تقارير

معضلة الأصول الروسية في الغرب

 

تعتبر العقوبات الاقتصادية من أهم أدوات الضغط التي تستخدمها الدول والتكتلات الإقليمية والمنظمات الدولية في النظام الدولي الراهن بهدف دفع الجهة المستهدفة بالعقوبة إلى التراجع عن قرارات أو سياسات أو حتى إجبارها على وقف إطلاق النار في حالة الحروب والنزاعات المسلحة.

كما أنها من أهم التدابير القسرية التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وأكثر الوسائل المستخدمة من قبل المنظمة الدولية لردع الدول التي ثبت ضدها مخالفة أحكام القانون الدولي، وقد تضمنت المادة “41” من ميثاق الأمم المتحدة صورًا لبعض التدابير غير العسكرية للعقوبات إذ نصت على أنه “لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب من أعضاء “الأمم المتحدة” تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئيًا أو كليًا وقطع العلاقات الدبلوماسية”.

وتتخذ العقوبات أشكالًا عدة في الممارسة الدولية فقد تكون مقاطعة اقتصادية أو حظرا اقتصاديا، أو حصارا اقتصاديا، كما أنها قد تكون عقوبات شاملة أو موجهة لقطاع اقتصادي بعينه. ويعد تجميد الأصول إحدى الأدوات التي تلجأ إليها الدول في هذا الإطار، وقد يكون ضد دول أو جماعــات ومؤسســات وكيانــات أو حتى أفــراد، وقد استخدم الغرب تلك الأداة ضد روسيا عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير عام 2022.

  • الحالة الروسية

لقد تحول تمويل قتال أوكرانيا ضد روسيا إلى قضية سياسية واقتصادية ساخنة خلال ما يقرب من عامين ونصف على اندلاع الحرب بين البلدين، إذ خصصت الدول الغربية 321 مليار دولار مساعدات لأوكرانيا، لكن من الواضح أن كييف تحتاج إلى المزيد.

وفي أبريل الماضي، وافق الكونجرس الأمريكي على حزمة مساعدات بقيمة 61 مليار دولار لكييف بعد أشهر من الاقتتال الداخلي حول ما إذا كان من الممكن إنفاق هذه الأموال بشكل أفضل على القضايا المحلية، بحسب إذاعة “دويتشه فيله” الألمانية.

وظهرت نقاشات مماثلة خلال انتخابات البرلمان الأوروبي مؤخرًا، والتي شهدت تحول الكتلة نحو اليمين المتشدد. كما واجهت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي صعوبة في الاتفاق على ما يجب فعله بأصول للبنك المركزي الروسي تبلغ نحو 300 مليار دولار، والتي تم تجميدها كجزء من العقوبات الغربية على موسكو بعد الحرب؛ فبينما أرادت واشنطن استخدام الأموال التي تم الاستيلاء عليها لتمويل المجهود الحربي في أوكرانيا، رأت بروكسل أن هناك إشكالية قانونية ضخمة لكون الغرب ليس في حالة حرب مباشرة مع روسيا، كما أن مصادرة الأصول الروسية المجمدة –أغلبها في أوروبا-، تنطوي على انتهاك محتمل للقانون الدولي، وتقوض ثقة المستثمرين في اليورو، وتتسبب بإجراءات انتقامية من قبل موسكو.

وفي مايو الماضي، بدا أن الدول الأوروبية توصلت لحل وسط في هذا الشأن، إذ قررت حكومات الاتحاد الأوروبي استخدام أرباح الأصول الروسية المجمدة في أوروبا لمساعدة أوكرانيا مع تخصيص 90% من الأموال للمساعدات العسكرية، ويأمل الاتحاد الأوروبي بأن تدر الخطوة حوالي 3,3 مليار دولار سنويًا لمساعدة كييف في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.

وقد أعلن الاتحاد الأوروبي في 24 يونيو الماضي عن تقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 1.5 مليار دولار، على أن يتم تمويل الحزمة لأول مرة من عائدات أصول البنك المركزي الروسي المجمدة.

  • خطة مجموعة السبع

في ذات السياق، وبعد عامين من الجدل، اتفق زعماء مجموعة السبع (تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان) على خطة لاستخدام تلك الأموال المجمدة، فبدلاً من إنفاق المبلغ الأصلي البالغ 300 مليار دولار، تقوم الخطة على استخدام الفوائد المترتبة على تلك الأصول – التي تقدر ببضعة مليارات من الدولارات سنويًا- كضمان لقرض لأوكرانيا تبلغ قيمته 50 مليار دولار.

وثمة تحديات تحيط بتلك الخطة تتمثل في التالي:

أولًا: إذا تم إصدار سندات على أساس تلك العوائد المستقبلية، يجب ضمان بقاء هذه الأصول مجمدة لمدة تتراوح بين 10 إلى 20 عامًا، ما يعني ضمان عدم إعادة هذه الأصول إلى روسيا خلال تلك الفترة.

ثانيًا: إحجام صناديق الثروة السيادية، والبنوك المركزية، والشركات، ومستثمري القطاع الخاص من دول الجنوب العالمي عن الاستثمار في الأصول الأوروبية لانهيار الثقة في التزام  الدول الأوروبية، مما يخلف عواقب وخيمة تتمثل في ارتفاع تكاليف الاقتراض والتضخم، فضلًا عن انخفاض عائدات الضرائب نتيجة ركود في النشاط الاستثماري.

ثالثًا: تلوح في الآفق أيضًا مخاوف قانونية، فمن المؤكد أن روسيا ستطعن ​​في تلك الإجراءت أمام القضاء الوطني في الدول المعنية، وطالما أن القضية معلقة، فإن الأموال ستظل مجمدة ومن غير الممكن القيام بأي إجراء في ظل هذا التجميد، كما أن الأصوات – أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي- التي تنادي بمنع المحاكم الوطنية من النظر في مثل هذه القضايا، تهدد بتقويض الثقة في النظام القانوني والمؤسسات القضائية.

  • رد الفعل الروسي

وردًا على خطة مجموعة السبع، أكدت روسيا أن أي محاولة للاستيلاء على الأصول المجمدة للبنك المركزي الروسي تعد سرقة، بحسب تعبير المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زخاروفا، محذرة من أن رد فعل موسكو سيكون “قاسيا للغاية”.

وفيما أقر نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديمتري ميدفيديف بأن روسيا ليس لديها ما يكفي من ممتلكات حكومية أمريكية للرد بشكل متماثل، سيتعين عليها ملاحقة أموال المستثمرين من القطاع الخاص بدلا من ذلك، وهي خطوة لن تكون أقل إيلاما، على حد تعبيره.

وفي تحرك عملي رسمي، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مايو الماضي، مرسومًا يتيح التصرف بالممتلكات الأمريكية العامة والخاصة لتعويض الضرر الناجم عن مصادرة واشنطن الممتلكات الروسية في الولايات المتحدة.

وبموجب المرسوم ستحدد روسيا الممتلكات الأمريكية، ومنها الأوراق المالية، التي يمكن استخدامها للتعويض عن أي خسائر قد تتكبدها موسكو في حال صادرت الولايات المتحدة أيا من الأصول الروسية المجمدة لديها.

ويسمح المرسوم للجنة الحكومية الروسية المعنية ببيع الأصول الأجنبية بتحديد الممتلكات ذات الصلة وينص على أن قرارات التعويض ستتخذها المحاكم.

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول بأن مصادرة الأصول الروسية كاملة أو حتى مصادرة العوائد الناجمة عن استثمار تلك الأصول، تعد مسألة شائكة من الناحية القانونية وخطوة محفوفة بالمخاطر ليس فقط للدول القائمة على تلك المصادرة، ولكن أيضًا بالنسبة للنظام الاقتصادي والمالي العالمي كونها تقوض الثقة المتبادلة التي هي أساس التعاملات الدولية، كما أنها قد تشكل سابقة تؤسس لنهج تتبناه الدول الكبرى والتكتلات العملاقة في المستقبل ضد دول أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى