تقارير

صراعات متصاعدة ومحاولات انقلابية متجدّدة في قطر

انتشرت خلال الساعات الماضية، أنباء عن محاولة انقلاب في قطر، كان لافتاً أن أولَ من كشف عن تفاصيلها وأفرد لها مساحاتٍ واسعة من التغطية، وسائل إعلام تركية، وتحديداً تلك الموالية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الحليفِ الرئيسي للدوحة، التي تعاني عُزلةً من محيطها الإقليمي، وقطيعةً تقودُها دولُ الرباعي العربي لمكافحة الإرهاب (السعودية – مصر – الإمارات – البحرين)، وهو ما يُعطي مؤشراً واضحاً على الشّرخ الذي يبدو أنه قد أصاب العلاقات بين أمير قطر تميم بن حمد، والرئيس التركي رجب أردوغان.

وسائل الإعلام التركية وتفاصيل حصرية لانقلاب الفجر

أفادت تقارير صحفية تركية بسماع دويّ طلقات نارية، ووقوع اشتباكات عنيفة في منطقة الوكرة الساحلية، الواقعة على بُعد 5 كيلومترات من العاصمة القطرية الدوحة، وحَلّقت الطائراتُ والمروحيات العسكرية في سماء الدوحة، ونشر موقعا “توبلومصال و”أجان سبور”، وقناة “تيلي 1″، وصحيفتا “إيه بي سي جازيت” و”يني تشاغ”، فيديوهاتٍ وصوراً توثّق إطلاق نار واشتباكات وقعت ضمن محاولة الانقلاب، كاشفةً عن أن المحاولة استهدفت تميم بن حمد بشكل مباشر، حيث حاولت العناصر المنفذة للانقلاب اقتحام قصر الأمير، لكن المخابرات القطرية – بحسب المصادر التركية – أحبطت الانقلاب الذي تم الإعداد له على مدى شهرين، بينما تُجري قواتُ الأمن حملة اعتقالات ومداهمات للمناطق التي يُعتقد أنها تضمّ مٌخططي العملية الانقلابية.

أما صحيفة «ميليتاري ريفيو» الروسية، فتؤكد أن الأمير تميم بن حمد فرض التكتّم على المحاولة الانقلابية، وتوعّد بمحاكمات جنائية لمن يُخالف تلك التعليمات.

وأياً كان ما حصل في الدوحة – بحسب موقع “112.international” الأوكراني – «فإن هناك شيئاً واضحاً بجلاء، وهو أن تميم بن حمد ليس مقبولاً لدى الجميع في الشرق الأوسط».

ويُشير حساب “مجموعة أبحاث الأمن الدولي والصراع international security and conflict research group” على موقع تويتر، إلى أن رئيس الوزراء السابق حمد جاسم بن جبر آل ثاني، هو الذي يَقف وراءَ محاولة الانقلاب والإطاحة بتميم، بعدما أمر الأخيرُ تحتَ ضغطٍ من الولايات المتحدة، بالتحقيق في قضايا فساد ضد شركات حمد بن جاسم، المتورطة في قضايا فساد تتصل بملف استضافة الدوحة لكأس العالم 2022.

وكان موقع “قطريليكس” كشف قبل عدة أشهر، عن خلافاتٍ متصاعدةً بين الأمير تميم وحمد بن جاسم، إذ رأى تميم أن رئيس الوزراء السابق وَرّط الدوحة في ملفاتٍ وفضائحَ أمنيةٍ ومالية عديدة، في مقدّمتها فضيحة بنك باركليز البريطاني، والتحقيقات الجارية حول دور بنك الريان القطري في تمويل الجماعات الإرهابية بأوروبا.

من جهةٍ أخرى، رَجّحت تقارير صحفية عربية، ومراقبون للشأن القطري، أن يكون وراءَ محاولة الانقلاب رئيسُ الوزراء القطري السابق عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني، الذي أعلن الديوانُ الأميري القطري في 28 يناير الماضي، “قبولَ استقالته بناءً على طلبه”، فيما أفاد معارضون قطريون بأن استقالة بن ناصر كانت نتيجةَ اختلافِ الرؤية بينه وبين الأمير تميم، بشأن عدد من الملفات، لاسيما فيما يخصّ العلاقة مع تركيا، وانتشار القوات التركية في قطر.

تكذيب رسمي مقتضب بعد صمت طويل.. واعتراف ضمني من شخصيات بارزة

أحدثت المحاولةُ الانقلابية حالةً من التخبّط داخل قطر، وهو ما يؤكده التزام السلطات القطرية الصمتَ لأكثر من 9 ساعات، قبل أن تُصدِر وزارةُ الخارجية القطرية نَفياً مقتضباً للغاية لتلك الأنباء، مُعتبرةً أن ما يدور “حَشْوٌ إعلامي” و”أخبار كاذبة”، دون أن تُوضّح ماهيةَ الفيديوهات التي تداولها نشطاء على نطاق واسع، وتكشف عن دويّ إطلاق نار في الوكرة، دَشّن مغرّدون بعد تداولها هاشتاقي #انقلاب_في_قطر و #الوكرة، أو تعلّق حتى على أنباء محاولة الانقلاب التي كان أولَ مَن أعلنها وسائلُ إعلام تركية.

كما أن تعليق حمد بن جاسم على الأنباء، حَمَل قدراً من الغموض لا يُمكن تفسيرُه إلا بأنه تأكيدُ عِلّة وجود صراع حامي الوطيس داخل أروقة القصر الأميري، كاشفاً عن خلافات بينه وبين الأمير، معتبراً في تغريدة نشرها على حسابه بموقع تويتر وتم حذفها لاحقاً، أنه حتى وإن حصل انقلاب فهذا شأن داخلي! مشيراً إلى عدم اتفاق بينه وبين الأمير في الملفات الداخلية، ومؤكداً أن الحُكم يَبقَى في يد الأجدر به! وهي عبارة غامضة تَعني استمرارَ الصراع، وتَفتح المجالَ أمام المزيد والمزيد من المحاولات الانقلابية، لاسيما وأن حمد بن جاسم وضع نفسه رأساً برأس مع الأمير، حينما ذَكر في تغريدته العبارة التالية” نتفق أنا وأخي تميم في بعض الملفات الداخلية، وقد يَفوز أو أفوز بها أحياناً”.

وبَعد عدة ساعات عاد بن جاسم ليغرّد من جديد بعد حذف التغريدة السابقة، مؤكداً أنه لن يَردّ على ما وصفها بـ”المهاترات”، في إشارةٍ للتقارير التي وَجَّهت إليه أصابعَ الاتهام بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

من جهةٍ أخرى، عَزّز تعليق جوعان بن حمد، شقيق الأمير تميم، عبر حسابه على موقع “تويتر”، صِحّة التقارير حول محاولة الانقلاب، حيث قال: “بغوا مطيحك وطاحوا عند رجلك جميع.. سبحان من يعطي الطيب على نيته..”، وتُعدّ تلك التغريدة بمثابةِ اعتراف ضمنيّ بوقوع تلك المحاولة.

واعتبر المتحدثُ الرسمي باسم المعارضة القطرية، خالد الهيل، أن ما حدث بوادر انقلاب في قطر، حيث حدث عصيان للأوامر العسكرية وتمرّد، وتمت الاستعانة بالمُستعمِر التركي وقوات التدخّل السريع في لخويا لفضّ العملية.

تاريخ طويل من الانقلابات والمحاولات الانقلابية في قطر

إن تاريخ قطر حافل بعمليات الانقلاب والخيانة والمحاولات الانقلابية الفاشلة أيضاً، إذ كان أولها عملية انقلاب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، على ابن عمه الشيخ أحمد بن علي آل ثاني، في فبراير من عام 1972.

ولأن الانقلابات كأسٌ مُرّ ودوامة تَطال الجميع، استغلّ حمد بن خليفة سَفر والده الشيخ خليفة لقضاء عطلةٍ صيفية في سويسرا، ليقوم بانقلابه بعد ساعتين من مغادرة الوالد للبلاد، في 27 يونيو 1995.

وفي عام 1996، حاول أنصار الأمير المخلوع الإطاحةَ بالحاكم الجديد، لكن المحاولة كان مصيرها الفشل، وعلى إثرها تمّ التنكيل بقبيلة آل مُرّة وعشراتِ العسكريين والضباط من الجيش والحرس الأميري.

كما قاد رئيسُ هيئة الأركان العامة، اللواء حمد بن علي العطية، محاولةَ انقلاب عام 2012، للاستيلاء على قصر الأمير حمد بن خليفة، لكن القواتِ الخاصةَ الأمريكية أحبطت العملية.

وفي يونيو 2013، تم الإعلان بشكل مفاجئ عن تولّي الأمير تميم بن حمد، لمقاليد الحُكم في قطر، وأشارت العديد من التقارير حينها، إلى أن الأمير تميم، كان يخطط لانقلابٍ على والده.

وفي يونيو 2017، كشفت صحيفة يني شفق التركية، عن محاولةِ انقلابٍ ضد الأمير الحالي، لكن القوات التركية المتمركزة في قطر، ساعدت في منع الإطاحة به.

وأخيراً.. إن الأجواء السياسية في قطر، تجعلها مؤهلةً دوماً لتكرار سيناريوهات الخيانة والانقلابات داخل الأسرة الحاكمة، كما أن القطيعة التي تُعاني منها الدوحة، والتي فرضتها على نفسها بسياساتها المثيرة للاضطراب، والداعمة للإرهاب، والمتدخّلة في شؤون الدول العربية، جعلتها تلجأ إلى حاضنةٍ إقليمية ممثلة في إيران وتركيا، بعدما لفظتها الحاضنة الطبيعية (الحاضنة الخليجية العربية)، وبات بقاءُ حاكِمها في قصره مرهوناً بحماية القوات التركية، التي اتخذت من البلاد مرتعاً لها.

زر الذهاب إلى الأعلى