تقاريرقراءات

رحلة ترامب على تويتر.. من ملياردير مشهور إلى «رئيس محظور»

في خطوة غير مسبوقة قرر موقع التدوينات القصيرة “تويتر”، إغلاق الحساب الشخصي للرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، نهائيًّا لمخالفته القواعد والقوانين الخاصة باستخدام المنصة، فضلًا عن اتهامه بالدعوة إلى العنف، وذلك على خلفية الأحداث الدامية التي شهدتها واشنطن الأربعاء الماضي حين اقتحم أنصاره مبنى الكونجرس الأمريكي، والتي راح ضحيتها 5 أشخاص، من بينهم ضابط.
فقد أشعلت رسائل ترامب لأنصاره حالة من الفوضى لم يشهدها الكونجرس منذ نحو قرنين وتحديدًا منذ عام 1814 عندما أحرقه البريطانيون خلال حرب 1812 المعروفة تاريخيًّا بـ”الحرب الغربية”، لأنها قامت بين طرفين غربيين هما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
ويشكِّل موقف تويتر خطوة متقدمة وحاسمة عن غيره من منصات التواصل الاجتماعي التي تفرض ما يمكن تسميته بحالة من العزلة المؤقتة على ترامب، فحساباته على “فيسبوك” و”إنستغرام” و”سناب شات” محظورة إلى أجل غير مسمَّى، لكن رغم تلك التطورات فإنه يبدو أن معركة الرئيس وشركات التكنولوجيا لن تُغلق مع رحيله عن السلطة، إذ ألمح ترامب الذي سيعود لحياته كملياردير وقطب عقارات إلى عزمه تدشين منصة خاصة به.
حظر تويتر يزيد عزلة ترامب في الفضاء الرقمي
وبدعوى مخاطر حصول “تحريض جديد على العنف”، اتخذ تويتر قراره بحظر حساب ترامب الذي كان قد عاد لتوِّه لاستئناف التغريد بعدما ظلَّ حسابه محظورًا لمدة 12 ساعة عقب اقتحام الكونجرس.
وهنا يبدو التساؤل حول تغريدات ترامب الأخيرة عبر حسابه قبل قرار المنصة بغلقه، وهي على وجه التحديد تغريدتان، الأولى قال فيها الرئيس الأمريكي إن “الـ75 مليون أمريكي وطني الذين صوَّتوا لي، أمريكا أولا لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا، سيكون صوتهم عظيمًا جدًّا في المستقبل، لن يتم التقليل من احترامهم أو معاملتهم بطريقة غير عادلة بأي شكل”.
كما أضاف في تغريدة لاحقة: “لأولئك الذين يسألونني، لن أشارك في عملية التنصيب في 20 يناير”.
ووفقًا لحساب “Twitter Safety”، فإن قرار التعليق الدائم للحساب جاء بعد مراجعة دقيقة لهاتين التغريدتين عبر تضمين السياق المحيط بهما، فقد رأى تويتر أنهما ينتهكان سياسة منع تشجيع العنف، الذي يمكن أن يلهم الآخرين لتكرار الأعمال الإجرامية التي حدثت في مبنى الكونجرس الأمريكي في 6 يناير الجاري، مشيرًا إلى أنه رصد مؤشرات متعددة على تلقِّيها وفهمها على أنها تشجيع للقيام بذلك.
وتطرَّق تويتر إلى ثلاثة أسباب رئيسية تتمثل فيما يلي:
• استخدام ترامب تعبير “الأمريكيين الوطنيين- American Patriots” لوصف أنصاره يمكن تفسيره على أنه دعم للذين قادوا أو نفَّذوا عملية اقتحام مبنى الكونجرس في 6 يناير الجاري لعرقلة جلسة التصديق على فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية الأمريكية.
• بالإضافة إلى أن عبارتي “سيكون صوتهم عظيمًا جدًّا في المستقبل” و”لن يتم التقليل من احترامهم أو معاملتهم بطريقة غير عادلة بأي شكل”، تشيران إلى أن “ترامب” لا يفكِّر في تسليم منظَّم للسلطة إلى الرئيس المنتخب جو بايدن، وأنه يخطط لدعم وتمكين وحماية أولئك الذين يصدقون أنه فاز بالانتخابات.
• قد تكون التغريدة الخاصة بإعلان ترامب عدم حضوره حفل التنصيب أيضًا بمثابة تشجيع لأولئك الذين يُحتمل أن يفكروا في أعمال عنف بأن الحفل سيكون هدفًا “آمنًا”، لأنه لن يحضر.
وبلا شك يزيد قرار تويتر من عزلة ترامب في الفضاء الرقمي بعد حظر حسابيه على موقعي فيسبوك وإنستغرام إلى أجل غير مسمى، وهو ما تكرر أيضًا في حسابه على تطبيق سناب شات.
وعلى الرغم من سَعْي ترامب إلى التحايل على قرار تويتر باللجوء إلى نشر تغريداته عبر حسابات أخرى مثل الحساب الرسمي لرئيس الولايات المتحدة (@POTUS)، فإن “تويتر” بات يلاحق تغريدات الرئيس الأمريكي أينما وُجدت، فسارع إلى حذف تلك التغريدات، إذ اعتبرها محاولة للالتفاف على الحظْر، متعهِّدًا بإزالة أي تغريدات من ذلك النوع، سواء على الحساب الرسمي لرئيس الولايات المتحدة أو حساب البيت الأبيض. الأمر الذي قابله ترامب بالكشف عن عزمه هو وفريقه بَحْثَ إمكانية “إنشاء منصة إلكترونية خاصة به في المستقبل القريب”، موجِّهًا اتهامات لتويتر بحجب حرية التعبير بالتنسيق مع الديمقراطيين واليساريين، لإسكاته هو و75 مليونًا صوَّتوا له في الانتخابات، مؤكدًا: لن يتم إسكاتنا، وفقًا لشبكة “إيه بي سي. نيوز” الأمريكية.

الأجواء السياسية المناهضة لترامب كمحفِّز لامتداد حملة الحظر إلى أنصاره
تشير قرارات تويتر إلى نفاد الصبر وذلك بالتوازي مع أجواء سياسية تحمِّل “ترامب” بشكل مباشر مسؤولية العنف، وصلت إلى بدء تحركات داخل مجلس النواب لعزل ترامب، رغم أنه لم يتبقَّ له سوى 11 يومًا في الحكم.
ومنذ خسارته في الانتخابات في نوفمبر الماضي، استخدم الرئيس الأمريكي منصة التواصل الاجتماعي للادعاء بلا أساس أن الانتخابات مزوَّرة، وكان تويتر قد بدأ في تصنيف تغريدات ترامب في الفترة التي سبقت الانتخابات، حيث يشير إلى أنها تحتوي على معلومات مضللة أو محل نزاع، ومع ذلك لم يقم بإزالة التغريدات.
لكن بعد اقتحام الكونجرس، أكد موقع تويتر حرصه على تمكين الجمهور من الاستماع مباشرة إلى المسؤولين المنتخبين وقادة العالم، منوهًا بأنه سبق وأوضح منذ سنوات أن هذه الحسابات ليست فوق قواعد المنصة ولا يمكنها استخدام المنصة للتحريض على العنف.
وبينما يرى البعض أن الإجراءات التي اتخذتها مواقع التواصل –في مقدمتها تويتر- ضد ترامب جاءت متأخرة كثيرًا، نظرًا لتاريخه في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر أفكاره المثيرة للانقسام، لاحظ آخرون أن هذه هي المرة الأولى التي يمكن فيها ربط العنف على الأرض بأنه نتيجة مباشرة لوسائل التواصل الاجتماعي نفسها، وفقًا لموقع “سوشيال ميديا توداي”.
هذا ولم يقتصر الحظر على الرئيس الأمريكي فقط، بل طال حسابات عدد من المقربين منه، إذ تم حظر حساب مايكل فلين، أول مَن شغل منصب مستشار الأمن القومي في إدارة ترامب، والصادر بحقه عفوٌ رئاسيٌّ أواخر العام الماضي بعدما كان يقضي عقوبة بالسجن لإدانته بتهمة الكذب على مكتب التحقيقات الفيدرإلى “إف.بي.آي” أثناء التحقيق في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016، كما تم حظر حساب المحامية سيدني باول، التي خدمت لفترة وجيزة في الفريق القانوني لترامب بعد خسارته في الانتخابات، وحجب تويتر أيضًا حساب حملة “TeamTrump- فريق ترامب”.
تطبيق بارلر يهدد حفل تنصيب بايدن.. ومحاولات لتطويق خطورته
بموازاة ذلك، بدا كأن هناك حملة تقودها شركات التكنولوجيا الكبرى أيضًا ضد ترامب، وتتعلق هنا بتطبيق “بارلر- Parler ” للتواصل الاجتماعي الذي يستخدمه أنصار ترامب بوصفه مساحة أكثر حرية للحديث دون قيود، حيث قامت شركة جوجل بحذف التطبيق من “متجر جوجل بلاي”، كما اتخذت شركتي آبل وأمازون خطوة مماثلة وقامتا بحذفه من متجريهما، وفقًا لموقع “بازفيد” الإخباري الأمريكي.
وجاءت تلك التحركات على خلفية وجود دلائل عن استخدام أنصار ترامب للتطبيق من أجل تنسيق اقتحام الكونجرس، إذ بات التطبيق بمثابة منصة بديلة لتجمُّع المطرودين من تويتر، حيث أشارت تقارير إلى انضمام ترامب إلى التطبيق يوم الخميس الماضي كوسيلة للحفاظ على التواصل مع أنصاره، بينما كان يخضع في ذلك التوقيت لحظرٍ مؤقت على مواقع التواصل الاجتماعي الرئيسية الكبرى.
ولعل ما يُضفي على هذا التطبيق تحديدًا قدرًا كبيرًا من الخطورة، هو وجود حالة من الجرأة بين أنصار ترامب ذوي الآراء المتطرِّفة، حيث يجري تنسيق بينهم للعودة إلى واشنطن في حفل تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن في 20 يناير الجاري.
وفي هذا الإطار، تم الكشف عن رسالة كتبها أحد مستخدمي التطبيق المؤمنين بنظريات المؤامرة التي تروِّج لها حركة “كيو أنون” قال فيها “سيعود الكثير منا في 19 يناير 2021 حاملين أسلحتنا دعمًا لعزيمة أمتنا، التي لن ينساها العالم أبدًا!”.
وقد تمَّ استخدام غرف دردشة بارلر وتليجرام ومنصة TheDonald.win لتخطيط وتنسيق مسيرة 6 يناير التي تحوَّلت إلى أعمال شغب، وذكرت الملصقات صراحة النية لاحتلال مبنى الكابيتول (مقر الكونجرس).
وقد أعربت ميغان سكوير، أستاذة علوم الكمبيوتر في جامعة إيلون بولاية نورث كارولانيا وزميلة كبيرة في مركز “Southern Poverty Law Center” الذي يتتبع التطرف عبر الإنترنت، عن قلقها من أنه نظرًا لأن الرئيس ترامب لن يحضر حفل التنصيب، فإن المتطرفين سيركزون على بايدن، بعدما تركزت طاقتهم على الكونجرس في 6 يناير.
وجمعت سكوير منشورات تتحدث عن 10 مسيرات مخططة في 17 يناير ينظمها أعضاء من ميليشيا يمينية متطرفة تطلق على نفسها اسم “Bugaloo bois”، وتعد من أكثر حركات تفوُّق البيض عنفًا وتطرُّفًا، حيث يعتقدون أن هناك حربًا عرقية وشيكة.
ويرى جوناثان جرينبلات، رئيس رابطة مكافحة التشهير المناهضة للكراهية أن تنصيب الرئيس الجديد لا يعني أن المتطرفين الموالين لترامب سوف يتلاشى دورهم، فالرواية التآمرية التي لا أساس لها حول سرقة الانتخابات ستستمر في تحريك المتطرفين لبعض الوقت في المستقبل.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول بأن رئاسة ترامب ومشواره السياسي القصير لم ينفصما أبدًا عن منصات التواصل الاجتماعي، وقد عبَّر ترامب بنفسه عن أهمية تلك المنصات بالنسبة إليه بعبارة شهيرة أطلقها خلال مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” الإخبارية الأمريكية في عام 2017 حين قال: “لأكون صريحًا، أشك في أنني كنت لأكون هنا (في البيت الأبيض) لو لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة”.
وقد حظي ترامب بوزن ضخم على منصات التواصل الاجتماعي فلديه أكثر من 32 مليون متابع على فيسبوك وأكثر من 88 مليونًا على حسابه الشخصي بموقع تويتر-الذي تم حظره نهائيًّا-، وكان متوسط تغريداته يوميًّا 23 تغريدة ما بين تغريدة أصلية ومعاد تغريدها “Retweet”، وكانت حملته قد أنفقت أكثر من 89 مليون دولار على إعلانات فيسبوك بين أبريل وأكتوبر من العام الماضي، ممَّا يؤكد أهمية المنصة لجهود ترامب في التواصل.
وبالنسبة للاعتقاد بأن التعامل مع ترامب كمؤثر يمكن احتواؤه وأن أفكاره تحيا وتموت تبعًا للقدرة على البث، ستكون مقاربة خاطئة تمامًا، فـ”الترامبية” أصبحت ظاهرة ترقى إلى أنْ تكون منصة في حد ذاتها، الأمر الذي يعزِّز من فكرة ترامب الحالية لإنشاء منصة خاصة به، ممَّا يسمح له بالبقاء كشخصية مركزية في الحياة الأمريكية، ويُحيي طموحاته في خوض معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2024.
ولذلك فإن السنوات التي قضاها ترامب في البيت الأبيض، إن جاز أنْ نضع لها عنوانًا رئيسيًّا فهي “سنوات الصدام” مع الإعلام برافدَيْه التقليدي والجديد.
أمَّا عن شركات مواقع التوصل الاجتماعي فمن الواضح أن مؤسسي المنصات الاجتماعية لم يتوقعوا أنها قد تحظى بتأثيرٍ بهذا الحجم لتغيير الرأي العام، وتؤدي إلى تسميم النظام السياسي الأمريكي والإضرار بمؤسساته على النحو الذي جسدته أحداث الأربعاء، التي وصلت إلى اقتحام الكونجرس، ولذلك على تلك المنصات أنْ تعيد النظر بشكل كامل في إجراءات مواجهة المحتوى الذي يحرض على العنف، وربما سيدفعها أكثر نحو تلك الخطوة تَعَالِي الأصوات المطالبة بتعديل أو إلغاء قانون آداب الاتصالات لعام 1996، الذي يسمح للمنصات بتعديل المحتوى دون تحمُّل المسؤولية القانونية عمَّا ينشره المستخدمون.

زر الذهاب إلى الأعلى