ترجمات

ما مدى نشاط وكلاء إيران منذ بداية الحرب؟

من أبرز جوانب الحرب في إيران حتى الآن مدى عزلة طهران في المنطقة، ويتجلى ذلك ليس فقط في اتساع الهوة بين إيران وجيرانها العرب في الخليج، بل أيضًا في التباين الكبير في ردود فعل الجماعات الوكيلة لإيران تجاه الصراع، وهذا ما سلط عليه الضوء مقال تحليلي نشره موقع “ذا كونفرزيشن” الإخباري لفنسنت دوراك الأستاذ المشارك في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة دبلن، الذي نستعرضه على النحو التالي:

  • حركة “حماس” الفلسطينية

اعتمدت إيران على شبكة من الوكلاء لحماية وتعزيز موقعها في المنطقة منذ عام 1979. ومن أهم عناصر هذه الشبكة حزب الله في لبنان، وحركة حماس في غزة، وسوريا تحت حكم أسرة الأسد، والميليشيات الموالية لإيران في العراق، والحوثيون في اليمن.

إلا أن هذه الشبكة تعاني من فوضى عارمة نتيجة للصراعات المتعددة في المنطقة منذ أواخر عام 2023، فقد مُنيت حماس بهزيمة ساحقة جراء الهجوم الإسرائيلي على غزة الذي أعقب هجمات 7 أكتوبر ضد إسرائيل، حيث قُتل عدد من قادة الحركة خلال الصراع، وأدى ذلك إلى عجزها عن المشاركة في الحرب مع إيران.

  • “حزب الله” اللبناني

من جهة أخرى، دخل “حزب الله” الصراع مبكرًا. وأطلق الحزب صواريخ وقذائف وطائرات مسيّرة على إسرائيل منذ 2 مارس الجاري ردًا على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في غارة جوية إسرائيلية في بداية الحرب. لكن “حزب الله” يجد نفسه متضررًا لدرجة أنه بات يُشكّل تهديدًا أكبر بكثير لاستقرار لبنان منه لإسرائيل.

وتعرّض الحزب لحملة عسكرية إسرائيلية بعد هجومه على إسرائيل عقب بدء الحرب في قطاع غزة. واستُهدفت قيادته السياسية والعسكرية، وبلغت ذروتها باغتيال أمينه العام حسن نصر الله عام 2024، كما تراجعت قدرة الحزب على إطلاق الصواريخ على إسرائيل.

ويشكّل استئناف “حزب الله” لهجماته على إسرائيل تهديدًا بالغًا للبنان على الصعيدين السياسي والإنساني، في حين أن هذه الهجمات لم تُجدِ نفعًا يُذكر في إسرائيل حتى الآن.

وأفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن الهجمات الإسرائيلية أسفرت عن مقتل 968 شخصًا منذ الثاني من مارس. ولم تُسجل أي وفيات في إسرائيل، على الرغم من مقتل جنديين إسرائيليين في كمين نصبه “حزب الله” في جنوب لبنان.

وأعلن الرئيس اللبناني، جوزيف عون، في الثاني من مارس الحالي، أن تصرفات “حزب الله” غير قانونية، وطالب الحزب بتسليم أسلحته، مؤكدًا استعداد لبنان للدخول في مفاوضات رسمية مع تل أبيب لتجنب فرضها ترتيبات أمنية جديدة على البلاد.

لكن الصراع الحالي كشف عن محدودية قدرة الدولة اللبنانية على السيطرة على الأحداث داخل أراضيها. في غضون ذلك، أعلنت إسرائيل عن خطط لتوسيع حملتها البرية في جنوب لبنان، مما زاد المخاوف من استمرار الاحتلال ونزوح مئات الآلاف من السكان.

  • الميليشيات الموالية لطهران في العراق

على غرار “حزب الله”، انضمت ميليشيات موالية لإيران في العراق إلى الصراع بعد وقت قصير من بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. وقد استهدفت هذه الميليشيات إسرائيل بالإضافة إلى قواعد عسكرية أمريكية في الأردن والعراق بطائرات مسيّرة وصواريخ، كما تعرضت جماعات كردية إيرانية (معارضة) في إقليم كردستان العراق لهجمات، عقب تقارير تفيد باحتمال تسليح الولايات المتحدة لها لمحاربة النظام في طهران. وردًا على ذلك، استُهدفت الميليشيات العراقية بغارات جوية أمريكية وإسرائيلية.

وكما هي الحال في لبنان، تُكافح الحكومة المركزية في العراق للحفاظ على توازن القوى الداخلية والخارجية. وقد أسفرت الانتخابات التشريعية في نوفمبر الماضي عن بروز ائتلاف من الأحزاب الشيعية كأكبر كتلة في البرلمان العراقي. إلا أن الولايات المتحدة رفضت مرشحهم لرئاسة الوزراء، نوري المالكي، بسبب تأجيجه التوترات الطائفية خلال فترة ولايته السابقة بين عامي 2006 و2014، وأنه مقرب للغاية من النظام في طهران. في غضون ذلك، تُكافح حكومة تصريف الأعمال العراقية لاحتواء نفوذ الميليشيات الموالية لإيران، بينما تُلحق الحرب دمارًا بقطاع النفط العراقي.

ويعتمد الاقتصاد العراقي اعتمادًا كبيرًا على عائدات النفط، إذ تُشكّل هذه العائدات نحو 90% من إيرادات الحكومة. وقد انخفض إنتاج النفط انخفاضًا حادًا منذ بداية النزاع.

  • الحوثيون في اليمن

يُعد الحوثيون آخر حلفاء إيران ذوي النفوذ في المنطقة، وقد برز غيابهم عن ساحة المعركة. فعندما اندلعت الحرب في غزة في أكتوبر 2023، شنّ الحوثيون سلسلة من الهجمات على السفن في البحر الأحمر. كما استهدفوا إسرائيل بضربات صاروخية بعيدة المدى، والتي كانت غير فعّالة إلى حد كبير.

وأدى اندلاع الحرب الحالية مع إيران إلى احتجاجات وبيانات إدانة في اليمن، حيث حذرت قيادة الحوثيين في 5 مارس من أنهم “على أهبة الاستعداد للتدخل”. ولكن حتى الآن، لم يُتبع هذا التحذير بأي إجراءات ملموسة، وهناك عدد من التفسيرات المحتملة لهذا التردد الواضح في تقديم الدعم للنظام في طهران.

وقد أشار محللون، مثل ندوة الدوسري من معهد الشرق الأوسط في الولايات المتحدة إلى أن إيران ربما تُبقي أي تدخل من جانب الحوثيين كخيار احتياطي. وتجادل الدوسري بأن طهران قد تفعل ذلك انطلاقًا من قناعتها بأن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى ضد دول الخليج وإسرائيل ستكون أكثر فاعلية في مراحل لاحقة من الصراع.

لكن من المحتمل أيضًا أن تخشى قيادة الحوثيين من تداعيات الرد الأمريكي والإسرائيلي في حال انخراطها المباشر في الصراع. ففي أغسطس الماضي، أسفرت هجمات إسرائيلية عن مقتل ما لا يقل عن 12 من كبار قادة الحوثيين، من بينهم أحمد الرهوي، رئيس وزراء حكومة الحوثيين في العاصمة اليمنية صنعاء. ومع ذلك، يبقى من المشكوك فيه قدرة قيادة الحوثيين على مقاومة الضغوط الإيرانية للدخول في الصراع، ما قد يدفعهم في نهاية المطاف وإن كان ذلك على مضض.

زر الذهاب إلى الأعلى