ترجمات

هل يمثل الاعتراف المتزايد بدولة فلسطين نقطة تحول في العلاقات الدولية؟

مع اقتراب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة من دخول شهرها التاسع والتعثر المستمر لمسار المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار نتيجة لتعنت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تتزايد الضغوط الدبلوماسية  الدولية على تل أبيب، ففي الحادي عشر من الشهر الجاري صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 143 صوتًا لصالح قرار يدعم طلب عضوية فلسطين الكاملة بالمنظمة ومنح “حقوق وامتيازات” جديدة لفلسطين التي تتمتع حاليًا بوضع مراقب.

وفي الثاني والعشرين من الشهر ذاته، جاء إعلان أوروبي ثلاثي تاريخي من جانب النرويج وإسبانيا وأيرلندا بالاعتراف رسميًا بدولة فلسطين، في خطوة مهمة من الواضح أنه سيكون لها تأثير محتمل على دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

  • الاعتراف الأوروبي الثلاثي وتأثيره

ووفقًا لتحليل نشره موقع “مودرن دبلوماسي” المتخصص في الشؤون الدولية، يعد اعتراف هذه الدول الأوروبية الثلاث جزءًا من اتجاه أوسع، حيث تفكر دول الاتحاد الأوروبي الأخرى مثل سلوفينيا ومالطا وبلجيكا أيضًا في الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وفي الوقت الحالي، تعترف 12 دولة أوروبية بفلسطين، وهذا الدعم المتزايد داخل أوروبا يمكن أن يفرض ضغوطًا على أعضاء الاتحاد الأوروبي الآخرين ليحذوا حذوها. ومن الممكن أن يؤدي هذا الموقف الأوروبي الجماعي إلى إحداث تغيير كبير في الديناميكيات داخل الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وقد دفع إعلان النرويج وإسبانيا وأيرلندا، إسرائيل إلى استدعاء سفرائها على الفور من  الدول الثلاث لإجراء “مشاورات عاجلة”، وأعرب وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن استنكاره الشديد، قائلا: “إسرائيل لن تتغاضى عن ذلك بالصمت”، كما هدد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بوقف تحويل أموال الضرائب إلى السلطة الفلسطينية، وهي خطوة قد تكون لها آثار اقتصادية خطيرة على الفلسطينيين.

  • حافز لحل الدولتين

وبحسب “مودرن دبلوماسي”، ترمز الاعترافات الأخيرة من جانب النرويج وإسبانيا وأيرلندا إلى الإحباط المتزايد داخل أوروبا فيما يتعلق بعملية السلام المجمدة والصراع المستمر. ومن الممكن أن تكون هذه الاعترافات بمثابة حافز لتجديد الجهود الدبلوماسية نحو حل الدولتين. ومع ذلك، أثار هذا التطور أيضًا ردود فعل قوية من تل أبيب وواشنطن، إذ تزعم الحكومة الإسرائيلية أن هذه الاعترافات “مكافأة للإرهاب”.

وتصر الولايات المتحدة على أن الدولة الفلسطينية يجب أن تأتي من خلال مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين. ويعارض الرئيس الأمريكي جو بايدن وإدارته الاعتراف الأحادي الجانب بفلسطين، مشددين على أنه يجب أن يكون جزءًا من تسوية تفاوضية تعالج القضايا الحاسمة مثل الحدود ووضع القدس.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك العديد من قرارات مجلس الأمن الدولي تتعلق بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، لكن إسرائيل رفضت تنفيذها جميعًا، لكن الأزمة الإنسانية الأخيرة في غزة تتجاوز تسامح المجتمع الدولي فجميع المنظمات الدولية تقريبًا ترفع أصواتها من أجل حماية سكان غزة وإقامة الدولة الفلسطينية، والاحتجاجات والمظاهرات المؤيدة لفلسطين تجتاح جميع أنحاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا.

  • ردود الفعل الأمريكية والإسرائيلية

اتسم رد فعل الولايات المتحدة على الدعم المتزايد للدولة الفلسطينية بالحذر، فقد أكد الرئيس بايدن ومستشاره للأمن القومي، جيك سوليفان، أن الطريق إلى الدولة الفلسطينية يجب أن يتضمن مفاوضات مباشرة. كما حذرت واشنطن إسرائيل من اتخاذ إجراءات عقابية مثل حجب الأموال المخصصة للسلطة الفلسطينية، مشددة على أن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الصراع.

في المقابل، اتسم الرد الإسرائيلي بمعارضة قوية. وأدان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية زاعمًا أنها “مكافأة للإرهاب”. وحذر مسؤولون إسرائيليون من أن هذه التحركات قد تمثل تشجيعًا وتحفيزًا للفصائل الفلسطينية وتزيد من تعقيد جهود السلام، على حد زعمهم.

  • معارك ميدانية وقانونية

وبينما تشن قوات الاحتلال هجومًا على رفح جنوب قطاع غزة، بزعم أنه آخر معاقل مقاتلي حركة “حماس” الفلسطينية، ما أدى لنزوح أكثر من 800 ألف شخص، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، أمرت محكمة العدل الدولية، إسرائيل بوقف هجومها العسكري فورًا وأي أعمال أخرى في محافظة رفح قد تفرض على السكان الفلسطينيين في غزة ظروفًا معيشية يمكن أن تؤدي إلى تدميرهم جسديًا كمجموعة أو على نحو جزئي.

وأمرت المحكمة أيضا إسرائيل بالإبقاء على معبر رفح مفتوحًا للسماح بتقديم الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها من دون عوائق وبكميات كبيرة، وأكدت أنه يتعين على تل أبيب السماح بوصول المحققين إلى القطاع المحاصر، وتقديم تقرير عن التقدم المحرز في غضون شهر واحد.

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول بأن قرار إسبانيا وأيرلندا والنرويج الاعتراف بدولة فلسطين يمثل لحظة مهمة في مسار الدبلوماسية الدولية تجاه القضية الفلسطينية، ويسلط الضوء على الدعم المتنامي لإقامة الدولة الفلسطينية والإحباط المتزايد إزاء عدم إحراز تقدم نحو حل سلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وتشير هذه الاعترافات إلى تحول محتمل في السياسة الدولية يمكن أن يؤثر على الدول الأخرى. كما أن الاعتراف والدعم الدوليين المتزايدين يمكن أن يمهد الطريق لتجديد الجهود الدبلوماسية والدفع نحو تحقيق حل الدولتين، بما يشمل إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى