ترجمات

استراتيجية ترامب للدفاع الوطني لعام 2026

بعد مرور أول عام من ولايته الرئاسية الثانية، أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأسابيع الماضية وثيقتين شديدتي الأهمية لرسم مسارات تحرك السياسة الخارجية والقوة العسكرية الأمريكية تمثلتا في استراتيجيتي الأمن القومي والدفاع الوطني اللتين حملتا بين سطورهما رسائل في غاية الأهمية لحلفاء واشنطن قبل خصومها حول رؤية الإدارة الحالية لمصالح واشنطن حول العالم وكيفية تأمينها، وإسهام الحلفاء في تلك المعادلة الجديدة المستندة لشعار لطالما رفعه ترامب “أمريكا أولًا”.

وفي هذا الإطار، نستعرض مقالاً بعنوان” إيران تمثل اختبارًا لاستراتيجية ترامب للدفاع الوطني”، لمايكل فرومان، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (مركز بحثي مقره واشنطن) ركز على تحليل تلك الاستراتيجية في ضوء التطورات التي يشهدها الشرق الأوسط حاليًا مع تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

  • محاور استراتيجية الدفاع الوطني

في نهاية الأسبوع الماضي، أصدرت إدارة ترامب بهدوء استراتيجيتها للدفاع الوطني لعام 2026، وتستحق هذه الوثيقة قراءة متأنية. تتلخص أطروحتها في ثلاثة محاور: أولها ضرورة ترشيد الولايات المتحدة لوضعها العسكري العالمي في ظل محدودية الموارد. وثانيها ضرورة توجيه حصة أكبر من الموارد المتبقية نحو الدفاع عن الوطن وتعزيز الهيمنة في نصف الكرة الأرضية، وثالثها توقع أن يتحمل الحلفاء والشركاء في أماكن أخرى، لا سيما في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، مسؤولية أكبر عن أمنهم الجماعي.

لا تُعد هذه الاستراتيجية انعزالية بأي حال من الأحوال، بل تسعى إلى ترتيب الأولويات وتحديد الشروط والأحكام اللازمة لاستمرار الحماية من الولايات المتحدة. وتتجلى هذه المقايضات بوضوح في تناول الاستراتيجية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وبينما اعتبرت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الصين “التحدي الأبرز” لسياسة الدفاع الأمريكية، لم تعد الصين تُصنف صراحة في هذه الاستراتيجية كتهديد رئيسي يواجه الولايات المتحدة، كما لم تُذكر منطقة المحيطين الهندي والهادئ كأهم مسرح عسكري لواشنطن.

أوضحت إدارة ترامب في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 أولوية نصف الكرة الغربي، وتراجع أهمية الدفاع الأوروبي، لكنها تركت الأمر غامضًا بعض الشيء بشأن إمكانية تطبيق استراتيجية مناطق النفوذ على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

اعتقد البعض أن هذا الغموض كان يهدف إلى إتاحة المجال أمام ترامب للتفاوض على صفقة شاملة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، تُرسّخ نفوذًا صينيًّا في المنطقة، وربما للتخلي عن الموقف الأمريكي التقليدي تجاه تايوان. وهنا يأتي دور استراتيجية الدفاع الوطني، حيث تُقر هذه الوثيقة بالقدرات الصناعية العسكرية الهائلة للصين، لكنها تُحدد مجموعة أهداف أكثر توازنًا للسياسة الأمريكية. وتنص على أن استراتيجية الولايات المتحدة “ليست الهيمنة على الصين، ولا خنقها أو إذلالها”.

  • منطقة المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا

بدلًا من ذلك، تدعو استراتيجية الدفاع الوطني إلى “سلام لائق”، يُعرف استراتيجيًّا بأنه “توازنٌ مُواتٍ للقوى العسكرية، واستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يمنع أي جهة، بما فيها الصين، من الهيمنة علينا أو على حلفائنا”؛ على حد قول مايكل فرومان.

عمليًّا، تدعو الاستراتيجية إلى بذل جهود حثيثة لإنشاء “دفاع رادع حازم على طول سلسلة الجزر الأولى”، بما يتماشى مع سياسات الإدارات السابقة تجاه تايوان، لكنها تُؤكد على ضرورة تكثيف الحلفاء لجهودهم لضمان نجاح هذه المساعي. ولأول مرة في تاريخ ما بعد الحرب، تُطالب كوريا الجنوبية صراحة بتحمل المسؤولية الرئيسية عن التهديد الكوري الشمالي (التقليدي).

ورغم عدم ذكر أسماء هذه الدول، تُشير الاستراتيجية إلى أنه سيُتوقع من اليابان والفلبين وتايوان استثمار مبالغ طائلة في أنظمتها الدفاعية، لأن الولايات المتحدة لن تستمر في لعب دور مُهيمن في ضمان الأمن الإقليمي.

يتماشى هذا مع نهج ترامب تجاه أوروبا. فقد أوضح ترامب مرارًا وتكرارًا رغبته في أن يتقاسم حلفاء وشركاء حلف شمال الأطلسي “الناتو” مزيدًا من الأعباء، وهو ما يحدث الآن.

لأول مرة، ينفق جميع حلفاء الناتو 2% من ناتجهم المحلي الإجمالي على الدفاع، وفي الصيف الماضي، اتفقوا على تحقيق هدف جديد بنسبة 5% (مع تخصيص 3.5% للإنفاق العسكري الأساسي) بحلول عام 2035. وتقول استراتيجية الدفاع الوطني: “إن تحمل أوروبا المسؤولية الرئيسية عن دفاعها التقليدي هو الحل لمواجهة التهديدات الأمنية التي تواجهها”، مضيفة أن القارة ستتلقى “دعمًا أمريكيًا بالغ الأهمية ولكنه محدود”.

وقد تساءل ترامب علنًا عن سبب عدم امتلاك حلفاء الناتو، الذين يبلغ ناتجهم المحلي الإجمالي مجتمعين عشرة أضعاف ناتج روسيا، الوسائل التقليدية لردع أي توغل من جانب موسكو. وأوضح أن الدول الأوروبية بحاجة إلى دفع حصة أكبر بكثير من تكاليف أمن الناتو، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن الولايات المتحدة تخطط لتقليص التزاماتها الإقليمية.

والسؤال المطروح هو ما إذا كانت دعوات ترامب الحازمة لتقاسم الأعباء ستُعتبر بمثابة التخلي عن المصالح بدلًا من تشجيعها، فضلًا عن كيفية تفسير رؤية الإدارة الأمريكية المحدودة جغرافيًّا للمصلحة الوطنية.

بالنظر إلى وتيرة الأحداث العالمية الحالية، من المرجح الإجابة عن هذه التساؤلات عاجلًا لا آجلًا. في الواقع، السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان بالإمكان لاستراتيجية قائمة على تحديد الأولويات بشكل منهجي أن تتعايش مع رئيس لديه طموحات دولية كبيرة ورغبة في التدخل بقوة في مختلف أنحاء العالم، ولنا في إيران خير مثال.

  • التحذيرات الأمريكية لإيران

يوم الأربعاء الماضي، حذر ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” من “أسطول ضخم” متجه إلى إيران، قادر على شن هجوم “أشد فتكًا” من عملية “مطرقة منتصف الليل” في يونيو الماضي. وبينما كانت تهديدات الرئيس السابقة ضد النظام الإيراني تدعو صراحة إلى وضع حد للقتل الوحشي الذي يرتكبه النظام بحق آلاف المتظاهرين، فإن مطالبه الآن تركز على جلوس النظام إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى “اتفاق عادل ومنصف”.

ورغم أن منشور ترامب لم يذكر صراحة ما قد تطلبه واشنطن من طهران خلال هذه المفاوضات باستثناء “لا أسلحة نووية”، تشير التقارير إلى أن الإيرانيين قد طُلب منهم ثلاثة مطالب: وقف جميع عمليات تخصيب اليورانيوم والتخلص من المخزونات الحالية، والحد من صواريخها الباليستية، ووقف دعم شبكة الوكلاء التابعة لها من الميليشيات والحلفاء التي تضم حماس والحوثيين وحزب الله اللبناني.

إن قبول إيران هذه المطالب يُعد بمثابة اعتراف صريح، تحت وطأة القوة، بفشل استراتيجيتها الكبرى، وتخليها عن أي نفوذ تمكنت من الاحتفاظ به بعد انتكاسات العامين الماضيين.

وسيتعين على النظام الموازنة بين هذه العوامل وخطر عمل عسكري أمريكي كبير، بما في ذلك استهداف كبار القادة والبنية التحتية الحيوية والأصول العسكرية. وقد عزز ترامب تهديده بإصداره أوامر بنقل مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” من بحر الصين الجنوبي إلى منطقة الشرق الأوسط.

وبعد أن شجعته العملية العسكرية الأمريكية لإزاحة نيكولاس مادورو من السلطة في فنزويلا، كتب ترامب: “كما هي الحال مع فنزويلا، فإن الأسطول جاهز ومستعد وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة وبقوة، إذا لزم الأمر”.

وبمقارنة إيران بفنزويلا، يُلمح ترامب إلى أن محاولة تغيير النظام مطروحة على الأقل. لكن إيران ليست فنزويلا، فمن غير الواضح من الخارج مدى هشاشة النظام في الواقع، ومدى خطورة الاحتجاجات على قدرته على الاحتفاظ بالسلطة. علاوة على ذلك، يبقى من غير الواضح من أو ما الذي سيخلف المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو احتمال يجب أخذه في الاعتبار على أي حال نظرًا لتقدمه في السن وتدهور صحته.

إن إزاحة خامنئي لن تضمن بالضرورة انهيار النظام، ناهيك عن إرساء الديمقراطية أو تشكيل مجلس عسكري مطيع. قد يؤدي ذلك إلى خلافة مرشد آخر، أو صعود الحرس الثوري (الذي صنفته الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي الآن كمنظمة إرهابية)، أو انقسام البلاد على أسس عرقية أو غيرها، أو صعود ولي العهد رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل المنفي.

كل هذا يعني أن تغيير النظام في إيران قد ينطوي على نوع من التورط طويل الأمد الذي حرص ترامب على تجنبه. إذن إلى أي مدى الرئيس الأمريكي مستعد للمضي قدما؟ قد يتمكن ترامب من التعامل مع إيران كاستثناء لاستراتيجية الدفاع الوطني بدلاً من اعتبارها اختبارًا لها. فهو لا يعتقد أن موقف أمريكا في أوروبا أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ مُعرض للخطر المباشر، ما سمح له بسحب مجموعة حاملات طائرات من بحر الصين الجنوبي (وتوجيهها للشرق الأوسط)، مُراهنًا على إمكانية الحفاظ على “سلام معقول” أثناء عمله على الملف الإيراني. لكن إذا التزم ترامب بمنطق استراتيجية الدفاع الوطني، فسيتعين عليه اتباع مسار في إيران يتجنب بأي ثمن الوقوع في مستنقع.

تُدرك طهران ذلك، ولعل هذا ما دفع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى التصريح علنًا الأسبوع الماضي بأن “المواجهة الشاملة ستكون شرسة وستطول كثيرًا، أكثر بكثير من الجداول الزمنية الخيالية التي تُحاول إسرائيل الترويج لها في البيت الأبيض”.

ربما يكون هذا مجرد كلام مُبالغ فيه من إيران التي أصبحت أضعف بكثير، ولكنه خطر يتعين على إدارة ترامب أخذه في الحسبان. فاستراتيجية الدفاع الوطني، وتركيزها على تحديد الأولويات، لا تقبل بأقل من ذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى