجامعة الدول العربية والبرلمان العربي بتلك الجهود المصرية.

وأكدت واشنطن تقديرها للجهود المصرية الداعمة للعودة إلى الحلول السياسية، بينما وصفت روسيا إعلان القاهرة بـ”المبادرة المهمة” لإنهاء الأزمة في ليبيا وتعدُّ أساسًا لبدء عمليةٍ سياسيةٍ جادَّةٍ.

واعتبرت روسيا أن “إعلان القاهرة” يجب أنْ يكون المنتدى الرئيسي لتقرير مستقبل ليبيا، وأشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اتصالٍ هاتفيٍّ مع الرئيس السيسي بالمبادرة المصرية، من حيث توقيت طرحها والإطار الشامل الذي تقدمه، وترسيخ دور مصر كركيزةٍ أساسيةٍ للأمن والاستقرار في محيطها الإقليمي ومنطقة الشرق الأوسط.

كما رحبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بالمبادرة ورأت أنها “امتدادٌ لمسار مؤتمر برلين، بإضافة عناصر وأبعادٍ جديدةٍ فعالةٍ إلى العملية السياسية الليبية.

أطماع أردوغان العثمانية وأيديولوجيته الإخوانية بوصلة السياسة التركية تُجاه ليبيا

يأتى التدخُّل العسكري التركي السافر في ليبيا ليمثِّل تلاقيًا لعددٍ من الأبعاد التي  تحكُم السياسة التركية الحالية، إذ يقود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عملية صنعِ وتنفيذِ السياسة الخارجية مدفوعًا بتوجُّهٍ أيديولوجي لدعم تيارات الإسلام السياسي بحكم انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين ومحاولة إنقاذ مشروع الجماعة الذي انهار مع ثورة 30 يونيو في مصر التي  أطاحت بحكم الجماعة.

كما يحرِّكُه أيضًا حلمُ التوسُّع العثماني وتصوُّرُه لذاتِه كخليفةٍ عثمانيٍّ، حيث يريد أردوغان إحياءَ إرث الاحتلال العثماني في شمال إفريقيا عبر السيطرة على ثروات ليبيا النفطية، بالإضافة إلى استغلال الملف الليبي كورقةٍ للمناوشات السياسية وإذكاء حالةٍ من عدم الاستقرار في المنطقة.

وقد سعى أردوغان إلى إصباغ شرعيةٍ مزعومةٍ على التدخُّل التركي في ليبيا عبر توقيعه مع رئيس حكومة الوفاق، فايز السراج في 27 نوفمبر الماضي مذكرةً للتعاون الأمني تمنحُ تركيا الوجود عسكريًّا في الأراضي الليبية، ومذكرةً لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، وهما مذكرتان تفتقدان أيَّ شرعيةٍ قانونيةٍ نظرًا لرفض مجلس النواب الليبي المعترَف به دوليًّا، التصديقَ عليهما، وبالتالى لم تستوفِ الشروطَ القانونيةَ المتعارَفَ عليها لدخولها حيِّزَ النفاذ، كما أن اتفاقية ترسيم الحدود تجاهلت تمامًا وجود جزيرة كريت اليونانية في خرقٍ صارخٍ لأحكام القانون الدولي للبحار.

لقد اتَّسم النهجُ التركيُّ في التعامُل مع الملف الليبي بمخالفة القوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن الدولي التي تقضي بحظْر تصدير السلاح، وهو ما تمثَّل في إمداد أنقرة ميليشيات حكومة الوفاق بالسلاح والعتاد، كما باتتْ سماءُ ليبيا ساحةً لاختبار الطائرات التركية المسيرة التي  تستهدف الجيش الوطني الليبي، هذا بجانب إرسالها مئات المرتزقة السوريين من الكتائب التي  تدعمها في شمال سوريا مثل “لواء المعتصم وفرقة السلطان مراد ولواء صقور الشمال والحمزات وسليمان شاه” إلى ليبيا عبر طائراتٍ مدنيةٍ، بينما تكفلت حكومة الوفاق برواتب هؤلاء المرتزقة التي تقدَّر بآلاف الدولارات للفرد.

 وأخيرًا.. رغم تواصُل المساعي التي تقودُها أطرافٌ دوليةٌ وعربيةٌ، في مقدمتها مصرُ، نحو جمْعِ الفرقاء الليبيين على طاولة المفاوضات عبر العديد من المبادرات، وآخرها إعلان القاهرة، فإن تلك المبادرات تقابَل بتعنُّتٍ ورفضٍ من جانب حكومة الوفاق التي باتتْ ترتِهنُ في قرارها الداخلي، قبلَ الخارجي، لأوامرِ أردوغان،

وتمثَّل الرفضُ بوضوحٍ في تصريحٍ لمحمد قنونو، المتحدث باسم ميليشيات الوفاق، قال فيه: “لم نبدأ هذه الحرب، لكننا مَن يحدد زمان ومكان نهايتها”.

وبينما تأتي الدعوة المصرية لوقف إطلاق نار شامل تشنُّ الميليشيات التابعة للسراج على الأرض حملة عسكرية للسيطرة على غرب البلاد، بل إن أردوغان بنفسه أكد في مقابلة مع قناة “تي آر تي” التركية في 8 يونيو الجاري -الموعد المفترَض لبدء الهدنة وفقًا لما جاء في إعلان القاهرة-، باستمرار مساعي حكومة السراج للسيطرة على سرت ومحيطها، متحدثًا عن أهميتها الاستراتيجية لوجود آبار النفط، في تصريحٍ يكشف بجلاءٍ حجمَ الأطماع التركية في ثروات الشعب الليبي.

وفي خطوة عملية أيضًا أرسلت أنقرة فرقاطة من “الفئة G” إلى المياه الإقليمية الليبية، لدعم ميليشيات الوفاق خلال المعارك الدائرة في محيط سرت ضد الجيش الوطني الليبي.

وإزاء تلك التطورات وعدم استجابة السراج للمبادرة المصرية، أصدر مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل بيانا مشتركا مع وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وإيطاليا في 9 يونيو الجاري، يدعو جميع أطراف الصراع في ليبيا إلى وقف العمليات العسكرية على الفور وسحب القوات الأجنبية، والمرتزقة، والعتاد العسكري والانخراط بفاعلية في مفاوضات سلام.

 وانطلاقًا ممَّا سَبَقَ يمكن استشرافُ سيناريوهين للأزمة الليبية في المستقبل المنظور:

السيناريو الأول:

يتمثَّل في اتجاه الأزمة نحو مزيدٍ من التصعيد العسكري، ففي ظلِّ رفض حكومة طرابلس الحلَّ السياسيَّ، واستمرار الدعم العسكري التركي للميليشيات المسلحة، سيؤدِّي ذلك إلى إطالة أمدِ الصراع العسكري، لتستمرَّ المعاركُ بين الفرقاء الليبيين حتى تفرض موازينُ القوى على الأرض على الأطراف الجلوسَ على مائدة المفاوضات.

السيناريو الثاني:

يفترض تولِّي المجتمع الدولي دورًا أكبرَ فيما يتعلَّق بالأزمة الليبية وممارسة ضغوطٍ على أنقرةَ من أجل الالتزام بتعهداتها السابقة في مؤتمر برلين للسلام حول ليبيا، مع تشديد الجهود الدولية المتعلِّقة بمراقبة حظْر السلاح المفروض على ليبيا.

زر الذهاب إلى الأعلى