تصاعدت خلال الأيام القليلة الماضية الدعوات والتحركات التشريعية في الدول الغربية من أجل حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي على من هم دون سن السادسة عشرة عامًا على غرار القانون الذي تم إقراره مؤخرًا في أستراليا، وقد دفعت تلك الجهود إلى فتح المجال أمام الحديث عن إصلاح منصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية مقالًا لجاي غرابير، الرئيسة التنفيذية لشبكة “بلوسكاي” الاجتماعية اللامركزية، قدمت خلاله طرحًا لرؤيتها لعملية الإصلاح، نستعرض أبرز ما جاء فيه على النحو التالي:
- تحكم الأوليغارشية واحتكار المستخدمين
كان من المفترض أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي قوة ديمقراطية، لكن المنصات منحت حفنة من الأفراد سيطرة أكبر على الخطاب العام من أي مسؤولين تنفيذيين في وسائل الإعلام عبر التاريخ، إذ يتحكم عدد قليل من الأوليغارشية الآن فيما يراه ويسمعه ويقرؤه مليارات الأشخاص حول العالم، وهذه ليست نتيجة طبيعية للتقدم التكنولوجي.
لقد أدت خيارات متعمدة للقضاء على المنافسة، واحتكار المستخدمين، وتحسين التفاعل – بغض النظر عن التكلفة – إلى خلق بيئة وسائل التواصل الاجتماعي السامة التي نعيشها اليوم.
وتُعد شركات وسائل التواصل الاجتماعي من أصعب الشركات التي يمكن تأسيسها، لأنها لا تنجح إلا على نطاق واسع، ولا ترغب هذه المنصات في السماح للمستخدمين بالرحيل مع بياناتهم وعلاقاتهم. وقد نتج عن ذلك وضع لا يملك فيه العميل سوى القليل من النفوذ. فإذا لم يعجبك ما تفعله منصة ما – كأن تعترض على سياسة الإشراف الخاصة بها أو على استخدامها لبياناتك – فإن خياراتك الوحيدة هي البدء من الصفر أو الضغط من أجل التغيير.
ثمة قناعة بأن الغضب الذي يشعر به الناس تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى هو نتيجة مباشرة لشعورهم بالعجز، حيث يشعر المستخدمون بالصدمة إزاء القرارات التي اتخذها قادة هذه الشركات، والإحباط لعدم وجود بديل آخر. كما أن الوضع لا يتحسن.
لقد سمحت منصة “إكس” مؤخرًا للمستخدمين بإنشاء صور حميمية (دون موافقة أصحاب الصور) في ثوانٍ عبر برنامج الدردشة الآلي “”غروك”، مما يُعد تحرشًا بالنساء ويُعرّض الأطفال للخطر، ويمثل تجاوزًا لخطوط حمراء التزمت بها هذه الصناعة لعقود.
- موجة حظر لمنصات التواصل الاجتماعي
في العام الماضي، أصبحت أستراليا أول دولة تحظر على الأطفال استخدام 10 منصات تواصل اجتماعي، بما في ذلك فيسبوك وتيك توك. وأشارت الحكومة الأسترالية إلى التصميم المتعمد لميزات (على المنصات) تُشجع الأطفال على قضاء مزيد من الوقت أمام الشاشات. وفي فرنسا تم إقرار مشروع قانون يمنع من هم دون سن 15 عامًا من الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي المملكة المتحدة، حظي اقتراح بحظر من هم دون سن 16 عامًا بدعم مجلس اللوردات هذا الأسبوع. وتناقش الدنمارك والنرويج وماليزيا قيودًا مماثلة.
وفي هذا السياق، يُعتقد أن المنافسة والابتكار يُمكن أن يُسهما في حماية الشباب بشكل أفضل، دون حرمانهم من فوائد التواصل والمشاركة المسؤولة. فهناك الكثير مما يُمكننا فعله لو كان الإطار التنظيمي شريكًا لا أداة قمع.
ومع أن قوانين التحقق من العمر تبدو منطقية من الناحية النظرية، إلا أن طريقة تطبيقها حول العالم تُهدد حرية التعبير وتُعيق المنافسة، إذ إنها تُفضل الشركات العملاقة التي تدعي حمايتها.
- الفارق بين شركات منصات التواصل الاجتماعي
تستطيع الشركات المساهمة العامة التي تضم آلاف الموظفين الامتثال للوائح المُرهقة، بينما تواجه الشركات الناشئة التي تضم بضع عشرات من المهندسين أعباءً جسيمة بل وجودية، فلدى شركة ميتا عدد من الأشخاص المُختصين بالامتثال يفوق عدد فريق بلوسكاي بأكمله. بالإضافة إلى ذلك، فإن اللوائح التي تفرض تكاليف ثابتة على جميع الشركات تُؤثر بشدة على الشركات الصغيرة.
لقد بنينا بلوسكاي استنادًا إلى الدروس المُستفادة من جدل وسائل التواصل الاجتماعي السابق، حيث تُوفر الشبكة اللامركزية والمفتوحة فرصًا أكبر للابتكار والتجريب، وتحسين الأداء باستمرار بدلًا من فرض حل واحد يناسب الجميع.
ولهذا، فإن المنافسة قد تكون وسيلة فعّالة للتغيير، لقد طالب المنظمون والمستخدمون على مدى سنوات منصة ميتا بإعادة عرض المحتوى بترتيب زمني، لكن ميتا تجاهلت مطالبهم حتى بدأ المستخدمون بالانتقال إلى منصات منافسة وعندها أضافت ميتا هذا الترتيب كخيار.
ولا تقتصر المنصات المغلقة على تقييد المستخدمين فحسب، بل تمنعهم أيضًا من التجربة. ويُمثل الاستياء الحالي من الأدوات التي تُقدمها منصة “غروك” أحدث دليل على إحباط المستخدمين الجماعي. في مقابل ذلك، تُصمم الشبكات المفتوحة مثل بلوسكاي بطريقة تمنع أي جهة، بما في ذلك المنصة، من تقييد المستخدمين أو جمع بياناتهم، فهوية المستخدمين وعلاقاتهم قابلة للنقل، لذا يُمكنهم المغادرة دون الحاجة إلى البدء من جديد.
إن الهدف هنا هو ربط المستخدمين بما يرغبون بمشاهدته، وليس استنزاف أكبر قدر ممكن من الاهتمام. كما تتيح الشبكات المفتوحة أيضًا للمطورين الابتكار، إذ يوجد حاليًا أكثر من 400 تطبيق مبني على الشبكة الاجتماعية نفسها، كل منها يُجرب شيئًا مختلفًا. على سبيل المثال سكاي لايت وهو تطبيق على غرار تيك توك، صممه مطوران لا ينتميان إلى بلوسكاي.
- مساران للمستقبل
لقد أصبح أمامنا مستقبلان: في أحد السيناريوهات، تخنق المنصات المغلقة المنافسة، مُبقية كل ما نراه تحت سيطرة عدد قليل من الشركات دون أي حافز للتحسين. أما في السيناريو الآخر، تُمكّن الشبكات المفتوحة أي شخص لديه فكرة جيدة من بناء نسخة أفضل من وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا السيناريو لن يتحقق تلقائيًّا، بل يتطلب من المستخدمين اختيار بدائل مفتوحة، ووجود قوانين تُحقق تكافؤ الفرص.
وأخيرًا، لقد كان من المفترض أن تُتيح وسائل التواصل الاجتماعي للجميع فرصة التعبير عن آرائهم. ويُمكننا تحقيق ذلك من خلال الوعي والمسؤولية، مع حماية الشباب وتشجيع الابتكار، وذلك إذا بنينا أنظمة يكون الاستحواذ عليها مستحيلًا.



